سنة أولى برلمان.. من كواليس الترشح لمطبخ التشريع

بين نائب يؤدي القسم مرتبكًا وآخر يخاطب رئيس هيئة قومية بلهجة المساءلة، تقاس مسافة عام كامل قضاه نائبان مستجدان تحت قبة البرلمان، وهي المسافة التي يكشف عنها انتهاء دور الانعقاد الأول، حين يعلن المجلس عدد جلساته وأدواته الرقابية التي ناقشها، وتبدأ معها مرحلة تقييم أدائه.

في هذا الإطار عقدت "فكر تاني" جلسة حوارية تحدث خلالها النائب حسين هريدي، عضو مجلس النواب عن حزب العدل، والنائب أحمد علاء فايد، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، عن رحلة الوصول لمقعد البرلمان وكواليس مطبخه خلال دور الانعقاد الأول.

لسنا قطع بازل

وصل فايد إلى مقعد مجلس النواب من خلال التعيين، بعدما خاض تجربة الترشح على مقعد فردي في دائرة القاهرة الجديدة في انتخابات 2020، ليجد نفسه بعد هذا المسار المزدوج ممثلًا في المجلس لحزب معارض من خلال قرار رئاسي، وهو ما يعلق عليه مشيرًا إلى الحق الدستوري للرئيس في تعيين 5% من أعضاء المجلس، بينما يرفض في السياق نفسه الربط بين هذا التعيين وما جرى في الانتخابات البرلمانية وقبلها الانتخابات الرئاسية التي ترشح فيها رئيس الحزب فريد زهران من تفاهمات بين الحزب ومهندسي الانتخابات، ويوضح فايد أن "السيرة الذاتية تفرض نفسها، لأن دائمًا يتم النظر للمعينين إنهم يكملوا النواقص، مثل قطع البازل"، مشيرًا إلى طريقة اختيار الرئيس للمعينين من خلال خبراء أو تنفيذيين سابقين في عدد من الملفات، وهي طريقة يتجسد أثرها في حالة وزير الخارجية السابق سامح شكري الذي عينه الرئيس، ويترأس الآن لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب.

وعلى عكس مسار التعيين الذي سلكه فايد، حصل النائب حسين هريدي، عضو مجلس النواب عن حزب العدل، على المقعد عن طريق الترشح على القائمة الوطنية من أجل مصر، لكن هذا المسار لم يخل بدوره من مفاجأة يرويها بقوله "حتى آخر يوم لم أكن أعلم بترشحي، لكني علمت وجودي في القائمة من خلال السوشيال ميديا"، وليدلل على أن هذا الحلم كان يراوده منذ سنوات يستعيد هريدي منشورًا نشره على فيسبوك "كتبت في 2020 أتحدث عن أني سأكون نائب في البرلمان"، ودافع عن وجوده في قائمة 2025 مشددًا على عدم دفع مبالغ مالية مقابل الترشح "والله ما دفعت حاجة".

أقسم برعاية مصالح الشعب

وإذا كانت رحلة الوصول قد اختلفت بين النائبين على هذا النحو، فإن رهبة اليوم الأول جمعتهما من زاوية مختلفة، إذ كانت لحظة أداء القسم في أول يوم لانعقاد البرلمان الأكثر رهبة بالنسبة لهريدي، الذي يتحدث عن العبء النفسي الذي تحمله عندما أدرك خلال حلف اليمين الدستورية معنى القسم وقيمته "شعرت أنني أحلف القسم أمام 120 مليون مصري"، ومن رحم هذا الإدراك يضيف "الرفاهية التي كانت موجودة قبل القسم اختفت بعده، المسؤولية التي سأحاسب عليها اليوم هي كل القسم بأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة"، أما فايد فتختلف كواليس لحظته الأولى، إذ يروي أنه علم بقرار التعيين عبر مكالمة هاتفية من صديق، والتجربة المربكة التي أعقبت ذلك، واصفًا مشاعره في أثناء الجلسة الأولى والتحول الذي طرأ على حياته "كان شعورًا غريبًا ومختلفًا وممزوجًا بالمسؤولية"، ومضيفًا أن هذا الإحساس بالمسؤولية "هو ده اللي ينزلني من بيتي الساعة 2:00 بالليل عشان أحاول أساعد ناس عندها مشاكل".

وسرعان ما تحولت هذه الرهبة إلى حضور لافت في الأيام الأولى لدور الانعقاد الأول بالنسبة لهريدي، الذي سطع مرة في خلاف واضح مع رئيس لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، المستشار محمد عيد محجوب، خلال مناقشة مشروع قانون لتغليظ عقوبة الاستيلاء على التيار الكهربائي، وسطع مرة أخرى خلال مناقشة تعديلات قانون الخدمة العسكرية ومطالبته بحق المستبعدين من أداء الخدمة في الترشح، وثالثة بعدما تبنى مطالب مرضى ضمور العضلات دوشين الذين تجمعوا أمام مجلس النواب في العاصمة الإدارية. لكن البعض رأى في هذا الحضور بداية ساخنة أعقبها تراجع، وهو يدافع عنه هريدي نافيًا "سكونه"، قائلًا إن "آخر كلمة لي كانت رفض الموازنة العامة، ثم رفضت قرض لوزارة النقل"، ويشدد في الوقت نفسه على عدم تلقيه اتصالات أو تعليمات تطالبه بتعديل أدائه أو مطالبته بمزيد من الهدوء "محدش كلمني، ولا حد ليه يكلمني".

قضايا البيئة ليست "نكتة"

وبينما كانت بداية النائب أحمد علاء فايد ساخرة من الحكومة التي وصفها بأنها "حكومة من إيجيبت والشعب من مصر"، فإنه سرعان ما ركز خلال تقدمه بأدوات المساءلة البرلمانية على قضايا قد تبدو منسجمة مع "شعب إيجيبت" هذا، مثل القضايا البيئية، إذ يقول فايد "مش لازم الـ596 نائب يتكلموا في التأمينات"، موضحًا أن القضايا الأكثر شعبية لا يجب أن يتحدث فيها جميع النواب، ومشددًا على وجود قضايا حيوية قد تبدو للوهلة الأولى أنها رفاهية لكنها مؤثرة على الجميع ولا يجب إهمالها، ومن أبرز هذه القضايا التي يشير فايد إلى نجاحه فيها حصوله على توصية لإلزام الجهات الحكومية بالإشراف على مراسي البحر الأحمر لمنع "نحر البحر" الذي حدث في مشروع مراسي في الساحل الشمالي، لافتًا إلى خطورة النحر على البيئة البحرية في البحر الأحمر.

وعلى الجانب الآخر، نجح هريدي في انتزاع توصيات ملزمة لصالح بعض الخدمات الصحية والمستشفيات في قنا، غير أن نجاحه هذا لم يشفع لملفات أخرى تعامل معها من خلال أدوات برلمانية رقابية مازالت معطلة، أبرزها طلب المناقشة العامة الذي تقدم به بشأن مرضى ضمور العضلات دوشين ولم يناقَش بعد، ومن الملفات المعطلة أيضًا ما يتعلق بتنصل رئيس الهيئة القومية للتأمينات والمعاشات، اللواء جمال عوض، من التزاماته بحل أزمة سيستم المعاشات في مطلع أغسطس الجاري "التوصية الملزمة بناءً عليها تعهد على مسئوليته إن أخر ميعاد هو 1 أغسطس"، وأمام هذا التنصل يطالب هريدي رئيس الهيئة بالاستقالة "أنت مش قادر سيبها لغيرك ممكن يقدر".

"اجتماع" المسار المشترك

وبعيدًا عن هذه الملفات الفردية، يتفق النائبان على أن يوم مناقشة مشروع الموازنة العامة للدولة والتصويت عليها كان اليوم الأكثر إحباطًا خلال دور الانعقاد الأول، يقول فايد "يوم الموازنة كان لدي أمل في الاعتراف أن المسار خطأ، ونقوم على الأقل بتعديلين يضمنوا الحماية الاجتماعية للمواطنين اللي إحنا بننسفها، لأن الحكومة بتفكر بالدولار، والمواطن بيعافر عشان يعيش بالجنيه".

وإذا كانت الموازنة قد جمعت النائبين في لحظة إحباط مشتركة، فإن جذورهما في العمل العام تعود إلى مسار مشترك آخر، إذ عرف النائبان العمل العام من خلال مشاركتهما قبل سنوات في الاتحادات الطلابية، وأشارا خلال الجلسة الحوارية إلى غياب الكوادر الشابة والجيل الجديد عن الممارسة السياسية نتيجة لتوقف انتخابات المحليات منذ عام 2008، وتراجع حرية الأنشطة والاتحادات الطلابية داخل الجامعات، وهو ما يفسر في رأي فايد وجود فجوة أجيال حقيقية صنعتها هذه السياسات "آخر انتخابات محليات كانت 2008، وهذا خلق حالة فراغ في الكوادر، فراغ في الأجيال"، داعيًا إلى "استخدام القيادات الطبيعية اللي يتم فرزها عن طريق الشارع والمحليات أو عن طريق العمل الطلابي جوة الجامعة"، وفي مواجهة هذا الفراغ نفسه يكشف هريدي عن تجهيزه لمشروع قانون متكامل بشأن الاتحادات الطلابية واللائحة الطلابية في الجامعات، يقوم على حرية الممارسة الطلابية في الجامعة وفي المدارس بشكل كامل.

تصوير: أيمن السياري - فكر تاني

ومع انتهاء دور الانعقاد الأول وتقييم أداء مجلس النواب، يعلق هريدي وفايد على الأداء البرلماني لـ596 نائبًا، في ظل وجود 200 نائب لم يتحدثوا تحت القبة خلال دور الانعقاد الأول، وفقًا للإحصائيات الرسمية الصادرة عن مجلس النواب نفسه، وهو ما أثار جدلًا خلال الجلسة الحوارية عن مدى إمكانية اعتماد الحديث بالجلسة العامة كمعيار للتقييم، إذ يرى حسين هريدي أن الأداء في الجلسة العامة ليس المعيار الوحيد "لا أراه معيارًا جديًا إن هو اتكلم في الجلسة العامة أو لأ، تقييم مين اتكلم ومين لأ، ده نسيبه بعد 5 سنين"، في المقابل يشدد أحمد علاء فايد على عملية تقييم النواب بناءًا على عدد مرات الحديث، ويشير إلى أهمية جوهر ما يُقال وليس مجرد الظهور أمام الكاميرات "الأهم هو محتوى الكلمة، في أوقات كثيرة نتحدث عن موضوع مثل التعليم، لكن أحد الزملاء يتحدث عن مشاكل الدائرة"، وامتدادًا لهذا المعيار الأعمق ينوه فايد بالدور الذي تلعبه اللجان النوعية باعتبارها المطبخ الحقيقي للتشريع "نحتاج أن نرى أداء النواب داخل اللجان النوعية، ومن الممكن أن يكون النائب لا يشارك في الجلسة العامة، لكنه مثلًا في اللجنة الاقتصادية لديه أداء متميز".

تغيير الحكومة

ومن نقد الأداء البرلماني إلى نقد الأداء الحكومي، يتفق النائبان المعارضان على ضرورة رحيل الحكومة التي يرأسها دكتور مصطفى مدبولي، ويشدد هريدي على أن الأزمة تكمن في طريقة الإدارة والاستسهال التنفيذي من قِبل المسؤولين "ليس لدينا مشكلة قصور في الموارد، الأزمة في الاستسهال في كل شيء"، ولتجسيد هذا الاستسهال يطرح أمثلة "يستسهل يزود الكهرباء، يستسهل ياخد قرض، ووزير النقل أخذ 4 مليار في قرض واحد عشان يعمل قطار سريع من الصحراء للصحراء"، ومن جانبه يدعو النائب أحمد علاء فايد إلى الإسراع بتغيير رئيس الوزراء والإتيان بحكومة اقتصادية وسياسية، موضحًا "يجب تغيير الفلسفة، محتاجين رئيس الوزراء القادم ذو خلفية اقتصادية، مارس العمل الحكومي، يفهم طريقة عمل دولاب الدولة"، وامتدادًا لهذه الرؤية يوضح فايد معايير الحكومة التي يأمل في تشكيلها بعد رحيل مصطفى مدبولي "تكون حكومة سياسية، حكومة ائتلافية، حكومة متوسط الأعمار فيها صغير، وتكون شبهنا".

ومع تطلع النائبين إلى العام البرلماني الثاني لهما، يخططان لأجندة عمل في دور الانعقاد المقبل، فبينما يتعهد هريدي بتقديم طلبات إحاطة لدعم مرضى دوشين، يصمم فايد على ضرورة العمل في القضايا البيئية التي يعتبرها "أمن قومي" وتساعد في تحسين الاقتصاد وبيئة الاستثمار.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة