منذ ثورةة يناير 2011 التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك، شهدت مصر فترات مضطربة، ولم تتمكن حكوماتها المتعاقبة من الحصول على رضا شعبي حقيقي، متخلفة بسياساتها عن آمال المصريين في تحقيق الديمقراطية المنشودة في يناير، حتى وصلت إلى أزمة اقتصادية كبرى، تُنذر بغضب شعبي قد يخرج عن السيطرة، حتى مع الأزمة الحالية في غزة، التي وفرت للسلطة التنفيذية فترة راحة قصيرة مع تصاعد النبرة القومية التي قربت المواطنين من الحكومة، إلى حد ما، يبقى غير آمن، أو هكذا بدا في المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين، والتي أججت خوف السلطة من أن تتحول إلى احتجاجات مناهضة لها في الداخل المصري.
هكذا تصف "مارينا أوتاوي" الرئيسة السابقة لبرنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي، الوضع بعد أكثر بقليل من 10 سنوات على الثورة المصرية في 2011، فتقول إن مصر كانت لديها فرصتان كبيرتان لتعزيز عملية التغيير السياسي والمؤسسي التي تحتاجها البلاد بشدة، لكنها بدلًا من ذلك، عادت إلى تعزيز السيطرة العسكرية التي وضعها الرئيس جمال عبد الناصر لأول مرة في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، بينما حاول نظامها بعد 2013 التغلب على التخلف الاقتصادي للبلاد من خلال التركيز على المشاريع الضخمة، فعمق المشاكل ولم يحلها.
لُعبة الديمقراطية في مصر
تعود "مارينا"، في تحليلها المنشور عبر "المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI)"، إلى العام 2011، فتضيف أن الجيش وقتها كان يتمتع بشعبية كبرى، وصلت إلى حد هتاف المتظاهرون: "الشعب والجيش ايد واحدة"، وكان هذا بمثابة فرصة كبرى لهذه المؤسسة لقيادة المستقبل نحو الديمقراطية.

وبالفعل، لعبت القوات المسلحة لعبة الديمقراطية، ودعت إلى إجراء انتخابات، وسمحت لأحزاب جديدة بالتسجيل، بما في ذلك حزب "الحرية والعدالة" التابع لجماعة الإخوان وحزب "النور". ومع ذلك، فقد غير المجلس الأعلى للقوات المسلحة موقفه عندما كشفت الانتخابات عن قوة المعارضة. وبدعم من المؤسسة السياسية والقضائية والبيروقراطية القديمة، أدرك المجلس أنه لا يستطيع أن يكون ديمقراطيًا إذا أراد البقاء في السلطة.
اقرأ أيضًا: العدالة الانتقالية المؤجلة
وتعزز هذا الاستنتاج بمؤشرات في مايو على أن محمد مرسي، مرشح الإخوان للرئاسة، من المرجح أن يفوز في الانتخابات الرئاسية. واختبأت المحكمة الدستورية العليا وراء حجج قانونية غامضة حول دستورية قانون الانتخابات، وألغت الانتخابات البرلمانية وحلت البرلمان في يونيو. وبالتالي، ظلت السلطة التشريعية في أيدي المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
تقول مارينا أوتاوي الرئيسة السابقة لبرنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي إن العام الذي أعقب انتخاب مرسي رئيسًا للجمهورية كان عامًأ من الشلل السياسي "المتعمد"؛ حيث حاصر الجيش جميع الخطوات التي حاول اتخاذها، بينما بنى في الوقت نفسه حركة شعبية طالبت باستقالته. وقد بلغ الرفض الشعبي لمرسي، الذي نظمته أجهزة الدول الأمنية بشدة، ذروته في مظاهرات حاشدة في جميع أنحاء مصر في أواخر يونيو 2013، ما سمح للجيش بالاستيلاء على السلطة في 3 يوليو، بزعم تنفيذ إرادة الشعب.
قبضة الجيش على مصر تعود
بعد 3 يوليو 2013، أتيحت لمصر فرصة ثانية لتنفيذ إصلاحات سياسية ومؤسسية، لكنها مرة أخرى لم تغتنمها. وبينما كان الجيش يسيطر بشكل كامل، كان يجري تفكيك جماعة الإخوان، ولم يعودوا يمثلوا معارضة قابلة للحياة.
وفق "مارينا"، كانت الأحزاب الضعيفة في البداية، خائفة جدًا من صعود جماعة الإخوان في عام 2012 لدرجة أنها كانت تصطف خلف الجيش طلبًا للحماية.
"كان يمكن للجيش والحكومة أن يفعلوا الكثير، والعمل من أجل مصر جديدة مؤهلة للقرن الـ 21، لكنهم أعادوها لمنتصف القرن الـ 20 (تقصد الفترة الناصرية)"؛ تقول "مارينا"، وهي ترى أن الجيش لم يسع إلى الديمقراطية، وأن ذلك ظهر لاحقًا، وساعد فيه أن المؤسسة السياسية القديمة لا تريد الديمقراطية أيضًا.

تضيف "مارينا" أن "التحول في ظل نظام استبدادي ليس مستحيلًا، لكن مصر لم تسلك هذا الطريق أيضًا. وبدلًا من بناء المؤسسات وتصميم السياسات لبلد أكثر إنتاجية وكفاءة، ركز النظام على تعزيز سيطرته على الإدارة وإطلاق مشروعات كبيرة، لا تستطيع الدولة تحملها. كان الحلم: مصر حديثة على صورة دول الخليج الغنية بالنفط دون أن يكون لدى النظام الوسائل للقيام بذلك".
وترى "مارينا" أن الجيش اخترق الاقتصاد المصري -في هذه الفترة- إلى حد غير مسبوق، إلى جميع قطاعات الاقتصاد؛ من الأسلحة والذخيرة إلى الغذاء، والسوق المدنية. ومن المياه المعبأة في زجاجات إلى الأجهزة المنزلية.
لكن الأهم من ذلك هو أن الجيش أصبح المقاول الرئيسي في المشاريع الكبرى التي تنفذها الحكومة، بما في ذلك توسيع قناة السويس وبناء العاصمة الإدارية الجديدة، عبر شركات القطاع الخاص التي تستأجرها المؤسسة العسكرية كمقاولين من الباطن، تحت سيطرتها. وهو ما تصفه الرئيسة السابقة لبرنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي بأنه عظم النفوذ الاقتصادي للجيش الذي بات أيضًا مسيطرًا على مساحات شاسعة من الأرض، ما حوله الآن إلى مصدر رئيسي للدخل والقوة الاقتصادية.
مشروعات مصر الكبرى والواقع الاقتصادي
تبني الرئيسة السابقة لبرنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي على هذه الخلفية، فتقول: "فشل التركيز على المشروعات الكبرى في تحريك الاقتصاد المصري. بينما لم يكن لبعض هذه المشروعات أي معنى اقتصادي". وهي تستشهد بقرار توسيع قناة السويس حتى تتمكن من نقل المزيد من حركة المرور وتوليد المزيد من الإيرادات، والذي توضح أنه رغم التكلفة الباهظة وسرعة التنفيذ لا تظهر جدواه في وقت يتزايد حجم حركة المرور عبر القناة ولكن ببطء.

كذلك، تشير "مارينا" إلى بناء العاصمة الإدارية الجديدة في الصحراء بين القاهرة والسويس، فتقول: "إن فكرة نقل الحكومة المصرية من القاهرة إلى مدينة جديدة تسعى إلى محاكاة تلك الموجودة في الخليج هي ببساطة مشروع مرموق، ومحاولة لإظهار للعالم أن مصر دولة حديثة قادرة على بناء عاصمة حديثة جديدة لامعة. لكن المؤكد أن هذا المشروع لم يعزز مكانة مصر، وقد أغضب العديد من موظفي الخدمة المدنية، الذين أجبروا على تشريد أسرهم أو التنقل يوميًا لأن السكن في العاصمة الجديدة لا يمكن تحمله أو غير متوفر".
مصر فشلت والحوار والانتخابات عمليتان تجميليتان
ترى مارينا أوتاوي والتي تعمل أيضًأ باحثة أولى في برنامج الشرق الأوسط في مركز وودرو ويلسون الدولي، أن مصر فشلت في اغتنام فرصة التغيير مرتين منذ العام 2011.
ووفق هذه الرؤية، اختارت مصر تعزيز نظام يوفر لنخبة صغيرة الأمن والقدرة على المدى القصير، في حين أن المشاكل الأساسية للدولة تتفاقم بإطراد، وتؤثر على عدد أكبر من السكان.
وتختتم "مارينا" بأن "الحوار الوطني" الذي تبنته الدولة خلال عام 2023 كان "عملية تجميلية بحتة، تم التحكم فيها بإحكام من الأعلى، في حين لم يحدث أي تغيير. كما تم تصميم الانتخابات الرئاسية في ديسمبر 2023 أيضًا للحفاظ على الوضع الراهن، في وقت باتت الحاجة إلى الإصلاحات أكبر من أي وقت مضى".

مارينا أوتاوي باحثة أولى في برنامج الشرق الأوسط في مركز وودرو ويلسون الدولي ومحللة منذ فترة طويلة للتحولات السياسية في أإفريقيا والبلقان والشرق الأوسط. وقد شغلت سابقًا منصب باحثة مشاركة أولى ورئيس برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي.