أصبح الحديث مؤخرًا عن الإنترنت الآمن لمحاربة استدراج الأطفال والمراهقين، محل جدل كبير. خاصة بعد واقعة قتل الطفل أحمد سعد الذي يبلغ من العمر 15 عاما والمعروف إعلاميًا بطفل “شبرا الخيمة“. حيث وجُد سعد مقتولا في شقة مستأجرة -وفقا لتحريات النيابة- وانتزعت بعض أحشائه ووضعت في كيس بجانب جثته.
كشف حادث “شبرا” مدى تأثير استدراج واستهداف الأطفال والمراهقين عبر الإنترنت. خاصة بعد تصريحات الجاني أنه فعل ذلك بتحريض من مراهق مقيم بالكويت تعرف عليه عبر أحد المواقع الخاصة بتجارة الأعضاء البشرية. الذي عرض عليه مبلغ خمسة ملايين جنيه مقابل قتل أحد الأطفال وتصوير عملية نزع الأعضاء عبر خاصية الفيديو كول.
الدارك ويب والاستدراج الجنسي
وفقا لدراسة صادرة عن هيئة الأمم المتحدة تشير إلى أن عام 2023 شهد استخدام نسبة 79% ممن أعمارهم بين 15 و24 عاما منصات التواصل عبر الإنترنت. فيما أصبح الأطفال يقضون وقتا أطول على الإنترنت اليوم أكثر من أي وقت مضى. إذ يتصل طفل بشبكة الإنترنت -لأول مرة- كل نصف ثانية.
لكن الجانب الأكثر إثارة للقلق هو انتهاك شركات التكنولوجيا لخصوصية الأطفال –لجمع البيانات لأغراض التسويق– ما يجعلهم عرضة للخطر.
في ظل حالات الاستدراج واستهداف الأطفال والمراهقين بشكل كبير، علينا أن نسأل ما الذي قد يدفعهم لإعطاء بيانات شخصية لشخص لا يعرفوه وينفذون أوامره. التي تصل أحيانًا إلى أن يؤذي نفسه أو آخرين مثلما حدث مع الأطفال الذين لعبوا لعبة “الحوت الأزرق“؟
دكتور جمال فرويز استشاري الطب النفسي قال لمنصة “فكر تاني” إن الأمر يختلف من طفل لآخر وهناك أسباب متعددة. فهناك طفل لديه حب المعرفة والاستطلاع، ويمتلك ذكاء يجعله يبني صداقات مع أشخاص يكبرونه في العمر. وقتها يتم استدراجه بطريقة غير مباشرة ليبدأ في الإفصاح عن المعلومات.
أما عن أسلوب الاستدراج، فيقول إنه في البداية يكون هناك استمالة وتقارب، بعدها يصبح الطفل تحت التهديد لتنفيذ الأوامر.
وعادة يكون تفكير الطفل في هذه المرحلة محددا، أي أن التهديد بالنسبة له يكون لفظيا وليس مجازيا. فإذا تم تهديد الطفل بالقتل، والإيذاء له أو أحد أفراد الأسرة، فهو يعتبره حقيقيا مما يسهل السيطرة عليه.
بينما هناك نوع آخر ينشأ في بيئة أسرية ضاغطة، تكثر فيها الخلافات بين الأب والأم وشجارات عديدة والتباعد بين أفرادها. بسبب ذلك ينشأ لدى الطفل حرمان عاطفي يجعله وفقا لاستشاري الصحة النفسية “يعيش سن مش سنه”. كما سيجعله ذلك يتعرف على أشخاص غرباء في محاولة لتفريغ هذه العاطفة.
أحيانًا ينتج عن تلك العلاقة، الإفصاح عن أسرار البيت وعن بيانات شخصية ما يسهل السيطرة عليه.
هكذا يتم استدراج الأطفال إلكترونيا
بينما -وفقا لفرويز– هناك نوع آخر من الأطفال يكون من طبيعته الاسترسال في الحديث. وفي جميع الحالات يكون نتيجة قلة وعي سببها عدم تخصيص الأهل لوقت لسماع أطفالهم واحتواء مشاكلهم، أو توعيتهم بما يجب ولا يجب مشاركته مع الغرباء.
فيما يرى أن توجيه اللوم والنقد باستمرار للأطفال يجعلهم يحجمون عن تبليغ الأهل والإفصاح عما بداخلهم لهم.
كما ينصح فروير الآباء والأمهات إذا علموا بتعرض طفلهم للعنف الجنسي، إذا كان أكثر من 4 سنوات أن يتلقى الدعم النفسي فورا. كذلك أن يراقبوا تغير نشاطه الاجتماعي وسلوكه باستمرار، إذا كان قد تغير أو تأثر.
بينما لم يكن حادث الطفل أحمد هو الأول. ففي بورسعيد -في العام الجاري- كشفت التحقيقات أن سيدة كانت على تواصل مع نفس المراهق المتهم الأول في قضية الطفل أحمد، وأنها خدّرت نجلها لإفراغ أحشائه وبيعها عبر الإنترنت المظلم “الدارك ويب”. كما طلب منها تصوير فيديوهات أجزاء من جسده، بمقابل مادي يصل إلى مليون جنيه للدقيقة الواحدة، للترويج عبر “الدارك ويب“.
لكنها لم تقتل ابنها، بل صورت فيديو “مفبرك” وأرسلته لإثبات أنها ستنفذ طلبه. فيما أكدت للنيابة على أنها حينما خدرته لم تعلم أنه سيصاب بإعياء شديد. لاسيما وأنها -وفقا لها- لم تكن تنوي قتله وإفراغ أحشائه كما طلب منها.
وقالت أثناء التحقيق إنها كانت ستقتل ابن شقيقتها، وتفرغ أحشائه لتحصل على أموال كثيرة، حسبما أغراها المتهم.

المراهقون يصابون باضطرابات نفسية بسبب الإنترنت
وكانت الباحثة أمل جمال قطب في قسم الإعلام وثقافة الأطفال جامعة عين شمس، نشرت دراسة عن التحرش الإلكتروني وعلاقته ببعض الاضطرابات النفسية لدى المراهقين. أظهرت أن نسبة المراهقين الذين يتعرضون للتحرش الإلكتروني وصلت إلى 78,3% من إجمالي العينة وكانت نسبة الإناث أعلى من الذكور.
ولم يبد أغلب المراهقين أي رد فعل بسبب “الخوف من عقاب والدي” بنسبة 82.3% من إجمالي العينة. فيما صاب العديد منهم اضطرابات نفسية بعد التعرض للتحرش الإلكتروني منها الخوف والقلق والتوتر والانطواء والحزن بنسبة بلغت (56,9%) من ذكور وإناث.
وحسب دراسة، أجرتها مؤسسة “تشايلد لايت”، تعرّض 1 من كل 8 أطفال حول العالم في 2023، دون رضاه، لالتقاط أو نشر مواد مصورة له ذات طابع جنسي، أو لمشاهدة محتوى من هذا النوع، عبر الإنترنت.
كما تعرّض 12.5% لتفاعلات جنسية غير مرغوب فيها عبر الإنترنت خلال نفس العام، وتضمنت تلك التفاعلات: الرسائل الجنسية، طلبات الأفعال الجنسية من البالغين وصغار آخرين، الابتزاز بالصور الحميمة، استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء صور مزيفة.
تظل هناك أسباب شتى تعرقل محاولات حماية الأطفال من الاستغلال، منها أن الأطفال يمثلون أكثر من مليار مستخدم على الإنترنت، وأن نسبة وعيهم وذكائهم بالإنترنت تتفوق على البالغين والآباء بالتحديد، وهذا يجعلنا نلجأ لسياسات حماية تقنية.
عالم الإنترنت المظلم وطرق استدراج الأطفال
“ما يحدث على الإنترنت الآمن يسمى بالـ child grooming أو استمالة الأطفال“، هذا وفق ما أكده أحمد حجاب خبير السلامة الرقمية لـ”فكر تاني“. وأضاف أن هناك استراتيجيات معينة يمكنها حماية الأطفال بشكل كبير.
من بين هذه الاستراتيجيات: ألا يجب إنشاء حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي للأطفال أقل من 13 عاما. كما ينبغي أن يربط الآباء حسابات أطفالهم بحساباتهم عبر تطبيقات تسمى بالـ parental control لها صلاحية معرفة من الذي يتواصلون معهم، ونشاطهم على الإنترنت. كما أن لتلك التطبيقات قدرة على تحديد وقت مسموح لهم باستخدام الإنترنت في اليوم.
فيما يشدد حجاب على ألا يغفل الأبوين توعية الطفل بأمانه الرقمي، ليس عن طريق إملاء الأفعال. لكن؛ بتنبيه الطفل أن يخبرهم في حالة تواصل شخص غريب معه.
ومع ذكاء وسرعة تعلم الأطفال، ماذا ينبغي للأهل أن يفعلوا لمواكبة سرعة الإنترنت وتعلم أطفالهم؟ يخبرنا خبير السلامة الرقمية أن فكرة استهداف الأطفال تحدث بشكل منظم جدا. فنجد أن المجموعة التي تستهدف الأطفال تتواجد في الصفحات والمنصات التي يستخدموها، وهذا يتعلق بخبرة المستهدف البالغ.
بينما يضيف “الأطفال لا يتم استهدافهم فقط عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي بل من خلال الألعاب الاونلاين. الأمر يشبه بالضبط أن تترك طفلك يستقبل غرباء بالغين في غرفته“، لافتا إلى أن المخترقين والمستهدفين عادة ما يتخفون في حسابات يصعب التعرف عليها. سواء حسابات بشخصيات أطفال وهمية أو أسماء فتيات.
وأوصى خبير السلامة الرقمية أن يعلم الآباء أبنائهم ألا يفصحوا عن المعلومات والبيانات الشخصية التي تخصهم أو تخص أحد أفراد الأسرة أو الأقارب والأصدقاء. كذلك إذا حدث تهديد من أي شخص يجب أن يتوجه لأحد الأبوين أو لشخص بالغ يعرفه جيدا.
كما أن هناك نوع آخر من الأخطاء هو مشاركتهم كلمات السر مع أصدقائهم، أو عمل حسابات من هواتف الأصدقاء بسبب رفض الأهل لإنشاء حساب إلكتروني، فهذا يعرضهم لأن تصبح بياناتهم الشخصية على أجهزة ليست لهم.
اقرأ أيضا: ما معنى “الإنترنت النسوي”؟
احذر فخ الاستهداف الرقمي

هناك استراتيجيات عديدة يستخدمها المستهدف للتقرب من الطفل، وفقا لحجاب تكون من خلال خلق حسابات وهمية مهتمها التقليل منه وحسابات أخرى تدافع عنه. قد يكون المستخدم للحسابين هو نفس الشخص لزعزعة ثقة الطفل في نفسه وليسهل استهدافه بعد ذلك.
وحذر خبير السلامة الرقمية من خطورة ما تفعله بعض المواقع التي تستطيع التحكم في المحتوى، إذا كان الحساب لطفل/ة. حيث تستطيع التحكم في المحتوى ألا يظهر للبالغين حتى لو أمسكوا الهاتف. إذ تستطيع اللوغاريتمات التعرف على صاحب الحساب من خلال الكاميرا فيُمع ظهور المحتوى للأباء.
وحتى لا يقع الأبناء في فخ الاستدراج، يوصي هاني هلال أمين الائتلاف المصري لحقوق الطفل، باطلاع الآباء والأمهات على دليل الاستخدام الآمن للإنترنت. صدر الدليل من المجلس القومي للطفولة والامومة في 2009 وهو دليل عن السلوك الآمن أثناء استخدام الإنترنت. إذ يوصي الدليل مثلا بعدم إضافة أحد غير معروف بشكل شخصي. كذلك عدم مشاركة صور وبيانات خاصة وعدم مشاركة معلومات شخصية كالسن ومحل السكن ومعلومات عن العائلة.
أما في حالة تورط الطفل واستدراجه أو تعرضه للتحرش، فيوصي هلال بالاتصال فورا بخط نجدة الطفل 16000. الذي بدوره سيتواصل مع الادارة المعنية بالجرائم الالكترونية في وزارة الداخلية، حتى يصل للشخص المعتدي.



