التعليم المستباح.. لا برلمان يحاسب ولا حكومة تهتم أو نقابة تتدخل

نوقشت قضية "تحرير المرأة" عقب أزمة "معلم التاريخ" من زوايا عدة، بين مؤيد لما قاله ومعارض رأى في حديثه تطرفًا وإساءة بالغة إلى رموز نسائية تاريخية، مثل هدى شعراوي وصفية زغلول. غير أن زاوية أوسع لم تحظَ بما تستحقه من النقاش، وهي ما إذا كان الرجل الذي سخر أمام طلابه من المرأة وأهان رموزها معلمًا أصلًا، أم ينتحل صفة معلم. والمفاجأة أنه لا يتبع وزارة التربية والتعليم، وفق ما أكده مصدران قياديان كبيران في الوزارة لـ"فكر تاني"، قائلين إنهما لا يملكان صلاحية محاسبته.
ظهر المعلم وهو يوجه عبارات مسيئة إلى هدى شعراوي وصفية زغلول في أثناء شرح درس يتعلق بتحرير المرأة، وردد في حقهما "حسبنا الله ونعم الوكيل فيهم.. بوظوا الدنيا". ثم ربط تسمية "ميدان التحرير" بتحرر المرأة من غطاء الوجه، وزعم أن المرأة كلما أرادت التحرر "تخلع ثيابها".
هكذا صار التعليم في مصر مستباحًا على أيدي أشخاص من هذه الفئة، إذ بات بإمكان خريج أي تخصص لا يجد وظيفة أن يتجه إلى الدروس الخصوصية، رغم أن انتحال صفة ممارس لمهنة أخرى قد يفضي بصاحبه إلى السجن.
أثار نبأ انتحال عاطل صفة قاضٍ غضبًا واسعًا في الرأي العام، كما أُلقي القبض على خريج دبلوم انتحل صفة طبيب. ومع ذلك، لا نرى منتحل صفة معلم يُحاسب، ولا مركزًا للدروس الخصوصية يُغلق، حتى لو كان مقره في ميدان عام وسط المدينة.

إعلان مدرس عن تدريس جميع المواد -فيسبوك

إذا صادفت طالبًا في الصف الأول الثانوي، سواء في المسار العام أو البكالوريا، وسألته عمن يتلقى لديه درس البرمجة، فلا تستغرب أن يخبرك بأنه يدرس على يد شاب يملك "سايبر نت". نعم، كما قرأت، إنه صاحب "سايبر"، وهذا مثال على ما يحدث في مواد أخرى، إذ يستطيع أشخاص لا علاقة لهم بالتخصصات التعليمية اقتحام سوق الدروس الخصوصية من دون مساءلة. فلا برلمان يحاسب، ولا حكومة تهتم، أو نقابة للمعلمين تتدخل، حتى صار التعليم مستباحًا.
ما يلفت الانتباه أنك قد تصادف بسهولة إعلانًا لأحد العاملين في التدريس يفتح فيه باب الحجز لدروس في مواد شتى، منها اللغة العربية والإنجليزية والرياضيات، وربما الجغرافيا والعلوم. ليست هذه نكتة، وإنما واقعة رأيتها في إعلان لشخص يروج لدروس في مختلف المواد. والمفاجأة أنه لم يكن يعلن عن "سنتر" يضم متخصصين في مجالات عدة، وإنما كان يؤدي بنفسه دور مركز دروس متكامل.
استباحة التعليم في مصر باتت واقعًا ملموسًا، فلا توجد رخصة لمزاولة المهنة، ولا ضوابط واضحة تحكم عمل من يتولى التدريس، ولا مساءلة رادعة لمن ينتحل الصفة. وحتى وزارة التربية والتعليم، التي يفترض أن تتدخل لاقتراح تشريع يحمي ملايين الطلاب من هذه الفئة التي هيمنت على التعليم الموازي، تقف مكتوفة الأيدي. وعندما تُسأل عن الدروس الخصوصية، تكتفي بالقول إن معدلاتها انخفضت بنسبة كبيرة.
لماذا ترفض الحكومة أن يعمل طبيب من دون شهادة في الطب، ثم تغض الطرف، سهوًا أو عمدًا، عن آلاف العاملين في التدريس من دون رخصة مزاولة المهنة أو تخصص ملائم أو حد أدنى من التدريب التربوي؟ ولماذا لا تُلزمهم بالمرور على نقابة المعلمين والخضوع لاختبارات تحدد أهليتهم للعمل الحر، أو تمنع غير المؤهلين من التحكم في تعليم ملايين الطلاب؟ لماذا تُترك مهنة التعليم مستباحة إلى هذا الحد؟
ما جدوى أي تطوير أو تعديل إيجابي قد تدخله الحكومة على منظومة التعليم، في وقت تهيمن فيه منظومة أخرى أوسع انتشارًا، هي "التعليم الموازي"، على أيدي خريجين من تخصصات جامعية ومتوسطة لا صلة لهم بالمناهج أو بنظم التقويم والامتحانات، ولا يملكون بالضرورة المعرفة اللازمة لتطوير العملية التعليمية؟ وإذا كانت الحكومة ترفع شعار بناء الإنسان باعتباره أولوية اجتماعية، فأي إنسان يمكن بناؤه على هذه الأسس الهشة؟
تقول وزارة التعليم إنها استعانت بتجارب دول متقدمة تعليميًا، مثل اليابان وألمانيا وإيطاليا، لمواكبة العصر، لكنها لم تضمن انتقال الضوابط التي تحمي مهنة التدريس إلى النظام المصري. فلا يوجد خريج حقوق في اليابان يدرس لغته الأم، اليابانية، بينما قد يفاجئك في مصر خريج حقوق يدرس الرياضيات والعلوم بفروعها، أو أي مادة أخرى يختارها. يكتفي بمشاهدة مجموعة من الفيديوهات وقراءة المنهج، ثم يبتكر لنفسه طريقة تدريس يصفها بأنها غير تقليدية، وينطلق معلنًا عن نفسه بألقاب مثل "شبح الحساب" و"إمبراطور العلوم".
ليس ذنب الطالب أن الحكومة تبحث عن حلول لخفض معدلات البطالة، فتسمح، سهوًا أو عمدًا، لأشخاص لا صلة لهم بالمجال بالعمل في التدريس. فهذا الدخيل لا يؤسس الطالب كما ينبغي، ولا يمنح من يحتاج إلى الدعم أدوات التعلم الصحيحة، ولا يحقق أهداف التعليم بوصفه مشروعًا للدولة، ولا يطبق فلسفة واضحة للتطوير، ولا يقدم المحتوى على نحو سليم. ومع ذلك، يحصل على مقابل مادي معتبر في نهاية الشهر من عائد الدروس، مستغلًا تمسك الأسر بالتعليم الموازي بعد أن فقدت الأمل في إصلاح التعليم داخل المدارس.
هل يُطلب من ولي الأمر أن يتحرى عن كل معلم يعمل داخل السنتر، ويتأكد من تخرجه في كلية تربوية؟ وهل عليه أن يسأل مدرس العلوم عما إذا كان قد تخرج فعلًا في كلية العلوم؟ هل سبق لولي أمر أن تحقق من المستوى العلمي والشهادة الجامعية للمعلم الذي يقتطع له جزءًا كبيرًا من دخل الأسرة كل شهر، أم يكتفي بسمعة السنتر واسم المدرس، على افتراض أن عمله في التدريس شهادة حكومية بكفاءته؟
لماذا لا تدرك الحكومة والبرلمان ونقابة المعلمين حجم الخطر؟ يعتمد نظام البكالوريا، مثلًا، أساسًا على معلم يقدم المحتوى التعليمي بطريقة تفاعلية، ويرشد الطالب إلى البحث والتحري والتدقيق والتفكير والفهم والاستنتاج، لا إلى الحفظ. ومن دون هذا النوع من التعليم، سيجد الطالب نفسه أمام امتحان مصيري قد يعجز عن الإجابة عن أي سؤال فيه، لأن نظام البكالوريا يحاكي إلى حد كبير نظام الشهادة البريطانية، الذي يقوم على الفهم والاستنتاج وإعمال العقل. وفي هذا النظام، يتحول المعلم إلى مساعد ومرشد للطالب، لا إلى شخص يلقنه المنهج، على خلاف ما اعتادته المدارس في الماضي القريب.
هل يملك منتحل صفة المعلم القدرة على نقل الطالب من الحفظ إلى الاستنتاج والبحث والتحليل؟ قطعًا، لا. والنتيجة تراجع المستوى، وربما رسوب الطلاب الذين يعتمدون عليه في البكالوريا، مقارنة بزملائهم الذين يتلقون الدروس على أيدي معلمي وزارة التعليم المدربين على هذا النظام خلال الصيف، بإشراف خبراء وبالتعاون مع مؤسسة البكالوريا الدولية.
وفي المراحل التعليمية الأصغر، الابتدائية والإعدادية، تتضاعف الخطورة، إذ يفتقر منتحل الصفة أو غير المتخصص في التربية إلى مهارات تأسيس التلميذ على نحو سليم، لأنه لا يعرف المبادئ التربوية اللازمة لبناء المهارات الأساسية. ومن ثم تتسع دائرة ضعف الطلاب في اللغة العربية والإنجليزية والعلوم والرياضيات، لأنهم لم يتلقوا تعليمهم على يد معلم يمتلك الخبرة والكفاءة اللازمتين للتعامل مع هذه الفئة العمرية وفق أسس علمية. وقد لا يسأل ولي الأمر نفسه عن سبب تراجع مستوى ابنه، ولا يدرك أنه عرض مستقبله للخطر حين عهد بتعليمه إلى خريج لم يجد وظيفة فاتجه إلى التدريس.
في كثير من السناتر، يستعين أصحابها بخريجين من كليات مختلفة مقابل أجر شهري، بينما يكتفي ولي الأمر بتسجيل ابنه في المركز. ويتولى صاحبه توزيع المعلمين، أو المحسوبين على المهنة، على المجموعات الطلابية، ويحصل كل خريج في نهاية الشهر على راتب أو نسبة تتحدد بحسب عدد الطلاب المسجلين. ويصعب أن يعمل المعلم المخضرم التابع لوزارة التربية والتعليم بهذه الصيغة، إذ لديه طلابه، ونادرًا ما يلجأ إلى السنتر، ويفضل الحصول على الرسوم كاملة بدلًا من تقاسمها مع صاحبه.
هذا منطق التجارة في التعليم، وهو واقع يكشف انتكاسة كبيرة بعدما صار التدريس مستباحًا. وفي ظل ظروف معيشية بالغة القسوة، يجد الأب نفسه مضطرًا إلى البحث عن المعلم الأقل سعرًا، من دون التحقق من خلفيته أو خبرته أو مؤهلاته، التي قد لا تكون تربوية أصلًا، وربما لا تتجاوز شهادة دبلوم متوسط.
وتتضاعف الخطورة مع تراجع دور المدرسة، بعدما صار الاعتماد على الدروس الخصوصية أساسًا للتعليم، من دون أن تتحرك الحكومة لوضع توصيف وتصنيف واضحين لمن يعملون بالتدريس. المطلوب تشريع يشترط الحصول على رخصة مزاولة المهنة، ولا يمنحها إلا لمستحقيها وفق معايير صارمة واختبارات نزيهة، على أن تكون مدخلًا لخريجي الكليات التربوية إلى نقابة المعلمين بصفة معلمين أحرار، يخضعون للمساءلة والمراجعة الدورية لشروط مزاولة المهنة.
بهذه الضوابط، يستطيع ولي الأمر معرفة مؤهلات الشخص الذي يتولى تعليم ابنه قبل تسليمه إلى منتحل صفة يسهم في تجهيله ويهدد مستقبله الدراسي. وستظل جهود الحكومة محدودة ما دامت الفئة الأكثر نفوذًا في منظومة التعليم الموازي لا تربطها بالتعليم صلة حقيقية.
هل استُبيح التعليم في مصر، سهوًا أم عمدًا؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة