حوار مع صديق قانون قديم

صديقي محمود، محامي شاب يقيم منذ مولده مع والده بمنطقة دار السلام. تعود صديقي الشاب أن يستشرني ببعض القضايا التي يتولها. أحد تلك المرات سألني عن قلقه من قضية خاصة، فوالده كبير السن كان قد خرج لتوه من أزمة صحية شديدة، تفرع الحديث ليخبرني عن ابن صاحب البيت الذي نشأ وكبر معه وأصبحا صديقين.

يرى محمود أن الصداقة الطويلة انتهت بسبب الشقة التي يقيم بها مع والده، فابن صاحب البيت كان يأمل في الحصول على الشقة بعد وفاة الأب، لكنه صدم بعد معرفة أن عقد إيجار الشقة يمتد لمحمود بعد ذلك. كان سؤالي لصديقي الشاب عن مدى قدرته على الحصول على سكن غير تلك الشقة، وأجاب أنه حاول كثيرًا، لكن ظروفه المادية لا تسمح بذلك، فحتى مشروعات الإسكان التي تنفذها الدولة، أصبحت تكلفتها تفوق قدرته.

الحقيقة، إن قضية السكن في مصر لها عدة جوانب، القانون أحدها، لكنه ليس كل شيء.

من الصعب تناول قضية السكن في مقال واحد، وربما نتناول جوانبها المختلفة في مقالات لاحقة، لكننا، سنخصص هذا المقال لقوانين الإيجار قبل 1996، والمعروفة بالإيجار القديم، وتشغل حيز كبير من الجدل المجتمعي بين طرفين متقابلين؛ الملاك من جهة، والمستأجرين من جهة أخرى. فالمصالح التي كانت متوافقة قديمًا أصبحت متعارضة الآن. المالك يرى قيمة الإيجار قليلة جدًا مقابل المنفعة والمدة غير المحددة للعقد، والتي صارت أقرب للتمليك وليس الإيجار، وفي المقابل يرى المستأجر أن القانون أعطاه هذا الحق في استمرار العقد وتحديد قيمة الإيجار التي يعترف أحيانًا أنها أصبحت أقل مما يجب.

تحولت العلاقة بين الطرفين تدريجيًا لصراع، خاصة وأن الدولة تتجنب بدرجة كبيرة التدخل المباشر في الموضوع.

"محمد" وخطيبته يبحثان عن "عُلبة كبريت" تكفيهما

لفهم القانون بهذه الحالة، علينا العودة إلى تاريخ هذه القوانين، فإيجار المساكن في مصر يخضع لقوانين كثيرة وليس قانون واحد.

في البداية كان القانون المدني يحكم عقود الإيجار حتي عام 1947. قبل هذا التاريخ لم يكن إيجار المساكن يمثل مشكلة في مصر، فالمعروض من المساكن يكفي الطلب. لكن الوضع تغير خلال وبعد الحرب العالمية الثانية، حيث أصبحت مصر ملجأ للمهاجرين من مناطق الحروب خاصة أوروبا، وانتهز الملاك الفرصة لرفع قيمة الإيجار بدرجات كبيرة، وتحديد العقد بمدد قليلة، وهدد ذلك بالطبع الاستقرار الاجتماعي الذي يعد السكن أحد أهم عناصره، فأصدرت الحكومة لأول مرة قانون بمد العمل بعقود الإيجار.

توالت القوانين بعد ذلك لدرجة صدور قانون للإيجار سنويًا، فهناك مساكن تخضع لقانون 49 لسنة  1977، وهو القانون الذي وضع قاعدة لحساب قيمة الإيجار بما يعادل 7% من قيمة الأرض والمباني، وأنشأت وفقًا لذلك لجان بالأحياء لتحديد قيمة الإيجار، بينما تخضع مساكن أخرى للقانون 136 لسنة 1981. والذي لا يختلف كثيرًا عن سابقه، لكنه ألغى تجريم تقاضي المالك مبلغ كبير كمقدم إيجار، وهو ما كان يعرف بـ"خلو الرجل".

فتح هذا القانون الباب لشكل جديد من إيجار المساكن، حيث يحصل المالك على مبلغ كبير كمقدم إيجار، مقابل قيمة إيجار قليلة نسبيًا. وواكب هذا القانون واقع عودة أعداد كبيرة من العاملين بالخليج، ورغبتهم في الحصول على سكن مناسب، وقدرتهم على دفع مقدمات كبيرة. لكن هذا المتغير خلق مشكلة جديدة لغير القادرين على دفع مبالغ كبيرة مقدمًا.

أوجدت القوانين العديدة التي تحكم إيجار المساكن، مشاكل مركبة؛ فالمساكن لم تعد تخضع لقانون واحد، وبالتالي اختلفت أحكام بعض المساكن عن غيرها، ونتج عن ذلك كثرة النزاع بين الملاك والمستأجرين.

من على حق؟ هذا السؤال الصعب، والواقع أن لا طرف على خطأ، فكلا الطرفان يخضعان للقانون، والإشكالية تكمن في المشرع الذي تجاهل لعقود طويلة الوضع المعقد، والأخطر الدولة التي لم تضع حلولًا واقعية لتوفير السكن المناسب لمواطنيها، بل والخروج فعليًا من قضية السكن منذ التسعينيات، والخوف هو التعجل في إصدار قانون جديد دون دراسة جيدة.

على سبيل المثال، يجب دراسة المساكن الخاضعة لقانون 136 لسنة 1981، حيث كانت المقدمات الكبيرة تؤكد رغبة الطرفين في امتداد العقد، وكانت العلاقة أقرب للبيع بالتقسيط منها للإيجار. كما يجب دراسة إشكالية السكن في مصر من كل جوانبها، ليُعبر القانون عن مصلحة المجتمع قبل مصلحة أي طرف. وهذا ما سنتناوله لاحقًا.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة