عن زوجي الأصغر سنًا مني

خلال فترة التسعينات، كان لي صديقة مرت بتجربة الارتباط برجل أصغر منها سنًا، كان هناك توافق وتفاهم بينهما، متجاوزين فارق السن ويرانه عاديًا، لكن المشكلة كانت في أهل صديقتي الذين رأوا القصة غير مقبولة ولا يجوز أن ترتبط ابنتهم وتتزوج برجل يصغرها في السن.  ساهم الضغط الأسري عليها في يأسها وعدم تمسكها بحبها رغم أن شريكها في الحكاية ليس لديه مانع، ولكن كان المانع أسري وبالتالي مجتمعي.

حاليًا، لدي معرفة بإحدى الشابات متزوجة ولديها طفلان. وذات مرة كنا نتحدث ودار الحديث حول زواجها قالت لي على استحياء:” زوجي أصغر مني”. تقول صديقتي:” أهل زوجي كويسيين وقابلين إني أكبر منه، لكن حماتي أوقات تبص لأبنها وتقوله (كبرت بدري يا بني)، بحس إن الكلمة خبطت فيا”

حالة أخرى قريبة، شاب تعرف علي فتاة جيدة، ويرغب في الزواج منها ولكنها تكبره بحوالي أربع سنوات، الشاب يشعر بأنه لا يستطيع أخذ القرار بمفرده، ويشعر ببعض الخوف من عرض الموضوع علي أهله خشية رفضهم، فلجأ الي إحدى قريباته لأنها تتصف برجاحة العقل ووزن الأمور بشكل صحيح، وعرض عليها الأمر بأنه يرغب في الزواج من الفتاة التي اختارها وهناك توافق بينهما، ولكنها تكبره بعدة سنوات، فكان رد القريبة عليه أنه لا مانع ولا يوجد مشكلة في أنكما تشعران أنكم متفقان ولا يضركما فارق السن ولستما مطالبين بحكي تفاصيل حياتكما لأحد، وفعلا تم الزواج وأنجبا طفلًا والحياة بينهما جيدة.

في دراسة أجراها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2022، فإن 10% من الزيجات في مصر يكون فيها عمر الزوجة أكبر من الزوج. وبحسب الدراسة، فإن متوسط ​​فجوة العمر بين الزوجين في مصر 3 سنوات.

ووجدت الدراسة أن الزيجات التي يكون فيها عمر الزوجة أكبر من الزوج أكثر شيوعًا بين النساء المتعلمات والناجحات مهنيًا، حيث تميل النساء المتعلمات إلى أن يكن أكثر استقلالية وثقًة بالنفس، مما قد يؤدي إلى اختيارهن أزواجًا أصغر سنًا.

ومع كل هذه الحكايات وغيرها الكثير تبقى هناك غصة من المجتمع، تتمثل هذه الغصة في رد فعل المجتمع تجاه ما لا يرضيه من أفراده، فلابد أن يسير أفراد المجتمع تحت طوع هذه الثقافة الجماهيرية وإلا سيقابل كل من يخرج عنها بالرفض.

فإذا بحثنا ببساطة في أصل الموضوع ، ومن خلال فتح حوار مع عدد من الشباب من الجنسين، نجد البعض يعتبر أنه لا توجد مشكلة مادام الطرفان متوافقان وهذا أهم ما في الموضوع، ونجد رأي آخر يقول لا أقبل هذا وخصوصًا الفتيات ومبررها في ذلك ( أنا عايزة راجل يعرف يكون مسئول وهحس بده لما يكون أكبر مني بكام سنة )، ( لو أصغر مني هيكون عيل ومش هيعرف يفتح بيت )، (هحس بكرامتي متصانة لو هو الأكبر طبعا).

وأفصحت أكثر من فتاة خلال هذا الحوار أنها حتى إذا كان هناك توافق بينها وبين الشريك ولكنها تتجنب الجلسات العائلية حتي لا تسمع بعض الكلمات التي تتسبب في الأذى النفسي لها مثل، ( من همه خد أد أمه- الكبيرة تكبر والصغيرة تصغر- هتعجز قبل جوزها- بكره يدور ع الصغيرة- خلاص يعني ملقاش غيرها ما البنات الصغيرين كتير).

ولكن هل ما يرفضه المجتمع يتمثل فقط في هذه السطحية التي يتحدث بها، أم أن هناك أسباب لا يفصح عنها؟. لدي المجتمع معايير اجتماعية وثقافية تميل إلى اعتبار أن الرجل هو المعيل للأسرة، وأن المرأة هي المسؤولة عن رعاية الأطفال وبالتالي، فإن زواج الرجل من امرأة أكبر منه سنا قد يُنظر إليه على أنه تهديد لدور الرجل كعائل.

قد يعتقد بعض الرجال أن النساء الأكبر سنًا سيكونن أكثر نضجًا واستقلالية، مما قد يؤدي إلى عدم التوافق في العلاقة، أو سيطرة الزوجة علي الزوج.

أيضًا، الخوف من عدم الإنجاب هو هاجس يشعر به أهل الزوج لاعتقادهم أنه ما دامت الزوجة أكبر فقد لا تستطيع الإنجاب.

كذلك يرى المجتمع، نسائه ورجاله، أن المرأة الأكبر سنًا تكون أكثر خبرة ومعرفة، وقوة، مما قد يؤدي إلى عدم التوافق بينها وبين الزوج واحتمال فشل الزواج يكون كبيرًا.

أيضًا، يخشى بعض الرجال من اختلال القوة داخل الأسرة، إذا كانت الزوجة أكبر سنًا، فستكون مسيطرة على الموقف داخل الأسرة، ما يجعله يشعر بأن رجولته في مأزق.

ولكن لماذا لا يري المجتمع أن النساء تنضج جسديًا وعقليًا بشكل أسرع من الرجال، وأن هذا يعني أن المرأة الأكبر سنًا قد تكون أكثر نضجًا من زوجها في سن مبكرة، وأن هذا في صالح علاقتهما وليس ضدها.

نجد الكثير من الرجال يطلبون من المرأة التي يقررون الارتباط بها عدم الإفصاح عن السن الحقيقي أمام العائلات إلى أن يتم الزواج.

فإذا استشهدنا بتجارب سابقة فلابد أن نذكر أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج السيدة خديجة رضي الله عنها وهي أكبر منه سنًا. وأن مثل هذه التجارب هي رسايل تصل إلينا لتخبرنا أن لا مانع من حدوث ذلك، ولكن هي ثقافة مجتمع تتحكم في أفراده دون إعطاء أسباب مقنعة.

ووفقًا لدراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا في بيركلي، فإن الزيجات التي يكون فيها عمر الزوجة أكبر من الزوج أقل عرضة للطلاق بنسبة 15% من الزيجات التي يكون فيها عمر الزوج أكبر من الزوجة، كما وجدت الدراسة أن هذه الزيجات أكثر استقرارًا ورضا.

وفي دراسة أخرى أجرتها جامعة هارفارد، تقول إن الزيجات التي يكون فيها عمر الزوجة أكبر من الزوج تتمتع بعلاقات أكثر حميمية ورضا، كما وجدت الدراسة أن هذه الزيجات أكثر قدرة على التكيف مع متغيرات الحياة.

ما هو التفسير النفسي لعدم قبول المجتمع أن تكون الزوجة أكبر من الزوج؟

يخاف المجتمع من التغيير، لذا نجد أفراده يخافون من الأشياء التي لا يفهمونها أو لا يعرفونها، ويفضلون المكوث في (منطقة الراحة (comfort zone بدلا من خوض التجارب الجديدة.

بالتالي يشعر أفراد المجتمع بعدم اليقين بشأن العلاقة التي يكون فيها عمر الزوجين على غير المألوف عادة ويعتقدون أنها ستكون أقل استقرارًا أو أقل نجاحًا.

وكل هذا يحدث نتيجة للثقافة المجتمعية السائدة التي تلعب دورًا مهمًا في تشكيل أفكارنا حول الزواج، ومتطلباته والتي تسري كالسيف على رقاب أفراده.

 

 

 

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة