فرصة ثانية.. أولًا الأسئلة

0
206
Google search engine

سأكتب هذا المقال على جزئين، لأنه موضوع يحتاج إلى نقاش مفتوح، وبما أن سبل فتح نقاشات مجتمعية مهما بلغت أهميتها ضيقة، سأكتفي بمنصتي هنا لفتح هذا النقاش. لقد استخدمت بالفعل صفحاتي على مواقع التواصل الاجتماعي للتساؤل، وحصدت إجابات غاية في العمق والوسع، وأدعوكم للتفكير وفعل المثل. قضية «المصالحة» و«المسامحة» وإعطاء «فرص ثانية» مسألة غاية في الحرج وتدرج الأهمية، بداية من العلاقات العاطفية والأسرية وانتقالًا إلى المذنبين الجنائيين وانتهاءً بالمذنبين من الأنظمة نفسها.

يتردد في ذهني دائمًا نموذج «نيلسون مانديلا» كلما فكرت في «الفرص الثانية» والمسامحة، كيف استطاع هو وبلده تجاوز العداوات وإضفاء شرعية على سلام حقيقي داخلي؟ يمكن سأتناولها بالمختصر في الجزء الثاني من المقال.

لكن لو تحدثنا على قطاع ضيق، داخل الأسرة أو في العلاقات العاطفية بدرجاتها، أو لو تحدثنا عن «الشِلل» وعلاقات الصداقة والعمل، ومفاهيم المحاسبة والعقاب التي يجب أن تتجاور مع المسامحة، كيف يمكننا أن نتعامل معها داخل دوائرنا الصغيرة، سواء في المجتمع المدني ومؤسساته المختلفة، أو على مستويات مختلفة داخل الدولة نفسها أو الأسرة؟ مستويات متعددة من الخلافات والأخطاء، بداية من الاحتيال وسرقة الحقوق والاستغلال، ومرورًا بالتحرش ومحاولات الإغتصاب والعنف، وانتهاءً بالدم.

إلى أي مدى يجب علينا دعم أصدقائنا المخطئين؟ وكيف يمكننا أن نوازن بين نصرة الحق وبين نصرة الصديق أو الأخ أو القريب لنا على أي مسمى؟ إلى أي مدى يمكن أن نسامح؟ وما هي شروط المسامحة؟ كيف يمكن أن نمنح فرصة ثانية للمخطئ؟ وهل هناك أخطاء معينة لا يمكن العفو عنها؟ وهل هناك معايير أو ثوابت نحكم على أساسها؟

ربما القاعدة الوحيدة التي يمكننا الاتفاق عليها ببساطة أن كلنا بشر وكلنا نخطئ، بالطبع كلا الأمرين درجات، فكل منا يحمل صفات بشرية بنسب متفاوتة مرتبطة بالنشأة والثقافة والحقبة الزمنية والنظام السياسي السائد المرافق لطفولتنا ومراهقتنا، وغيرها من المتغيرات التي تجعل «بشريتنا» أمر «نسبي» ومتفاوت.

كذلك أخطائنا متفاوتة ونسبية، بين المحسوبية وإعطاء فرص للأقارب والأحباب على حساب الكفاءة أو الكفاية، وتدرجًا حتى أكل الحقوق واستغلال المبتدئين في أية مجال، والتعامل المتعارض مع المباديء المعلنة، والنفاق لكسب منافع مالية، ومرورًا على التحرش والعروض الجنسية داخل أماكن العمل، وأيضًا المعاملة اللا إنسانية أو التي ترقى إلى العنف البدني واللفظي، وادعاءات وتشويه السمعة، مثل توجيه اتهامات لتشويه سمعة المختلف معك في الشخصية كالسرقة أو التحرش، وانتهاءً بجرائم أشد عنفًا كالتعذيب والاغتصاب أو ارتكاب الدم. كلها أخطاء وجرائم بشرية، منها ما هو سلوكي ومنها ما يسبب أذى نفسي مباشر شديد، ومنها ما يسبب أذى نفسي وجسدي.

أي الأخطاء يمكننا أن نتجاوز عنها من دون عقوبة؟ وأيها يجب معاقبة فاعلها قبل التفكير في مسامحته؟ وإلى أي حد يمكننا القبول بفرص ثانية للجميع؟ وأنا أتطرف هنا ليشمل هذا الجميع- الجميع حقًا- القاتل والسارق والمغتصب ومرتكب التعذيب، وليس فقط الأخطاء الدنيئة والجرائم التي لا أميل لتسميتها «صغيرة» لأنها أيضًا تحمل عواقب كبيرة. قد يقتل الإنسان اتهام زور بالسرقة أو التحرش، وقد يقتل الإنسان، أو أسوأ من هذا قد يتحول لوحش يقتل آخرين، باستغلال الشهرة والسلطة لتشويه شخص ومنعه من العمل في مجال تملك فيه أدوات قوة. أعيد عليكم وعلى نفسي الأسئلة وأترككم للفكر، ونعود لنحاول أن نجد إجابات ومعايير معًا في مرات قادمة.

مصدرشيماء سامى
المقالة السابقةأمهات الغرب تقلد الأم المصرية.. انتشار ظاهرة إعادة تدوير ملابس الأطفال الصغيرة بإنجلترا
المقالة القادمةالسيرة العطرة للراحلة منى قطب زوجة الفنان حلمي التوني

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا