كتبت منشورًا عابرًا أحتفي فيه بالمصورة الصحفية سماح زيدان، التي نجحت في حجز مكانها بتغطية كأس العالم 2026، تضمن لقطة إنسانية ملهمة التقطها لها مصور برازيلي، وهي تطل بعين من عدستها لتوثيق لحظة فوز المنتخب المصري على منافسه الأسترالي، وعين أخرى تفيض بدموع الفرحة والتأثر. جاء التناقض في الصورة مثيرًا للإعجاب والفخر بامرأة مصرية تؤدي دورها على أكمل وجه وسط تحديات مهنية شديدة الصعوبة، فاختتمت منشوري بعبارة "الستات مكانهم المطبخ والملعب وغرف الأخبار والشارع وكل مكان يختاروا يكونوا فيه".
ولم أتخيل أن يتحول هذا الاحتفاء المهني إلى مغناطيس يجذب عشرات التعليقات الساخرة والمسيئة، لا لصاحبة القصة فحسب، وإنما للمنشور ولشخصي أيضًا.
انهالت التعليقات تهون من إنجازها وتتساءل بسخرية عن جدوى الإشادة بامرأة تؤدي عملها، فيما أصر بعضهم على أن الإشادة بأكملها يجب أن تذهب للمصور البرازيلي الذي التقط صورتها.
لم يخلُ الأمر من العبارات الجاهزة التي تعيد المرأة إلى مكانها التقليدي، إذ علق أحدهم بتهكم "النساء مكانهن المطبخ.. وحتى لو تواجدن في الملعب، فيجب أن يكون ملحقًا به مطبخ لإطعام اللاعبين"، والمفارقة الملفتة للنظر أن جميع تلك التعليقات المسيئة والمهينة، التي اضطرتني لإغلاق خاصية التعليقات للجميع واقتصارها على الأصدقاء، كانت تحمل أسماء ذكور.
لم تكن هذه الواقعة استثناءً، إذ تكرر المشهد ذاته بالآلية الدفاعية نفسها حين كتبت أشيد ببطولة طبيبة أغاثت مصابين في أثناء حريق مول "أرابيلا بلازا" بالتجمع الخامس، الذي وقع منتصف أغسطس الماضين وأشرت في المنشور ذاته إلى سيدة أخرى شجاعة تدخلت لإنقاذ طفل من اعتداء رجل مسن عليه جنسيًا، حيث اقتحمت منزلًا بعد طرقها على بابه بقوة لتخرج الصغير من شقة الرجل، في وقت اكتفى فيه الرجال بمشاهدة الموقف، بل وطالبوها بالهدوء وعدم إثارة الشوشرة بقولهم "خلاص معلش".
حتى هذا المنشور الإنساني لم يسلم من محاولات التشويه، إذ امتلأ الفضاء الرقمي بمنشورات تستخف ببطولة فتاة مول أرابيلا وتحيل إشادة الناس بموقفها البطولي إلى ملابسها أو جمالها الأنثوي، متجاهلة تمامًا شجاعتها في مواجهة النيران، والمثير للانتباه أن السيدة التي أنقذت الطفل كانت محجبة، ولم يقل أحد إن الإشادة بها جاءت بسبب حجابها، لكن الملاحظ أن نفس المهاجمين لطبيبة المول تجاهلوا بطولة المرأة المحجبة من الأساس، مما يكشف عن أزمة واضحة مفادها أن المرأة القوية تزعج العقلية الذكورية مهما بلغت بطولتها، ويمكن أن يصبح مظهرها دافعًا لتقزيم إنجازها. أما إذا جاءت البطولة من امرأة لا تثير الريبة تجاه ملابسها، فسيتم التعامل معها بتجاهل كأن شيئًا لم يكن، أو على أقل تقدير ستذكر على مضض، وهو ما حدث فعلًا مع المرأة المحجبة التي أنقذت الطفل.
توالت الأيام، وصعدت نماذج نسائية أخرى في صدارة الترند بمواقف بطولية، لعل أحدثها سيدة شجاعة شكلت بجسدها وقوتها البدنية اللافتة درعًا يحمي زوجها، متصدية لشخص اعتدى عليه، والقاسم المشترك في كل مرة هو ردود الأفعال الذكورية التي تدور حول استراتيجيات نفسية ثابتة للتقليل من شأن المرأة، بدءًا بالتهوين "أي رجل كان سيفعل أكثر من ذلك"، أو الإحالة إلى الحظ "كانت محظوظة بتسليط الكاميرا عليها رغم وجود عشرات الرجال الأبطال في الظل"، وأحيانًا بشيطنة المظهر عبر التركيز على شكلها وملابسها لصرف النظر عن الفعل البطولي نفسه، وأخيرًا بالتشكيك والتحجيم للرواية برمتها أو تحويل البطلة من نموذج يُحتذى به إلى مجرد "حالة استثنائية ونادرة"، وصرف النظر إلى رجال في نفس القصة كأن البطولة لا تسع لكليهما.
هذا الهجوم الرقمي الممنهج واليومي أكبر من مجرد تعليقات عشوائية لمتصفحي الإنترنت، فهو إشارة لتأثير ما يعرف بـ"رد الفعل العكسي" وآليات الدفاع النفسي التي تمارسها قيم "الرجولة الهشة" لحراسة الهرم الطبقي، والتشبث بامتياز القداسة والبطولة للرجل، حتى لو كان الواقع يثبت عكس ذلك تمامًا.
كيف تتحول كفاءة المرأة إلى خطيئة اجتماعية؟
تجد النساء اللواتي يطمحن إلى القوة أو يمتلكنها أنفسهن أمام جدار صلب من المقاومة الذكورية يُعرف علميًا بـ"تأثير رد الفعل العكسي" (Backlash Effect)، وهو مفهوم صاغته بشكل موسع عالمة النفس الأمريكية لوري رودمان في دراستها الصادرة عام 1998 بعنوان "الحفاظ على الوضع الراهن للجنسين"، حيث كتبت عن الكيفية التي يفرض بها المجتمع منظومة عقوبات اجتماعية واقتصادية على المرأة لمجرد تجرئها على القوالب النمطية. وتشرح رودمان بالتعاون مع الباحثة جولي فيلان في مراجعتهما البحثية عام 2008 أن هذه المنظومة تضع المرأة القيادية في فخ "الوضع المستحيل"، أي رفض تصور أن تلعب المرأة دور القائدة.
يأتي هذا الرفض ضمن منظومة عقوبات اجتماعية تُفرض على المرأة لمجرد أنها تجرأت على تحدي القوالب النمطية، وتضع هذه المنظومة المرأة القيادية في فخ الوضع المستحيل، فإذا اختارت المسار التقليدي وأظهرت اللطف والتعاون المنتظرين منها كامرأة، أُقصيت بدعوى افتقارها للحزم والمهارات القيادية. أما إذا تبنت صفات القيادة الحقيقية كالثقة والجرأة والقدرة على اتخاذ القرار، فإنها تواجه هجومًا مضادًا يعاقبها بالنفور والإقصاء المهني، لأنها انتهكت النواهي الجنسانية واقتحمت مربعًا يراه الفكر الذكوري حكرًا عليه.
ويكشف هذا التناقض الصارخ أن خشية الرجال من قوة النساء لا تنبع من نقص كفاءة المرأة، وإنما من رغبة دفاعية لا واعية لحماية الهرم الطبقي التقليدي الذي يجلس الرجل على قمته، حيث يُنظر إلى حزم المرأة طرديًا كتهديد مباشر للمكانة الذكورية، مما يجعل من العقاب الاجتماعي أداة لحراسة الوضع الراهن وإبقاء المرأة في إطار التبعية.
تأنيث الفقر
على الصعيد المحلي، ترى الروائية والإعلامية هند الأشعل أن مفهوم القوة لدى الرجال يرتبط في جانب كبير منه بإقصاء النساء من المجال العام، معتبرة أن الصراع لم يعد يقتصر على رفض الاعتراف ببطولة امرأة أو نجاحها، وإنما وصل في بعض الخطابات إلى محاولة إزاحتها بالكامل من المجال العام. وتقول لـ"فكر تاني"، إن "إحنا في مرحلة أبعد وأعنف من مجرد رفض البطولة النسائية، في مرحلة إزاحة كاملة للنساء من المجال العام، كأننا نقول الستات أصلًا حرام".
وتفسر أن ظهور امرأة قوية وقادرة على الحماية والإنجاز يصطدم لدى كثير من الرجال بمخاوفهم الذاتية التي تشكلت منذ الطفولة عن معنى الرجولة ودور الرجل، قائلة إن "الرجل يتعلم من صغره أن الستات أضعف، وناقصات عقل، ولا تعرف أو تقدر. وحين يصطدم بواقع مختلف تمامًا، ويكتشف أن المرأة تعمل وتستقل وتتولى مسؤولية بيت بالكامل، وتقدر تحمي نفسها والرجل في مواقف كثيرة، يشعر بارتباك من الصورة التي كونها عن نفسه وعن العالم".
تشير "الأشعل" إلى هذا بالذكورية الهشة أو السامة، التي تظهر في صورة تقليل من شأن النساء أو التحقير منهن أو تحميلهن مسؤولية الإخفاقات الشخصية للرجال. مضيفة "تابعنا منشورات لاقت رواجًا مفادها أن النساء لا يجب أن تحصلن على منحة أو فرصة سفر، لأنهن بهذا تقتنصن فرصة كان من الممكن لرجل أخذها". وتلفت إلى أن هذه الأفكار لا تتوقف عند الرجال، وإنما يمكن أن تتحول إلى منظومة اجتماعية تعيد إنتاج نفسها داخل الأسرة منذ الطفولة، عبر محاولة الحد من طموح الفتيات ونجاحاتهن "كتير من الأسر تحاول تحجيم البنات من صغرها، لأن النجاح أو الثقافة من وجهة نظرهم لا تليق بالنساء".
قد تبدو حالة تقليم المجتمع أظافر النساء، ومحاولات المطاردة وإزاحتهن من المجال العام أمورًا منفصلة، لكن بمجرد وضعها سويًا فإنها تصبح أبرز أسباب "تأنيث الفقر"، وهو ما أشارت إليه ورقة صادرة عن مؤسسة المرأة الجديدة، إذ يشير هذا المصطلح إلى مجموعة من الظواهر المتعلقة بالفقر تؤثر على النساء والرجال بشكل مختلف، ما يسفر عن زيادة نسبة النساء اللواتي يعشن دون خط الفقر.
ووفق الورقة، يحدث ذلك بسبب الحواجز المؤسسية المترسخة التي تبقي النساء أسيرات لدورة الفقر مقارنة بالرجال، نتيجة عدم المساواة في فرص التعليم، والعمل، والأجور، والملكية والحيازة، والوصول إلى الموارد والتمويل.
إثارة الريبة
تخطت الأبحاث موقف رصد الرفض أو العقوبات الخارجية على النساء اللواتي يتسمن بالقوة، إذ تعمقت أكثر في البعد النفسي للرجل لتكشف عن مكمن خوفه، ففي دراسة نُشرت عام 2015 في مجلة " Personality and Social Psychology Bulletin " تحت عنوان "مكانة الرجل الهشة"، أجرت باحثات ثلاث تجارب سلوكية لدراسة ردود أفعال الرجال المرؤوسين تجاه النساء في المناصب العليا. وذهبت الباحثات إلى أن وجود امرأة في منصب إداري أعلى يثير لدى الرجال في المواقع الأدنى شعورًا داخليًا بالتهديد النفسي لرجولتهم ومكانتهم، وهذا الشعور بالخطر لا يمر في هدوء، إذ يترجم فورًا إلى سلوكيات هجومية مضادة، بحيث يميل الرجال المديرون للتصرف بحزم مفرط وعدوانية خفية ومحاولات مستمرة لإثبات الذات أمام المديرة الأنثى مقارنة بتعاملهم مع المدير الرجل.
واستنتجت الدراسة أيضًا أن الخوف الذكوري من القوة النسائية ليس مجرد موقف فكري فحسب، وإنما آلية دفاعية نفسية لحماية هوية ذكورية يراها أصحابها مهددة بالزوال لمجرد اعتلاء المرأة منصة القيادة أو إظهارها بعض المهارات المتعلقة بالقوة والشجاعة.
وتتفق هند الأشعل مع هذا الطرح، وتشير إلى أن المرأة التي تخوض المسار نفسه الذي يخوضه الرجل تواجه عوائق إضافية لا ترتبط بالكفاءة المهنية نفسها "امرأة ورجل حصلا على نفس الدرجة العلمية، فإن كمية العوائق التي تتعرض لها الست أضعاف مضاعفة، بداية من التشكيك في قدراتها، إلى التهديد بأنوثتها نفسها، إزاي هتبقي أم؟ إزاي هتتجوزي؟ هل جوزك موافق؟ وكأنها ملكية سواء لأب أو زوج أو أخ، وهو أحد أشكال تشييء النساء".
وتضيف الأشعل أن نجاح المرأة كثيرًا ما يُفسر بعيدًا عن كفاءتها، على عكس الرجل الذي غالبًا ما يُنظر إلى نجاحه باعتباره نتيجة طبيعية لقدراته "لو واحدة نجحت بيتقال أكيد في حد ساعدها أو معتمدة على جمالها، لكن لو رجل نجح قليل جدًا ما بنسأل السؤال نفسه: مين ساعده؟".
وتستدل الأشعل على الظاهرة في التعامل مع النساء الناجحات في المجالات العامة، خصوصًا المشاهير والممثلات والكاتبات، وتقول "حتى المشاهير الستات، والممثلات الناجحات، ونساء الصف الأول، بتحاوطهم الكوميكس والميمز طول الوقت للتقليل من إنجازهم أو التشكيك فيه. وحتى في مجالات زي الهندسة، لسه بنسمع إن الستات مينفعش يكونوا مهندسين، أو إن الست المهندسة بتكون شبه الرجالة".
وترفض أن تتهم السوشيال ميديا بخلق هذه المشاعر، لكنها تكشف جانبًا منها كان يصعب ظهوره علنًا في السابق، تقول "السوشيال ميديا بعيد عن الحسابات المزيفة أو الحملات الممولة، فإن السوشيال ميديا كاشفة للمشاعر الحقيقية التي يخفيها الناس في الحقيقة خوفًا من القانون أو من العواقب الاجتماعية".
في المقابل، تشير إلى أنها ساعدت أيضًا على حضور رجال يتخذون موقفًا داعمًا للنساء، فهم أنفسهم يتعرضون للعنف الرمزي من الخطاب الذكوري "بقى فيه كمان رجالة داعمة، وده شيء مهم، لأن الرجل اللي بيقف مع بنته ويدعم أخته أو مراته، كان زمان ممكن ما يكونش له صوت، أو بيتعرض لعنف من نفس الأفكار الذكورية، يعني الذكورية مش بتعاقب النساء بس، لكنها كمان بتفرض على الرجال نموذجًا محددًا للرجولة بالشكل المتسلط والجامد فكريًا".
وتستحضر الأشعل تجربتها الشخصية بوصفها مثالًا على الكلفة التي قد تدفعها النساء حين يخترن الظهور والتعبير والمواجهة في المجال العام "أكبر مثال شايفاه في حياتي لمحاربة النساء هو أنا، الستات اللي بتطلع تتكلم بشكل من الأشكال بتواجه بكل أشكال الكراهية والإهانة، زمان كان الاغتيال ممكن يحصل بأعمال إرهابية، زي ما حصل مع نجيب محفوظ وفرج فودة، لكن النهارده فيه أشكال أخرى من العنف والإقصاء والتشويه".
وتعتقد أن حدة الهجوم قد تتضاعف حين تجمع المرأة بين الاستقلال الفكري والحضور الجسدي اللافت ونمط حياة أكثر تحررًا "الست اللي عايشة بنسق حياة متحرر، وقادرة تتكلم وتواجه وترد بندية، وفي الوقت نفسه شكلها ملفت ولبسها فيه تحرر، بتواجه تشنيع أكبر بشراسة أكتر، لأن وجودها نفسه بيصطدم بأكثر من قاعدة في المنظومة الذكورية".
هذه القاعدة الأخيرة تفسر لماذا تبقى المرأة المتصالحة مع حضورها واستقلالها الهدف الأبرز لذكورية هشة تخشى الندية وتتغذى على ثقافة الإنفلونسرز المحرضين، ووفق دراسة حديثة في جامعة كندا فإن الذكورية تتبنى نمط من الحياة في المجتمعات الأكثر سيطرة على النساء، لتدفع معتنقيها إلى تبني مواقف عنيفة أو سلبية تجاه قضايا إنسانية كالمساواة والحماية من جرائم الاغتصاب في سبيل الحفاظ على امتيازات الذكور، مشيرة إلى أنه في العصر الرقمي تتزايد الهشاشة الذكورية بفعل كراهية النساء وثقافات المؤثرين الذكور، "أندرو تيت" نموذجًا.
وتبقى هذه الشهادات المتراكمة، من منشور المصورة إلى بطلة المول ومنقذة الطفل وحامية الزوج، مرآة واحدة تعكس معركة لم تنته بعد، معركة تخوضها المرأة كل يوم لتثبت أن كفاءتها ليست عارًا يستوجب العقاب، وإنما استحقاق طبيعي لا يقل عن نظيره الرجالي. وما دامت الذكورية الهشة تجد في كل إنجاز نسائي تهديدًا يستدعي التشويه أو التهوين، فإن المعركة الحقيقية ليست عن قدرة المرأة، فهذه أثبتتها مرارًا، وإنما عن استعداد المجتمع لمنحها مكانها دون مقايضة أو منّ.