وهم العذرية.. ماذا يقول غشاء البكارة فعلًا؟

دخلت طفلة مستشفى "مايو" لتلقي العلاج من حصوات في الكلى، من دون أن يكون هناك اشتباه في تعرضها لاعتداء أو سبب يدعو إلى مساءلة جسدها. كانت تستعد لعملية جراحية روتينية، حين اكتشف الطبيب أثناء الفحص غياب غشاء البكارة. عندئذٍ انحرف المسار من التشخيص الطبي إلى دائرة الاتهام، وانتقل السؤال من "ما الذي يؤلم هذه الطفلة؟" إلى "ماذا حدث لجسدها؟".

وعلى الرغم من نفي الأسرة وتأكيد الطفلة أنها لم تتعرض لأي أذى، أصر الطبيب على استدعاء طبيبة نساء للتحقق من نتيجة فحصه، ورفض إجراء الجراحة. وهكذا، لم يُترك جسد الطفلة وشأنه، وصار مطالبًا بتقديم إجابة وإثبات واقعة لم تحدث، استجابة لإرادة بالغين قرروا استنطاق جسد صغير.

تتجاوز هذه الحكاية تفاصيلها الفردية، وتطرح سؤالًا أكثر إزعاجًا، من أقنعنا بأن جسد طفلة يحمل شهادة على شرفها؟ وهل يملك الطب أصلًا أدوات تمكن الطبيب من إصدار حكم قاطع بشأن "العذرية"؟

القضية هنا لا تتعلق بغشاء البكارة في حد ذاته، وإنما بوهم العذرية، وهو مفهوم منحته المجتمعات سلطة تتجاوز الحقائق الطبية والمنطق الإنساني.

الغشاء الذي حُمل أكثر مما يحتمل

يُعد غشاء البكارة من أكثر أجزاء الجسد إحاطة بالأساطير. ففي المخيال الشعبي، يُعامل كأنه ختم أو سدادة أو شهادة صلاحية، بينما هو في الواقع نسيج تشريحي يختلف شكله ومرونته من فتاة إلى أخرى، ولا يكشف شيئًا عن تاريخها الجنسي. وهذه حقيقة طبية مثبتة، لا مجرد وجهة نظر نسوية أو اجتماعية.

تؤكد منظمة الصحة العالمية أن مظهر غشاء البكارة لا يمثل مؤشرًا موثوقًا على حدوث علاقة جنسية، وأنه لا يوجد فحص طبي يمكنه إثبات تاريخ ممارسة الجنس المهبلي. لذلك، يفتقر ما يُعرف بـ"فحص العذرية" إلى أي أساس علمي أو ضرورة سريرية. كما تصف المنظمة العذرية نفسها بأنها مفهوم اجتماعي وثقافي لا يستند إلى أساس طبي.

وفي دراسة مصرية نُشرت عام 2022 في دورية "أرشيف السلوك الجنسي"، بعنوان "العذرية موضع التساؤل، لا إجابة قاطعة"، خلص باحثون من قسم الطب الشرعي والسموم الإكلينيكية بكلية طب قصر العيني إلى أن فحص العذرية لا يقدم إجابة حاسمة. وأوضحوا أن الاعتماد على سلامة الغشاء لإثبات وجود علاقة جنسية سابقة أو نفيها يستند إلى دليل طبي بالغ الضعف.

وتناولت الدراسة حالة فتاة مصرية تبلغ من العمر 18 عامًا، راجعت قسم الطب الشرعي في قصر العيني برفقة والدتها للحصول على "شهادة عذرية". وعلى الرغم من خضوعها لفحوص متعددة أجراها أكثر من طبيب شرعي، تباينت الآراء بشأن طبيعة الغشاء، حتى انتهى أحد الأطباء إلى أنه سليم. خضعت الفتاة لما لا يقل عن 3 فحوص، ومع ذلك لم يستطع الطب تقديم الإجابة التي يطالبه المجتمع بها. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

حين يرتدي الوهم معطف الطبيب

لا تقف المشكلة عند اعتقاد الأسرة أن غشاء البكارة مؤشر على "العذرية"، وإنما تتفاقم حين ينتقل هذا الاعتقاد من الموروث الاجتماعي إلى غرفة الكشف، فيكتسب صفة الحقيقة لمجرد وجود طبيب يؤيده.

ثمة فرق جوهري بين فحص جسد فتاة لضرورة طبية واضحة، وفحصه بحثًا عن إجابة لسؤال اجتماعي لا يملك الطب أصلًا أدوات الإجابة عنه.

في الحالة الأولى، نحن أمام ممارسة طبية ذات هدف محدد، كعلاج مرض أو تشخيص إصابة أو تقديم الرعاية اللازمة. أما في الحالة الثانية، فنحن أمام اعتقاد اجتماعي يستعير لغة الطب وأدواته، ثم يقدم نفسه باعتباره حقيقة علمية.

المعطف الأبيض لا يحول الخرافة إلى حقيقة. والأخطر أن إقحام الطب في هذه المسألة قد يمنح الأوهام الاجتماعية شرعية لا تستحقها. عندئذٍ، يتحول الاعتقاد المجتمعي إلى تقرير طبي، والسؤال العائلي إلى فحص سريري، والحكم الأخلاقي إلى لغة تبدو محايدة، بينما تنطلق جميعها من الافتراض ذاته، وهو أن جسد المرأة مطالب بتقديم دليل على سلوكها.

في هذه اللحظة، يتجاوز الطبيب دوره المهني، ويصبح، سواء أدرك ذلك أم لم يدرك، جزءًا من منظومة تدفع جسد المرأة إلى الشهادة ضد نفسه.

وهنا يجب التمييز بين فحص العذرية والفحص الطبي الشرعي في حالات الاعتداء الجنسي.

فالفحص الشرعي عند الاشتباه في وقوع اعتداء له غرض مختلف تمامًا، يتمثل في توثيق الإصابات، وجمع الأدلة المتاحة، وتقييم ما قد يكون حدث، وتقديم الرعاية اللازمة. وحتى في حالات الاعتداء الجنسي على الأطفال، لا يعني غياب العلامات الجسدية أن الاعتداء لم يقع. وتؤكد الدراسات الطبية الشرعية أن بعض حالات الاعتداء لا تترك إصابات جسدية واضحة، وأن غياب الدليل الجسدي لا يثبت الاعتداء ولا ينفيه.

أما فحص جسد فتاة لمجرد الإجابة عن سؤال "هل هي عذراء؟"، فيضعنا أمام سؤال اجتماعي لا يتحول إلى مسألة علمية لمجرد طرحه داخل غرفة الكشف.

وتوضح وثيقة أممية خاصة بمصر أنه لا يوجد تعريف قانوني أو طبي لما يسمى "فحص العذرية". وتشير الوثيقة إلى أن فحوص الطب الشرعي التي تجريها وزارة العدل في قضايا العنف والاعتداء الجنسي تتم بناءً على إذن النيابة العامة، وتهدف إلى إثبات وقوع الاعتداء، لا إلى إصدار حكم أخلاقي على المرأة.

هذا التفريق ليس تفصيلًا ثانويًا. إنه الفاصل الجوهري بين طب يبحث عن آثار جريمة، وممارسة طبية يُراد لها أن تحاكم امرأة على جسدها.

حين يتحول الوهم إلى حكم

لم يكتف المجتمع بتصديق أسطورة العذرية، وإنما شيد حولها منظومة كاملة. فتاة مقبلة على الزواج تعيش رعب النزيف في ليلة زفافها، وأم تساورها الهواجس بشأن "عفة" ابنتها، ورجل يبحث عن ضمانات قبل الارتباط، وطبيب يُستدعى لمنح شهادة لا يملك العلم القدرة على إصدارها.

وتتفاقم المأساة حين تتعرض فتاة لاعتداء جنسي، ثم يُطلب من جسدها تقديم دليل على ما جرى، وكأن غياب الإصابات أو سلامة الغشاء ينفيان وقوع الاعتداء. عندئذٍ يتحول الجسد إلى متهم. وعوضًا عن السؤال "ماذا فعل بها المعتدي؟"، يصبح السؤال "كيف كان شكل جسدها قبل الاعتداء؟ وهل ما زال يحمل العلامة التي يتوقعها المجتمع؟".

هكذا تنقلب الأدوار، فتجد الناجية التي تحتاج إلى الحماية والدعم نفسها مطالبة بإثبات أنها جديرة بالتصديق. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن "فحص العذرية" لا يستند إلى ضرورة طبية، وقد يرتبط بآثار جسدية ونفسية واجتماعية مؤذية، وتدعو إلى إنهاء هذه الممارسة.

لماذا لا نطلب الشهادة ذاتها من الرجال؟

هنا يظهر السؤال الذي يكشف جوهر المسألة، لماذا نحتاج إلى معرفة ما إذا كانت المرأة قد مارست الجنس أم لا؟ ولماذا يتحول هذا السؤال إلى حق مكتسب للأب والأخ والخطيب والزوج والطبيب، وأحيانًا إلى أداة في يد السلطة؟ ولماذا يخضع جسد المرأة لمجهر الرقابة الاجتماعية، بينما لا نفكر حتى في مطالبة الرجل بتقديم دليل على "عذريته"؟

لا تتعلق المسألة بالجنس وحده، وإنما بالسلطة. فمن يملك حق السؤال؟ ومن يملك حق الفحص؟ ومن يملك حق تفسير جسد المرأة؟ ومن يقرر ما إذا كانت جديرة بالثقة؟

فالعذرية هنا لم تعد مجرد وصف لحياة جنسية سابقة، وإنما تحولت إلى معيار أخلاقي تُقاس به المرأة، وأداة تُستخدم لمراقبة اختياراتها وإخضاع جسدها لرقابة الآخرين. ولهذا، لا يمكن تفكيك وهم العذرية بمجرد تصحيح معلومة تشريحية.

من اخترع العذرية؟

ربما لهذا السبب لا يكفي أن نقول للفتيات "لا تقلقن، غشاء البكارة ليس دليلًا على العذرية". فالاكتفاء بهذه الجملة يصحح معلومة طبية، مع الإبقاء على المنظومة الاجتماعية التي أنتجت الخرافة. علينا أن نطرح أسئلة أعمق، لماذا احتاج المجتمع إلى مفهوم اسمه "العذرية"؟ ولماذا ربط شرف الأسرة بعلامة في جسد المرأة؟ ولماذا طُلب من جسدها الاحتفاظ بدليل على ما فعلته أو لم تفعله، ومن منح الآخرين حق امتلاك هذا الدليل الوهمي؟

العذرية، بهذا المعنى، ليست حقيقة كامنة في جسد المرأة، وإنما فكرة أسقطها المجتمع عليه، ثم منح نفسه سلطة مراقبة جسدها باسمها. وتفكيك هذا الوهم لا ينتقص من قيم الأفراد أو خياراتهم الشخصية، ولا يفرض على النساء طريقة بعينها للحياة. المقصود هو رفض تحويل جسد المرأة إلى وثيقة ملكية عامة، أو التعامل مع جزء طبيعي من جسدها بوصفه مقياسًا للأخلاق، أو الاعتراف بوجود ما يسمى "شهادة العذرية" من الأساس.

علينا أن ندرك أن الطب، مهما تطورت أدواته، لا يستطيع أن يقرأ التاريخ الأخلاقي أو الجنسي للمرأة من خلال جسدها. فالجسد ليس شاهدًا على الأخلاق، والعذرية ليست تشخيصًا طبيًا، وغشاء البكارة ليس شهادة إثبات.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه بعد كل هذه السنوات ليس "هل الفتاة عذراء؟"، وإنما "لماذا ما زلنا نعتقد أن من حقنا أن نسأل؟ ولماذا نطلب من جسد المرأة، في كل مرة، أن يجيب؟".

ماذا نفعل بالخرافة بعد أن ندرك حقيقتها؟

قد يبدو الحل بسيطًا، وهو توضيح أن غشاء البكارة لا يثبت العذرية. لكن هذه الخطوة وحدها لا تكفي. فإذا اقتصرنا على تصحيح المعلومة الطبية، وتركنا المنظومة الاجتماعية التي أنتجت الخرافة على حالها، فسوف يعيد الوهم إنتاج نفسه في صور أخرى.

المطلوب أن تلتزم كل مؤسسة حدود اختصاصها. فالطبيب يعالج ولا يمنح شهادات في الأخلاق، والطب الشرعي يبحث عن الأدلة المرتبطة بالجرائم، ولا يُفترض أن تكون الناجية مطالبة بإثبات "شرفها"، والقانون يحمي الجسد والخصوصية والكرامة، ولا يتبنى مفاهيم اجتماعية يتعذر قياسها علميًا.

وتقع على عاتق المدرسة والإعلام والأسرة مسؤولية تفكيك الاعتقاد بأن هناك علامة جسدية يمكنها تحديد قيمة المرأة أو صدقها أو أهليتها للزواج. ولن يتحقق هذا التغيير بالمعلومة الطبية وحدها. فقد أشارت دراسة قصر العيني، التي أوصت بالحد من فحوص العذرية، إلى أن تغيير هذه الممارسة يتطلب مراجعة المعتقدات والمواقف الاجتماعية من داخل الثقافة نفسها، وتفعيل دور التعليم والتوعية، وإشراك القيادات المجتمعية.

العودة إلى الطفلة

لم تكن الطفلة مطالبة بتحمل ألم الكلى وحده، فقد فُرض عليها وعلى جسدها الرد على سؤال اجتماعي لم تطرحه ولم تصنعه. وكأن المرض لم يكن كافيًا، فأُضيف إلى معاناتها امتحان آخر، "هل أنتِ جديرة بالتصديق؟".

هنا تكمن المأساة الحقيقية في قصتها، لا في أن أحدًا لم يعرف ماذا حدث لغشاء بكارتها، وإنما في أن الجميع تصرفوا للحظة كما لو أن معرفة ذلك أمر ضروري من الأساس.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة