من بين العشرات من أصدقائه الذين يقضون ساعات في متابعة السياسة من خلال ريلز السوشيال ميديا، اتخذ محمد مكادي، ابن جيل Z، خيارًا راديكاليًا بالانضمام إلى حزب سياسي رسمي.
ورغم أنه درس الاقتصاد والعلوم السياسية، لم يسلم مكادي المولود مع مطلع الألفية، من تهكم رفاقه وزملائه، الذين يفسرون قراره بأنني "بدور على لقطة أو مصالح شخصية"، وفي الوقت نفسه يعتبر أن فكرهم يعكس "ضعف شديد في اهتمام أبناء جيله بالشأن السياسي".
وجيل z هو المصطلح الديموغرافي الذي يطلق على الأشخاص المولودين في الفترة بين عامي 1997 و2012، وفي حين يقدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، عدد الشباب في الفئة العمرية من 18 إلى 29 سنة في مصر بحوالي 21.3 مليون نسمة، بنسبة 19.9% من إجمالي السكان، فإنه لا توجد بيانات رسمية بشأن معدلات مشاركة الشباب في التصويت في الانتخابات أو عضوية الأحزاب السياسية.
بيد أن الكاتب الصحفي أكرم الألفي يرى أن اختيار مكادي الانضمام لحزب سياسي، وسط عزوف وسخرية أصدقائه، ليس تجربة فردية، وإنما يعكس تحولًا أوسع في علاقة جيل Z بالسياسة، لم يعد هذا الجيل يرتبط بالمؤسسات السياسية بالشكل التقليدي، كما أن المشاركة بصورتها المعتادة، مثل التصويت أو الانخراط في الأحزاب، لم تعد تمثل أولوية بالنسبة إليه، ويقول الألفي لـ"فكر تاني"، إن "مفهوم السياسة نفسه تغير مع تغير الزمن"، موضحًا أن جيل Z يتفاعل مع القضايا العامة من منظور مختلف، عبر المنصات الرقمية، ويمارس الضغط والتأثير من خلال أدواته الخاصة، بينما تراجع حضوره في الشارع وصناديق الاقتراع، كما يتعامل مع السياسة من منظور أكثر إنسانية، أي يتعاطف إنسانيًا وإلكترونيًا مع القضايا السياسية الكبرى، في حين يندر نزوله إلى الشارع أو مشاركته في التصويت خلال الانتخابات لأنه يراها كلاسيكية، غير أنه يضغط عبر أدواته الممثلة في السوشيال ميديا.
تغير مفهوم المشاركة لدى جيل Z
ويرى الألفي أن الحكم على عزوف جيل Z عن السياسة يستند إلى تعريف تقليدي للمشاركة السياسية، باعتبارها ما تزال أسيرة الأشكال الكلاسيكية، في وقت يناقش فيه باحثون في علم الاجتماع والعلوم السياسية إعادة تعريف هذا المفهوم بما يتناسب مع الواقع الجديد، مثل توسيع نافذة التصويت الانتخابي لتكون إلكترونية، أو عمل جلسات أو نقاشات مجتمعية بشكل رقمي.
وتتفق الدكتورة هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع، مع هذا الطرح نفسه، غير أنها تنقل النقاش إلى زاوية أخرى، فبرأيها، لا تبدو الحياة السياسية أصلًا ضمن أولويات كثير من أبناء جيل Z، إذ يتحركون استجابة لحدث معين أكثر من ارتباطهم بفكر حزبي أو إيديولوجي، ومن ثم شهد مفهوم المشاركة السياسية لدى هذا الجيل تحولًا، باعتبار أنها في الأساس سلوك ينتج عن وعي سياسي، وتطرح منصور سؤالًا أكثر عمقًا مفاده "هل المؤسسات السياسية قادرة على بناء وعي سياسي؟ وهل توجد أحزاب تسعى إلى تشكيل هذا الوعي وفق إيديولوجية أو برنامج حزبي؟"، لتجيب بنفسها بأن "هذا الدور غير موجود حاليًا".
كيف تلاحق الأحزاب جيل Z؟
ولم تغب هذه الفجوة عن بعض الأحزاب السياسية، التي بدأت تبحث عن طرق جديدة لاستقطاب هذا الجيل، فالنائب عبد المنعم إمام، رئيس حزب العدل، يقول لـ"فكر تاني" إن جيل Z يتميز بسرعة التغير في الاهتمامات، مع انشغال كبير بالتكنولوجيا وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يتطلب أدوات مختلفة للتواصل معه، ويوضح إمام أهمية تبني أدوات جديدة للتواصل مع جيل Z وفهم أولوياته، مؤكدًا أن مسؤولية جذب الشباب للعمل السياسي لا تقع على الأحزاب وحدها، وإنما تشارك فيها مؤسسات الدولة المختلفة، وفي مقدمتها وزارات الشباب والرياضة، والتربية والتعليم، والتعليم العالي، والأزهر والكنيسة، من خلال تطوير أدوات التواصل معهم وإشراكهم في القضايا العامة، بما يضمن عدم اتساع الفجوة بينهم وبين الشأن العام، والاستفادة من إمكاناتهم في دعم مسارات التنمية وبناء المستقبل.
ويُعد حزب العدل، الذي تأسس في 2011، من الأحزاب التي يغلب عليها العضوية الشابة، فقد نجح في جذب بعض الأعضاء من المحسوبين على جيل Z، منهم عضوة الهيئة العليا بالحزب، ندى فؤاد، التي ولدت في مطلع التسعينات ودرست الحقوق، وانخرطت في العمل العام بعدما شاركت في نموذج محاكاة لجامعة الدول العربية عام 2018، ثم بدأت رحلتها في حزب العدل عام 2022 من خلال العمل مع المكتب الفني لنواب الحزب، وتقول ندى إن "بعض القيادات التقليدية لا تزال تهيمن على كثير من الأحزاب، وتتحفظ إلى حد ما على منح الشباب أدوارًا أكبر"، موضحة أن هذه الأفكار طاردة للشباب ولا تتواصل معهم بأدواتهم الجديدة، وتضيف أن مفهوم المشاركة السياسية لدى هذا الجيل يختلف عن الأساليب التقليدية، موضحة أن كثيرًا من الشباب لا يفضلون الذهاب إلى صناديق الاقتراع، ويميلون أكثر إلى فكرة التصويت الإلكتروني باعتبارها أكثر ملاءمة لطبيعة عصرهم.
من التيك توك إلى التجمع
وعلى الرغم من تأكيد ندى أهمية استخدام الوسائط الأقرب للشباب وجيل Z للوصول لهم بشكل أسرع وأكبر، وهي التجربة التي بدأها حزب العدل، يتوقف مكادي أمام ظاهرة وجود مقرات الأحزاب الرئيسية في التجمع الخامس، ويقول إن "البعد الجغرافي يحرم قطاعًا كبيرًا من الشباب، خصوصًا أبناء المناطق الشعبية، من فرصة المشاركة، وكأن السياسة أصبحت مرتبطة بمكان معين لا بمجتمع كامل".
وفي الوقت الذي يتخذ فيه حزب الوعي، الذي ينتمي إليه مكادي، مقره الرئيسي في التجمع الخامس، يحاول رئيس الحزب، باسل عادل، عقد جلسات مع أبناء جيل Z للتعرف على اهتماماتهم، كما يعتمد على المنصات الرقمية واللقاءات عبر الإنترنت، ويقول عادل لـ"فكر تاني" إن التواصل مع جيل Z بالحزب يتم باللغة التي يفهمونها وبالوسائل التي يفضلونها، موضحًا أن "الحزب يسعى لجذبهم من خلال منحهم إحساسًا بأنهم شركاء في صناعة القرار وأصحاب للحزب، أي لاعبين وليس متفرجين، أو مجرد أفراد أو عناصر لتجميل الفعاليات".
ويشير عادل إلى أن الشباب يحملون تصورات سلبية متراكمة عن العمل السياسي، اكتسبوها خلال سنوات الدراسة، سواء في المدرسة أو الجامعة، وهو ما يتطلب التعامل معهم بحذر ووعي، باعتبارهم الجيل الذي سيتولى المسؤولية مستقبلًا، منوهًا إلى أن أغلب أبناء جيل Z لم يكونوا في سن تسمح لهم بإدراك أحداث ثورتي 25 يناير و30 يونيو بصورة كاملة، وهو ما أوجد فجوة بين هذا الجيل والأجيال الأكبر سنًا المنخرطة في العمل العام، ويرى أن هذه الفجوة تستدعي العمل على تجسيرها، من خلال شرح السياقات التاريخية وتأثيرها.
الوسائط الرقمية البوابة الأولى لجيل Z
ويجد عادل أننا أمام إشكالية، فجيل Z يتابع الحياة السياسية "عبر مقاطع الريلز المبتورة"، معتبرًا أن ذلك يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه العملية السياسية، لأن هذه المقاطع لا تقدم سوى معلومات مجتزأة وغير مكتملة، وهو ما يفرض على الأحزاب إعادة التفكير في شكل الرسائل التي تقدمها لهم.
وهو ما تؤكده الكاتبة الصحفية المتخصصة في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، إيمان الوراقي، مشيرة في تصريحاتها لـ"فكر تاني" إلى أن البيانات الصادرة عن المؤسسات البحثية تشير إلى أن أكثر من 70% من الشباب يعتمدون على منصات مثل إنستجرام وتيك توك كمصدر رئيسي لمعرفة القضايا السياسية، وتقول الوراقي إن "الشباب يمارسون السياسة عبر صياغة الوعي الجمعي، وتدشين الهاشتاجات العابرة للحدود، وتنظيم الحملات الرقمية الموجهة لدعم القضايا الحقوقية والإنسانية بسرعة فائقة وبدون وسطاء".
وبمفهوم جيل Z، لم تعد "الريلز" مجرد مقاطع قصيرة للترفيه فقط، إذ توضح الوراقي أنها ومقاطع الفيديو القصيرة على تيك توك وإنستجرام ويوتيوب أعادت هندسة طريقة تلقي المعلومات السياسية لدى جيل Z، وزادت بشكل ملحوظ من حجم اهتمامه بالشأن العام، وتوضح الوراقي أن مقاطع الفيديو التي لا تتجاوز دقيقة واحدة تسجل معدلات تفاعل ومشاركة تفوق المحتوى النصي التقليدي بعشرات المرات، خصوصًا عندما يقدمها صناع محتوى متخصصون يمتلكون القدرة على تفكيك الملفات المعقدة، مثل قوانين الانتخابات، إلى محتوى بصري جذاب.
ورغم تركيز الخبراء والسياسيين على أهمية الوسائط الرقمية والتيك توك، يتحدث محمد صابر، الطالب بكلية الطب، وعضو الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، عن اللحظة التي بحث فيها عن الحزب وتطلع للانضمام إليه، إذ يقول "تابعت كلمة رئيس الحزب، فريد زهران، أثناء انعقاد الحوار الوطني، عملت سيرش عن الحزب وروحته عشان أعمل طلب انضمام عضوية"، فتبدو كلمات زهران، ابن جيل السبعينات، قد جذبت ابن جيل Z، الذي يقول لـ"فكر تاني" إن الشباب يمتلكون طاقة كبيرة للعمل العام، غير أنها تُفرغ عبر السوشيال ميديا بدلًا من الأحزاب، لذلك يريد توظيف هذه الطاقة داخل إطار مؤسسي يحولها إلى فعل سياسي حقيقي.
فطاقة الشباب التي يتحدث عنها صابر، والتي يريد توظيفها داخل إطار مؤسسي، هي نفسها الطاقة التي دفعت مكادي إلى الانضمام لحزب سياسي وسط سخرية أصدقائه، وكلتا التجربتين تؤكدان أن جيل Z لا يواجه أزمة مع "السياسة" بمفهومها الواسع، بقدر ما يرفض أساليبها الكلاسيكية وانفصالها عن واقعه، وهكذا يبقى التحدي الحقيقي أمام الأحزاب والمؤسسات في قدرتها على الجمع بين عالم "الريلز" السريع الذي قد يصنع الوعي، والعمل المؤسسي المنظم الذي يحول هذا الوعي إلى تغيير ملموس على الأرض.