مهن لا تعمل فيها النساء بحكم القانون.. تمييز أم حماية؟

في العام 2012، تخرجت "كاريمان" في كلية العلوم قسم جيولوجيا، بتقدير ممتاز. ظنت أن حلمها سيتحقق بالعمل داخل حقول ومواقع التنقيب عن البترول في مصر. حسبما تمثّل لها منذ أن طالعت في صغرها فيلم "للرجال فقط" حيث تنكرت إلهام وسلوى (سعاد حسني ونادية لطفي) في زي رجال، لتتمكنا من الالتحاق بموقع للتنقيب عن البترول في الصحراء، رفقة عدد من الفنيين والمختصين من الرجال فقط.

راود الفتاة الثلاثينية حينئذٍ حلم بأن تصبح مشرفة في موقع، بعد أن فشلت في الالتحاق في العام 2008 بهندسة البترول، لكنها اختارت أقرب التخصصات العلمية إليه.

تخرجت وعملت وصدمت -حسب وصفها- بالواقع: "لا مكان للنساء داخل مواقع التنقيب والتعدين"، هي وظائف رجالية فقط. ارتضت بالأمر الواقع، وأكملت طريقها داخل معامل إحدى شركات البترول في القاهرة، إلى أن احتلت منصب إداري بعد إعلان برنامج التمكين الاقتصادي للنساء في القطاع.

في العام 2017، أسست وزارة البترول ما عرف بـ"وحدة تكافؤ الفرص"، وفق قرار وزاري رقم (1686) لسنة 2017،  بالاشتراك مع المجلس القومي للمرأة، بهدف إعادة هيكلة وتشكيل دور النساء العاملات في قطاع البترول، تأسيسًا على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين الجنسين. وقد بلغت نسبة النساء في مناصب قيادية بالقطاع 30% من إجمالي قوة العمل، حسب وزير البترول طارق الملا في العام 2019.

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

حسب دراسة حديثة للبنك الدولي، لم تشهد مشاركة المرأة في قوة العمل زيادة ملحوظة، رغم الارتفاع النسبي للنساء الحاصلات على مؤهلات عليا. وأسباب ذلك ليست هيكلية فحسب، وإنما تتصل أيضًا بالأعراف والتقاليد، حيث تشكل القيم والممارسات المتصلة بمهام الجنسين والعلاقات بينهما حواجز تحول دون التمكين الاقتصادي للمرأة.

أيضًا شكلت تلك العادات حاجزًا أمام تمكين النساء من شغل وظائف محددة، دومًا ما ارتبطت بالذكورية، ليصبح هناك تفضيلات حول وظائف "نسائية" وأخرى من الممكن أن تشارك النساء فيها الرجل، بخلاف وظائف لا تعمل فيها النساء مطلقًا.

اقرأ أيضًا: النساء.. أكثرية عدديًا أقلية حقوقيًا

بحكم القانون.. وظائف ممنوعة على النساء

وفق المادة التاسعة من الدستور المصري، فإن الدولة "تلتزم بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، دون تمييز"، إضافة إلى المادة (11) والتي تنص على أن: "تكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفقاً لأحكام الدستور. وتعمل الدولة على اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلاً مناسباً في المجالس النيابية، على النحو الذي يحدده القانون، كما تكفل للمرأة حقها في تولي الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا في الدولة والتعيين في الجهات والهيئات القضائية، دون تمييز ضدها. وتلتزم الدولة بحماية المرأة ضد كل أشكال العنف، وتكفل تمكين المرأة من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل. كما تلتزم بتوفير الرعاية والحماية للأمومة والطفولة والمرأة المعيلة والمسنة والنساء الأشد احتياجًا".

ورغم أن الدستور في مادتيه (9 و11) يمنع التمييز ضد المرأة في مسألة التوظيف والعمل، إلا أن قرارًا صدر في العام 2021، من وزير القوى العاملة المصري السابق، محمد سعفان (القرار رقم 43 لسنة 2021)، ينظم عددًا من المهن التي لا يجوز تشغيل النساء بها داخل الأراضي المصرية.

ويحظر القرار في مادته الأولى تشغيل النساء في "العمل تحت سطح الأرض في المناجم والمحـاجر أيـًا كان نوعها، المتعلقة باستخراج المعادن والأحجار من باطن الأرض". ووضع استثناءات محددة في المادة الثانية؛ حيث يستثنى من ذلك الحظر، النساء اللاتي يشغلن مناصب إدارية، ولا يؤدين أعمالًا يدوية، والعاملات في الخدمات الصحية، أو خدمات الرعاية، وأيضًا النساء اللاتي يقضين أثناء دراستهن فترة تدريب في أقسام المنـاجم الواقعـة تحت سطح الأرض، وأخيرًا أي نساء أخريات يتعين عليهن النزول - بعض الوقت - إلى أقسام المنـاجم الواقعة تحت سطح الأرض لأداء عمل غير يدوي.

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

حدد القرار الوزاري عددًا من الصناعات المحظور العمل بها للنساء أيضًا، والتي قد تتعرض فيها لأنواع من المخاطر؛ أولًا المهن المرتبطة بالصناعات الكيميائية (الصناعات التي يدخل في تكوينها الرصـاص والزئبـق، وصناعة الأسفلت ومشتقاته، وصناعة الكاوتش، وصناعة المبيدات الحشرية، وصناعة الأسمدة، وصناعة الفنيل كلوريد، وصناعة المخصبات والهرمونات، والتعرض للبنزين أو منتجات تحتوي على البنزين). ثانيا مهن تنطوي على مخاطر بيولوجية؛ مثل. دبغ الجلود، ومستودعات السماد المستخرج من المواد البرازية أو روث البهـائم أو الدماء أو العظام، وسلخ وتقطيع الحيوانات وإذابة شحمها، وصناعة الفحم من عظام الحيوانات ماعدا عملية فرز العظام قبل حرقها. وثالثًا مهن تنطوي على مخاطر فيزيائية؛ مثل. العمل في الأفران المعدة لصهر المواد المعدنية أو تكريرها، إذابة الزجاج أو إنضاجه، التعرض للمواد المشعة. وأخيرًا المهن المرتبطة بمخاطر هندسية مثل. أعمال العتالة اليدوية، وأعمال نقل البضائع على عربات اليد.

أيضًا قانون العمل المصري، في مادته (90) يحدد أنواع الأعمال التي يمكن أن تعملها النساء دون أن تضر بالمرأة صحيًا وأخلاقيًا، كما حدد الأعمال التي لا يجوز أن تعمل بها النساء وحدد القانون نحو 30 مهنة محظورة على النساء. وأيضًا حدد في مادته (89) المواعيد التي يحظر تشغيل النساء فيها (من السابعة مساءً وحتى السابعة صباحًا)، باستثناء بعض الأعمال التي يصدر بتحديدها قرار من الوزير المختص، ومنها أعمال الزراعة البحتة (وفق المادة 97 من القانون). ولم تكن تلك القرارات والمواد فقط المقتصرة على وظائف محظورة على النساء؛ لكن أيضًا  استبعدت قطاعات الاقتصاد الكبيرة التي يسيطر عليها الجيش النساء من المناصب العليا.

تمكين النساء بلا تمكينهن

تقول سماح عثمان -صحفية مستقلة- إنها حاولت من قبل الالتحاق بأكثر من وظيفة، قبل أن تصبح صحفية؛ لكنها قوبلت بالرفض أحيانًا، وفي أحيان أخرى لم تستطع سوى قبول الوظيفة بأجور متدنية.

تضيف: "حتى في العمل الصحفي، لم أتمكن من أن أحصل على حقوقي في الترقي؛ رغم عملي طيلة 14 عامًا. قليلًا ما تجد صحفية في وظيفة سكرتيرة/ مديرة/ رئيسة تحرير، وذلك بسبب التحيز للزملاء الصحفيين، وإخبارنا أن النساء لا يستطعن القيام بمهام مهمة وإدارية، رغم أن أكثر من نصف قوة العمل أصبحت نسائية، وتعمل الصحفيات لوقت أكبر بأجر أقل. أعتقد أن القرارات الخاصة باستثناء النساء من العمل في مهن محددة؛ ما هي إلا تغليب لمصلحة الرجال والأعراف الاجتماعية ليس إلا".

أظهرت دراسة التمكين الاقتصادي للمرأة التي أجرها البنك الدولي في العام 2019 أنه على الرغم من تمثيل المرأة على نحو أفضل في الحكومة والقطاع العام، فإن نسبة النساء العاملات في القطاع الخاص لا تتجاوز 18% من القوى العاملة النسائية (مقارنة بنسبة 36% في الحكومة والقطاع العام معا).

وعلاوة على ذلك، تحصل النساء، في المتوسط، على أجر أقل بنسبة 34% في الساعة من نظرائهن من الرجال، كما أن تمثيلهن في مجالس إدارة الشركات (9.7%) وفي الوظائف الإدارية (7.1%) أقل من نظرائهن الذكور.

كما أن مساهمة النساء في الحقول العلمية والبحث العلمي تتراوح بين 30- 40%، وتتفوق النساء على الرجال في الحصول على شهادات البكالوريوس والماجستير والدكتوراة في العلوم الحيوية والطبية والهندسية والرياضيات.

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

ولكن بعد الحصول على الشهادات العلمية، تواجه النساء تحديات في الحصول على فرص عمل متساوية ومنصب قيادي في مجالات البحث العلمي، بسبب العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. رغم ما أقرته استراتيجية تمكين المرأة 2030، التي أطلقها المجلس القومي للمرأة وتهدف إلى زيادة حصة المرأة في التشغيلات التقليدية وغير التقليدية، خصوصًا في مجالات البترول والغاز والتعدين والطاقة والمياه والبيئة والتخطيط العمراني والتصميم والتكنولوجيا والابتكار. وتتضمن الاستراتيجية عدة محاور وأهداف ومؤشرات لقياس التمكين السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحماية للمرأة.

اقرأ أيضًا: لماذا تُوصف النساء بـ “الجنس المتوتر”؟

تقول آية منير -ناشطة نسوية ومؤسسة مبادرة "سوبر وومن"- إن منع المشرع النساء من تأدية وظائف محددة، جاء نتيجة طريقين يسلكهما المشرع نفسه؛ الأولى تتمثل في منح امتيازات للرجل وتمكينه مقابل خفضها بالنسبة للنساء، والثاني يأتي في الأمور المتعلقة بحماية النساء في المجتمع.

وتضيف: "يفضل المشرع حماية النساء عن طريق منعهن، فبدلًا عن العمل على منظومة آمنة في أماكن العمل ووسائل النقل وغيرها، يقوم بفرض قيود صارمة على النساء أنفسهن، ويمنعهن من ممارسة مهام داخل أماكن العمل التي تحمل بعض من الخطورة".

تكمل: "بافتراض رفع السلطة حالات الحظر عن تلك الوظائف عن النساء فإن ذلك سيمثل خطورة نسبية على الذكور في المجتمع، حيث يفتح هذا مجالًا للتنافس في سوق العمل، ومن الممكن أن تتفوق النساء في تلك الوظائف كما تفوقن في وظائف أخرى كانت متاحة في السابق للرجال فقط؛ ما يعني تهديدًا مباشرة لهيمنة الذكور، وتغيير الصورة النمطية المعروفة عن النساء بأنهن ضعيفات ولا يتحملن أي عمل يحمل مشقة بدنية مضاعفة".

وترى أن عدم تأهيل النساء في مصر من حداثتهن لأعمال خطرة أو أخرى تطلب مجهود بدني فائق، هو ما عرضهن لصورة نمطية مضادة لتمكينهن من العمل في الأعمال المحظورة بقوة القانون.

في السياق نفسه، يرى المحامي الحقوقي رمضان محمد، أن الدستور نص على عدم التمييز بين الرجال والنساء، وأنه "كرر القاعدة مطلقة؛ ما يعني عدم التمييز بين الجنسين بشكل كامل على أساس النوع في مجال العمل والتوظيف، لكن في المقابل القانون حين يفسر مواد الدستور يمنح الحق بتفويض الوزير المختص بتسيير العمل، لينتج عن ذلك قرارات إدارية تعمل على تطبيق القانون الخاص بالوزارة نفسها، وهذه القرارات غير مخالفة للقانون لكنه مخالف للقاعدة الأعلى وهي الدستور؛ وبناء عليه طالما صدر هذا القرار عن وزير العمل المختص فيجوز الطعن عليه لمن له مصلحة في الأمر، خاصة وأن قرار الوزير يمثل قاعدة قانونية أدنى مرتبة من مواد الدستور".

ويضيف: "لا يجوز إلغاء القرار بسلطة أعلى، لكن يجوز ذلك عن طريق التقاضي في مجلس الدولة، وتطعن على قرار الوزير المختص بالاستناد لمواد الدستور التي تنطوي على عدم التمييز المطلق بين الجنسين". ويشير إلى أن السلطة تعتقد أنها بمثل هذه القرارات تعمل على حماية النساء من التعرض لمخاطر أثناء العمل، أو يعود إلى أن متطلبات الوظيفة البدنية غير متوفرة لدى النساء، في حين أن الدستور "لم يفصل القاعدة ويوضح أن هناك استثناءات نتيجة النوع الاجتماعي وقدرة النساء الجسمانية".

ويبقى السجال دائرًا ما بين النظرة النمطية للنساء في المجتمع والتي تجبرهن على ممارسة وظائف محددة لا تطلب قدرات بدنية عالية، وبين طموحات النساء اللاتي يتفوقن نظريًا وعلميًا حسب الإحصاءات الرسمية عن الرجال، وينتظرن فقط فرصة التطبيق العملي على أرض الواقع.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة