عن الزوجة حين "تستأصل" أحد قمريها

"بعد عشرة عمر، جوزي قرر يطلّقْني. مقدرش يتحمل شكل جسمي من غير ثدي.. حصلت مشكلة كبيرة بينا بعد ما جالي ورم ليفي في الرحم واضطريت أشيل جزء من صدري.. سابني وبعت لي ورقة طلاقي غيابي.. وما اعرفش عنه غير إنه اتجوز مرتين بعدي".

في قصيدته "حوار مع سفرجلتين (نوع من الفاكهة تشبه الكمثرى)"، يصف الشاعر السوري نزار قباني جسد المرأة، فيقول: "سلام على قمرين يدوران حولي.. فهل تنقلين إلى ناهديك السلام؟". هكذا ينظر الرجل العربي -إلا قلة قليلة- لجسد المرأة معيارًا لجمالها، فصعب إن يغادر هذا الإرث مخيلته؛ لا أدبًا ولا واقعًا معاشًا.

لم تتلق "نجوى رزق"، البالغة من العمر 65 عامًا الدعم المعنوي الذي كانت تنتظره من زوجها بعدما أصابها السرطان في معيار جمالها عنده، حتى بعد هذا العمر الطويل.

تقول في حديثها لمنصة "فكر تاني": "جالي فوبيا من شكل جسمي بسبب طريقته معايا.. كان دايمًا يبص لجسمي بطريقة تبين قد ايه هو مش راضي بعد استئصال ثديي، وكأني أنا السبب".

اقرأ أيضًا: تحت ظلال العنف.. معاناة المرأة في بيتها

وصلت "نجوى" إلى ذروة المعاناة النفسية، فكانت تكره جسدها وتتجنب النظر في أي مرآة. تضيف: "مكنش معايا فلوس أعمل عملية تجميل لأن إمكانياتنا المادية مش كبيرة.. كنت بقفل النور و أنا بستحمى.. مكنتش متخيلة إن جوزي اللي بينا سنين عمر يبقى أكتر الناس أذية ليا.. أنا لو كنت مكانه كنت هتقبل مرضه وأدعمه معنويًا.. بس أنا كده مرتاحة أكتر إنه مش معايا.. الانفصال كان أكبر صح حصل في حياتي".

مع الثدي كلهم سواء

"طول عمري علاقتي بأورام الثدي مُجرد تواصل من مركز بهيّة للأورام للتبرع لحالات سرطان الثدي، عمري ما تخيلت إني أكون مريضة في يوم من الأيام".

كانت "نسمة"، لا تزال في مرحلة شبابها حينما أصابها ورم في ثديها الأيمن. "روحت لعيادة طبيب مُتخصّص بجراحة أورام الثدي للكشف.. وقتها دفعت كشف حوالي 700 جنيه.. كل حاجة مع السرطان مكلفة؛ العلاج والكشف والألم النفسي والبدني".

أكد الطبيب مخاوف "نسمة"؛ حيث أخبرها بأنها تعاني من ورم، يستلزم إجراء جراحة استئصال تكلفتها المادية وصلت إلى 15 ألف جنيه، فقدت معها جزءًا كبيرًا من الثدي لمنع تفشي الورم إلى باقي جسدها.

بعد العملية؛ بدأتْ "نسمة" تلاحظ تغيرات في سلوك شريكها أثناء العلاقة الزوجيّة، كانت تشير إلى عدم تقبّله شكلها بعد الجراحة. "مقدرش أنكر إنه دعمني طوال فترة مرضي، بس بعد كده بدأ يتضايق من شكلي.. الموضوع كان مهم بالنسبة له.. عينيه كانت بتقول كده قبل كلامه".

وفقًا لمنظمة الصحة العالميّة؛ فإن سرطان الثدي هو النوع الأكثر شيوعًا للسرطان لدى النساء، حيث تعرضت حوالي 2.1 مليون امرأةٍ للإصابة به في العام 2018، وانتهت حياة حوالي 630 ألف امرأةٍ منهنّ بالوفاة نتيجة المرض. وهو ما يرجع إلى التشخيص المُتأخّر وعدم الحصول على العقاقير اللازمة للعلاج، بفعل ارتفاع التكلفة.

لا.. ليس كلهم سواء

"جالي سرطان ثدي مرتين في 2016 و2020.. أول ما بدأت أروح أخد العلاج الهرموني، كُنت بسمع ستات كتير بتحكي قصص انفصالها بسبب تشوّه شكل الثدي.. كنت مخضوضة وخايفة جوزي يعمل زي باقي الرجالة اللي سمعت عنهم.. لكن على العكس تمامًا، لقيته داعم لي نفسيًّا بشكل كبير، وامتصّ كل مخاوفي".

لم تشعر "جيهان الأصيل"، عضو مجلس أمناء رابطة دعم مريضات السرطان، والبالغة من العمر 50 عامًا، بثمة تغير في سلوك زوجها بعد إصابتها بسرطان الثدي. بل على العكس كان من أقرب وأكثر الداعمين لها، كما تروي لـ "فكر تاني".

المعاناة كلها واجهتها "جيهان" مع الآثار الجانبيّة لتناول الأدوية. "محدش من الدكاترة كان بيقول ايه اللي هنمر بيه بالظبط.. وده حال كل الستات المصابات بالسرطان.. بيمروا بأوقات صعبة بتأدي لمشكلات زوجية تنتهي بالطلاق، وبيكون من ضمن الأسباب آثار الدوا الجانبية.. رحلة مريرة وقاسية من غير مرشد ولا دليل.. وعشان كده فكرت واللي زيي نساعد غيرنا من مريضات سرطان الثدي".

اللي معهاش مش بس هتفقد ثدي

"أول ما جالي الكانسر كان في عام 2018. كان عمري 37. في الأول قلت دي هرمونات لغاية ما الورم زاد. روحت للدكتور، وقال لي إن الورم عندي وراثة".

تكبّدتْ "هند بيومي" أموالًا طائلةً لإجراء جراحة استئصال ورم الثدي بأحد المستشفيات الخاصة. وقد وصلت تكلفة الجراحة إلى قرابة 28 ألف جنيه مصريّ، كما تقول لـ"فكّر تاني".

"ما كنش معايا فلوس كفاية فعملت متابعة للعلاج بمستشفى الدمرداش الحكوميّة. ومش عارفة أعمل ايه وهينتهي بيا الحال لفين".

تشخيص طبيٌّ خاطىء

"كنت بتابع إعلانات التلفزيون عن ضرورة الفحص الدوريّ المبكر لأورام الثدي. وفي مرة لقيت زي كلكيعة كده في جزء من الثدي.. كشفت وأنا عندي شك إنه ورم بس ما حسيتش إني فيه حد فاهم مشكلتي".

تردّدتْ "فاطمة" على أطباء كُثر. أجمعت الغالبية منهم على إصابتها بخرّاج في الثدي وليس ورمًا. تناولت العديد من المضادات الحيويّة لعلاج ما كانت تظن أنه التهاب وفق استشارة طبيبها ولكن دون جدوى، حتى خضعت لفحص دقيق وتأكدت إصابتها. "آخر دكتور عمل فتح لمكان الإصابة معتقد إنه خراج.. كان تشخيصه غلط.. اتأكدت من ده لما في الآخر اضطريت أروح لمستشفى خاص واتأكدت من وجود ورم في الثدي. خضعتْ لجراحة استئصال للورم، وعملت تحاليل أثبتت إني في بداية المرض وإن اللي حصل أضر بحالتي أكتر".

محددات كلفة استئصال أورام الثدي

يشير جراح أورام الثدي، محمد عمر، إلى عديد من العوامل التي تُحدّد التكلفة الاقتصاديّة لجراحات استئصال أورام الثدي. وعلى رأسها نوع الورم، مضيفًا في حديثه لـ "فكر تاني"، أن أورام الثدي الحميدة من المُمكن علاجها بسهولةٍ من خلال استئصال الورم الليفيّ دون الحاجة إلى استئصال الثدي بأكمله. كذلك، يمكن علاج أورام الثدي الخبيثة أيضًا من خلال إجراء جراحيٍّ بسيط لاستئصال الورم. ولكن في مراحل الورم الخبيث الأوليّة، وهما نوعان، تتراوح تكلفة الجراحة ما بين 18 و30 ألف جنيه مصريّ.

بينما الورم الخبيث الذي يتبيّن نوعه بعد الأشعة ويكون توغل وانتشر إلى جميع الغدد الليمفاويّة بالثدي أو الخلايا المجاورة له، فإن جراحته مُعقّدة ومُكلّفة أيضًا، حيث يتم استئصال الثدي مع إعادة بنائه على حسب رغبة السيدة المصابة. ويبلغ متوسط هذه الجراحة ما بين 30 و40 ألف جنيه مصريّ. وتصل نسبة الشفاء بعد الجراحة إلى حوالي 70%.

الدعم كسبيل لتعافي مصابة سرطان الثدي

في 2017، تعرض مسلسل "حلاوة الدنيا" للفنانة هند صبري إلى أزمة سرطان الثدي في جانبها النفسي، وقد ألقى بضوء على ما تحتاجه النساء المصابات من دعم نفسي كبير في هذه المرحلة.

وهو ما تؤكد عليه متخصصة الدعم النفسي لمرضى الأورام وعضو الجمعية الدُوليّة لعلم نفس الأورام، ندى المُؤذّن، التي تشير إلى دعم الزوج لزوجته نفسيًا عند الإصابة بالكانسر أو أورام الثدي باعتباره عاملًا ضروريًّا للتماثل للشفاء ومقاومة المرض.

"السيدة الحامل والمرضع مثلًا تتعرض للاكتئاب بسبب تغيرات جسمانية لديها، وينطبق الأمر بصورة أكبر وأعنف على مريضات أورام الثدي. إذ أن ما يتعرضن له من تغيرات جسمانية بفعل جراحات الاستئصال تجعلهنّ أكثر عرضةً للاكتئاب. ولا يختلف الأمر بتقدم العمر.. كلهن يصلن إلى حالة نفسية تحتاج بشدة إلى تأهيل ودعم نفسي".

اقرأ أيضًا: العنف ضد المرأة ذات الإعاقة

وفي حديثها لـ"فكر تاني"، لا تربط "المؤذن" بين جنسية الرجل ودعم الشريكة المصابة بسرطان الثدي. وتوضح أن "فكرةُ التقبّل أو عدم تقبّل الرجل لمرض زوجته ليس له علاقة بجنسيته أو مرضها بقدر ما هو يرتبط بأصالته وعفته ومروءته وحبه لزوجته. وهذه عوامل لو فقدها ترك زوجته في أقرب محنة. لن ينتظر حتى تصاب بسرطان ثدي".

وتضيف: "طوال سنوات عملي بهذا التخصص، صادفتُ الكثير من الرجال الذين تخلوا عن زوجاتهم.. أغلبهم في مناطق الأرياف، وبعضهم وصل به الأمر إلى طرد الزوجة المريضة من المنزل وكأنّ مرضَها وصمةُ عارٍ، تلاحقها وكذلك تلاحق بناتها المقبلات على الزواج.. يخاف الريفي من أن تصاب زوجته كما أصيبت أمها".

التاريخ المرضي لسرطان الثدي

وفق موقع "نيوز ميديكال لايف ساينس"، عرفت البشريّة سرطان الثدي منذ عصور قديمة. وقد كان المصريون القدماء والإغريق من أوائل الشعوب التي عرفته منذ حوالي 3500 عام. ويتّضح ذلك في برديتيْ إدوين سميث، وجورج ابريس.

وفي عام 460 ق.م، اكتشف هيبوكراس، الأب الروحي للطب الغربيّ، أنّ سرطان الثدي هو مرض مناعيّ، وأن مُسبّبه هو تكاثر الخلايا الصفراء السوداء في جسم الإنسان.

وفي عام 1680، وضع العالم الفرنسي فرانسوا نظرية "المناعة الخلطيّة"، مُوضّحًا أنّ سرطان الثدي يحدث نتيجة استجابةٍ مناعيّةٍ ترتكز على تنشيط خلايا مُعيّنةٍ بالجسم، وإنتاج أجسام مُضادّةٍ تهاجم الجسم ذاته.

وبعد ذلك، تطورت العديد من النظريات التي تُرجع الإصابة إلى الجينات الوراثيّة، والعوامل البيئية، والضغوط النفسية وغيرها.

سرطان الثدي وطفرة "جين جولي"

في العام 2013، خضعت الممثلة الشهيرة أنجيلينا جولي لعملية استئصال الثدي بعد اكتشافها أنها ورثتْ طفرة BRCA1، وتم إطلاق اسمها على تلك الطفرة الوراثية باسم "جين جولي". ووفقًا لهذه المعطيات، تم اعتماد دواء "أولاباريت" لمريضات سرطان الثدي اللائي يحملن نفس هذا الجين الوراثي، وفق صحيفة "الجارديان" البريطانية.

وقد فتح هذا التشخيص الباب أمام الحديث عن العوامل الوراثية في إصابات سرطان الثدي.

وهو ما تشير إليه أيضًا الدكتورة إيناس إبراهيم عبد الحليم متولي، عضوة لجنة الصحة بمجلس النواب، فتقول إنّ الغالبيّة العظمى من الإصابات بسرطان الثدي ترجع إلى عوامل جينيّة وراثية. الأمر الذي يتطلب إخضاع الابنة التي تعاني أمّها من المرض للفحص الدوريّ للثدي من عمر 25 عامًا، للكشف المبكر عن مدى تأثرها وراثيًا.

ووفق عضوة لجنة الصحة، فإن وعي النساء والأسر بخطورة هذا المرض حاليًا تختلف بشكل كبير عما كانت عليه في الثمانينيات والتسعينيات، مشيرة إلى ما أنجزته المبادرة الرئاسيّة للفحص المُبكّر لسرطان الثدي على مستوى انخفاض نسبة الحالات المتأخرة من قرابة 60 إلى 30%.

لم تنته الرحلة

تتلقى "نجوي رزق" حاليًا جلسات دعم نفسي لمكافحة المرض مع كثير من السيدات بجمعيات دعم مريضات السرطان. وهي تنظر إلى هذه الجلسات بأنّها طوق النجاة الذي أنقذها بعد انفصالها عن زوجها. "بدأتْ أتقبل نفسي وأثق فيها.. وصدقت إن الجواز رزق ورضيت بقضاء ربنا وقدره".

أما "نسمة" فقد اضطرت في محاولتها استعادة علاقتها الزوجية إلى إجراء جراحة تجميلية كلفتها قرابة 18 ألف جنيه، دبرت مصروفاتها من عدة جمعيات. "للأسف معظم الرجالة بيفرق معاهم الثدي، والمشكلة اللي بتواجه الستات زيي في مصر إننا مش مستقلات ماديًا وما نقدرش نوفر حق عمليات التجميل لإنقاذ اللي اتضرر من نفسيتنا وجسدنا مع السرطان".

بدعم من زوجها، بدأت "جيهان الأصيل" في العام 2018، ضمن مجموعة من النساء مُبادرة "بينكي" للدعم النفسيّ والاجتماعيّ للسيدات المصابات، في محاولة لمساعدتهن في تخطي أزماتهنّ بكلّ أشكالها.

أما "هند بيومي" فلا تزال تعاني من روتين الإجراءات الحكوميّة. "حالتي بتسوء وممكن الورم ينتشر في جسمي كله وأنا لسه مستنية علاج الحكومة.. يا ريت المستشفيات الحكومية تحس بينا، وبقيمة الانتظار بالنسبة لينا".

وقد بدأتْ "فاطمة" بتناول العلاج الكيمياويّ والإشعاعيّ على نفقتها الخاصة. تكبدت أموالًا وصلتْ إلى قرابة 20 ألف جنيه. "كنت خايفة من طول مدة انتظار روشتة التأمين الصحي.. هعمل ايه يعني؟!".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة