يوميات صحفية برلمانية| كيف قننت القائمة توريث المقاعد؟

أعادت وفاة النائبة أماني أبو سحلي، عن حزب حماة الوطن، قبل أيام، الجدل حول انتقال المقاعد البرلمانية إلى أفراد عائلات النواب بعد وفاتهم، إذ يُنتظر أن يخلفها في المجلس ابنتها ديانا، المرشحة الاحتياطية في القائمة، التي ستؤدي اليمين الدستورية بعد إعلان خلو المقعد.

وتنتمي هذه الحالة إلى ظاهرة شهدتها الحياة البرلمانية المصرية خلال السنوات الماضية، إذ انتقل نحو 6 مقاعد إلى أبناء النواب أو زوجاتهم عبر التصعيد التلقائي، بعيدًا عن صناديق الاقتراع، وهو مسار بدأ في ديسمبر 2019، بوفاة النائب السيد حسن موسى، الذي خلفته ابنته هالة، وأدت اليمين الدستورية في يناير 2020.

وقبل تطبيق نظام القائمة المغلقة المطلقة، كان شغل المقعد الذي يخلو بوفاة أحد النواب يستدعي إجراء انتخابات تكميلية ودعوة الناخبين إلى اختيار البديل. لكن تطبيق النظام في انتخابات مجلس النواب عام 2015 أتاح مسارًا مختلفًا، يقوم على تصعيد المرشحين الاحتياطيين وفق ترتيب محدد، ما فتح المجال أمام انتقال المقعد إلى أحد أفراد عائلة النائب المتوفى.

وتنظم المادة 25 من قانون مجلس النواب رقم 46 لسنة 2014 آلية شغل المقاعد الشاغرة. فإذا خلا مقعد أحد الأعضاء المنتخبين بالنظام الفردي قبل انتهاء مدة عضويته بـ6 أشهر على الأقل، يُجرى انتخاب تكميلي. أما في نظام القوائم، فيحل أحد المرشحين الاحتياطيين محل العضو المتوفى وفق ترتيب الأسماء، شريطة انتمائه إلى الصفة نفسها التي كان يشغلها النائب السابق. وإذا لم يوجد مرشح احتياطي من الصفة ذاتها، يُصعَّد المرشح التالي في ترتيب القائمة، بصرف النظر عن صفته.

النظام الانتخابي المتهم الأول

اعتاد المصريون، على مدار تاريخهم، تشكيل البرلمان بالانتخاب الفردي، سواء خلال الانتخابات التي سبقت ثورة يوليو 1952، حين كان اختيار النواب يتم بصورة غير مباشرة عبر انتخاب مندوبين يتولون اختيارهم، أو بعد دستور 1956 وما تلاه، مع اعتماد الانتخاب المباشر وفق النظام الفردي، ولم يتغير هذا النهج إلا مع تطبيق نظام القائمة النسبية في أعوام 1984 و1987 و2012.

ولم تعرف الحياة السياسية المصرية نظام القائمة المغلقة المطلقة إلا عام 2015، حين خُصص 20% من مقاعد مجلس النواب لأربع قوائم موزعة على مستوى الجمهورية، مقابل 80% للنظام الفردي. وقبيل انتخابات 2020، عُدّل النظام الانتخابي لترتفع حصة القوائم إلى 50% من المقاعد، وتتراجع حصة النظام الفردي بالنسبة نفسها.

وتحدث كثيرون عن أزمة القائمة المغلقة المطلقة، وما يفرضه تشكيلها من عقبات أمام الأحزاب السياسية الصغيرة، التي لا تملك القدرة على إعداد قوائم تستوفي الشروط المطلوبة، كما تحول هشاشة المعارضة وضعفها في مصر دون قدرتها على تشكيل قوائم تضم الفئات التي نص الدستور على تمييزها إيجابيًا.

غير أن القائمة المغلقة فتحت بابًا آخر لم يحظَ بالقدر نفسه من الانتباه، إذ أتاحت انتقال المقاعد إلى أبناء "العاملين" في البرلمان، من دون اعتبار كافٍ لحق المواطن الأصيل في اختيار من يمثله.

هل التوريث للنساء فقط؟

كانت أول حالة وفاة يشهدها البرلمان المصري بعد تطبيق نظام القائمة المغلقة المطلقة هي وفاة النائب الراحل سامح سيف اليزل، أحد مهندسي الانتخابات آنذاك. غير أن اليزل لم يُدرج أبناءه ضمن المرشحين الاحتياطيين على مقعده، الذي انتقل تلقائيًا إلى النائب السابق نادر مصطفى، الذي شغل منصب نائب رئيس مركز الجمهورية للدراسات الاستراتيجية والأمنية، الذي أسسه اليزل عقب ثورة يناير.

واللافت أن الحالات الـ6 التي رُصدت لتوريث المقاعد خلال السنوات الماضية كانت جميعها لصالح النساء، ما أسهم في زيادة التمثيل النسائي داخل البرلمان. ومن بين هذه الحالات النائبة أسماء سعد الجمال، التي ورثت مقعد والدها النائب سعد الجمال بعد وفاته، والنائبة آية فوزي فتى، التي خلفت والدها، والنائبة رغدة عبد السلام، التي تولت مقعد والدتها النائبة ابتسام أبو رحاب، والنائبة رنا رؤوف، التي خلفت والدتها أمنية خلف.

لماذا يُدرج الأبناء احتياطيين للآباء؟

يطرح هذا السلوك المتكرر سؤالًا جوهريًا حول الدوافع التي تجعل المرشحين يصرون على إدراج أبنائهم أو زوجاتهم ضمن قوائم المرشحين الاحتياطيين، ويأتي الحفاظ على النفوذ السياسي ورأس المال الاجتماعي للعائلة في مقدمة هذه الدوافع، إذ يُنظر إلى المقعد البرلماني في كثير من الدوائر باعتباره مكتسبًا عائليًا ورمزًا للنفوذ، ويضمن إدراج الأبناء في القوائم الاحتياطية استمرار تمثيل العائلة داخل المجلس، بعيدًا عن المنافسين.

ويرتبط هذا السلوك أيضًا بأبعاد اقتصادية، إذ تعكس ظاهرة شراء المقاعد ودفع ملايين الجنيهات لضمان مقعد في القائمة وجود مصالح يسعى النائب إلى حمايتها. وقد تكون هذه المصالح مباشرة، أو ترتبط بمكانة اجتماعية ونفوذ سياسي يفتحان الباب أمام مكاسب اقتصادية يراد استمرارها لصالح العائلة بعد الوفاة.

وقد يكون إدراج الأبناء وسيلة لتسهيل استيفاء الشروط القانونية المتعلقة بتمثيل فئات محددة، مثل الشباب والنساء والأقباط وذوي الإعاقة. وفي هذه الحالات، قد يجد النائب في أحد أبنائه أو زوجته خيارًا يسهل استيفاء الصفة المطلوبة عند تشكيل القائمة.

ويثير استمرار هذا الوضع مخاوف بشأن علاقة البرلمان بالمواطن، ويعيد الجدل حول الانتقاص من إرادة الناخبين، حين يُحرم المواطن من حقه الأصيل في اختيار ممثله، ويصل إلى المجلس نائب لم يشارك في اختياره، بموجب ترتيبات عائلية تُحسم خلف الأبواب المغلقة. كما كشفت التجربة عن افتقار معظم من ورثوا المقاعد إلى التأهيل اللازم للعمل البرلماني، مع وجود استثناءات محدودة.

ولا تتطلب معالجة ظاهرة "تقنين التوريث" سوى مراجعة تشريعية جادة، تبدأ بإعادة النظر في النظام الانتخابي، سواء بإنهاء العمل بالقوائم المغلقة المطلقة أو تقليص حصتها، مع إتاحة مساحة أكبر للنظام الفردي، ووضع ضوابط واضحة لاختيار المرشحين الاحتياطيين، عوضًا عن الاكتفاء باستكمال الأوراق بصورة شكلية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة