رحلة البحث عن سرير.. أين يجد الطالب المغترب مكانًا يحفظ كرامته؟

لم تكن يسر محمد تعرف أن انتقالها للدراسة في أسيوط سيعني دخولها إلى "حقل ألغام" من الاستغلال المستمر، فابنة محافظة سوهاج لم تتخيل أن صور الشقق التي كانت تتصفحها بحثًا عن سكن، وتبدو لعينيها جنة، ليست أكثر من "فوتوشوب" رديء الصنع عن الحياة.

تقول يسر في حديثها لـ"فكر تاني"، إن السمسار كان "بيعرض صور حلوة جدًا، وأول ما رحت لقيت الصالة اللي في الصور من شقة، والحمام من شقة تانية خالص.. وشوفت واقع ملوش علاقة باللي وافقت عليه".

لم تنته الحكاية عند خدعة الصور، إذ قادتها هذه البداية الملفقة إلى "زنزانة" تحمل اسم سكن المغتربات، كان سكنها الأول يضم أكثر من 15 فتاة في شقة واحدة، فتحولت تفاصيل الحياة اليومية إلى طوابير انتظار لا تنتهي "كل حاجة بالدور حتى الحمام.. كنت بحس بخنقة ودوشة تمنعني من الاستقرار".

ومع التكدس، جاءت معاملة المالك لتضيف عبئًا آخر. ففي أبسط لحظات الاحتياج، كانت صاحبة السكن تمارس سلطتها بقطع ما تحتاجه الفتيات من أساسيات الحياة، وتقول يسر "كانت بتطفي علينا الماتور وتمنع عننا المية".

ورغم هذه البيئة الطاردة، كان إيجار الغرفة في السكن الذي تقطنه يبلغ 1000 جنيه شهريًا، بما يعادل 7 آلاف جنيه خلال العام الدراسي الواحد. وكانت ترى في هذا المبلغ فاتورة باهظة تدفعها الأسرة لقاء التكدس والحرمان من أبسط الحقوق.

وحين قررت يسر الهروب من ذلك الجحيم إلى سكن آخر، وجدت نفسها أمام مختلف للاستغلال، فدفعت مبلغ التأمين لضمان مكان يأويها، لكن المالك فاجأها قبل بدء الدراسة بـ72 ساعة فقط بأنه "صرف نظر عن الإيجار"، ورفض إعادة المبلغ الذي دفعته، فوجدت نفسها بلا سكن أو مال في مدينة غريبة لا ترحم.

ولما سُئلت عن سبب اختيارها السكن الخاص بدلًا من المدينة الجامعية، كشفت إجابتها جانبًا آخر من أزمة الخدمات داخل السكن الحكومي، فالغرفة هناك تضم 8 بنات على سرير من دورين، من دون أبسط رفاهية كثلاجة أو غسالة، وبوتاجاز واحد يخدم الدور بأكمله، ما جعلها تشعر أنها "مستاهلش العيشة دي" كما تقول.

وبين غرف المدن التي تشبه "العنابر"، وشقق السماسرة التي تبدو كأنها "فخ"، ظلت يسر وآلاف غيرها يبحثون عن مطلب بسيط ضاع وسط الزحام، "سكن يحفظ الآدمية، ويحمي الطلاب".

وهذا الفارق بين النمطين ليس مصادفة، فالسكن الجامعي الحكومي يوفر إقامة منخفضة التكلفة مدعومة من الدولة، مع خدمات أساسية كالوجبات والإشراف الإداري، فيما يعاني بعض الطلاب فيه من التكدس وضعف الخدمات أو القيود المفروضة على الحركة، بينما يمنح السكن الخاص مساحة أكبر من الحرية والخصوصية، ومستوى معيشة قد يكون أفضل نسبيًا، لكن بأعباء مالية مرتفعة تشمل الإيجار والمرافق والطعام، لتصبح المفاضلة بين النوعين مرتبطة بالقدرة الاقتصادية وظروف كل طالب.

معركة إثبات الذات

وإذا كانت يسر تبحث عن حق بسيط ضاع في الزحام، فإن جنة أحمد، ابنة المنوفية المغتربة في القاهرة، كانت تخوض معركة من نوع مختلف، معركة مع الذات فرضتها الغربة من اللحظة الأولى، حين وجدت نفسها فجأة مسؤولة عن كل شيء بعدما ابتعدت عن أهلها لأول مرة، فتحولت أيامها الأولى إلى حالة حزن ورغبة عارمة في العودة، وهي لحظة تسميها الخبيرة التربوية داليا الحزاوي "صدمة البداية"، التي يصاب بها كثير من الطلاب نتيجة الانتقال المفاجئ من حياة الأسرة إلى مسؤوليات شاقة كتوفير الطعام وغسل الملابس وتنظيف مكان الإقامة، مسؤوليات قد تتحول إلى ضغط نفسي يؤثر على التحصيل الدراسي إذا لم يمتلك الطالب قدرة سريعة على التكيف.

وهو ما ولّد لدى جنة شعورًا بضرورة "الهروب" أسبوعيًا إلى عائلتها، فلم تكن تطيق البقاء في المدينة الجامعية بعد انتهاء محاضراتها، وكانت تسافر مباشرة إلى قريتها نهاية كل أسبوع لتعويض غربتها، حتى لم يمر أسبوع واحد دون أن تسافر.

ثم جاء تأخير بسيط في دفع المصاريف ليزيد وطأة التجربة، فحُرمت من إتمام إجراءات إجازتها، واضطرت إلى البقاء أسبوعين متواصلين بعيدًا عن منزلها، هما -كما تصفهما- "أصعب أسبوعين مروا عليّ طيلة حياتي"، حتى جاءت فترة الامتحانات لتمتد غربتها القسرية إلى شهر كامل اعتادت بعده الأمر.

ولم يتوقف أثر الاغتراب عند الحالة النفسية، فقد امتد إلى الدراسة نفسها، إذ تتذكر جنة أن السنة الأولى شهدت تقصيرًا في دراستها، وهي "عايشة خايفة" لا يشغل ذهنها سوى أسئلة من نوع هل ستنزل إجازة، وهل ستتصل بها والدتها أم لا، قبل أن تبدأ تدريجيًا في تقبل الأمر.

وبرزت الصحبة إلى جانب هذا القلق باعتبارها عاملًا آخر قادرًا على تغيير شكل التجربة داخل السكن، فالعيش مع أشخاص سيئين -كما تقول- "يقلل التركيز ويجعل الشخص في توتر دائم والعكس صحيح"، وهو ما تؤكده الحزاوي من زاوية أوسع، إذ ترى في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن الحياة المشتركة داخل السكن الطلابي تساعد الطلاب على تعلم التعاون وتحمل المسؤولية واحترام اختلاف الآخرين، لكن غياب الخصوصية واختلاف العادات بينهم قد يؤدي أحيانًا إلى خلافات ومشكلات تؤثر على تركيزهم واستقرارهم النفسي.

بينما تصبح الغربة أكثر حضورًا في بعض اللحظات التي ترتبط بالبيت والأسرة، ولعل رمضان أكثرها وطأة، وإن خفّ إحساس جنة بالغربة فيه مع التعود، حتى باتت اليوم حين تذهب إلى بيتها ترى نفسها غريبة، فينطبق عليها قولها "اعتدنا الغربة حتى أصبحت بلاد الغربة أوطاننا".

كانت الحسابات المادية حاضرة أيضًا في تحديد مكان إقامتها، ففي عامها الأول سكنت في سكن الطلاب اقتصادي الذي بلغت مصاريفه 600 جنيه شهريًا، لكنها وجدت أن هذه التكلفة تمثل عبئًا ثقيلًا على أسرتها، فقررت الانتقال إلى السكن العادي الذي تبلغ مصاريفه 400 جنيه شهريًا، لتصل تكلفة العام الدراسي كاملًا إلى 2800 جنيه.

واليوم، وهي في السنة الرابعة تختتم رحلتها مع السكن الطلابي، تلخص جنة تجربتها بمقولة "اعتدنا الغربة حتى أصبحت بلاد الغربة أوطاننا، فأصبح البعد عن بلاد الغربة غربة".

المدينة أم السكن الخاص؟

وإذا كانت جنة قد وجدت في الغربة عن الأهل معركتها الأصعب، فإن غيداء أشرف، ابنة محافظة الغربية والمغتربة في السويس، وجدت في المدينة الجامعية نفسها مساحة تحكمها قواعد صارمة، جمعت بين جوانب أمان وأخرى مرهقة صنعت تجربتها اليومية، وهو ما يتسق مع وصف الحزاوي لهذا النمط من السكن بأنه الأكثر انتشارًا بين أنماط السكن الطلابي، بسبب انخفاض تكلفته مقارنة بغيره، ما يجعله الخيار الأفضل لكثير من الأسر في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية وارتفاع تكاليف المعيشة، رغم أنه لا يخلو من مشكلات ضعف الخصوصية نتيجة تكدس أعداد كبيرة من الطلاب داخل الغرف، وافتقاره إلى بعض الخدمات ووسائل الرفاهية، فضلًا عن قيود تنظيمية صارمة قد يشعر بعض الطلاب بأنها تحد من حريتهم.

فانضباط المواعيد وإغلاق البوابات عند السابعة مساءً صيفًا والثامنة شتاءً مثّلا في نظر غيداء عامل أمان يحمي الطالبات من مخاطر الخارج، ومنحا الأهل قدرًا من الطمأنينة تفتقده طالبات السكن الخارجي.

غير أن الطعام لم يحقق المستوى نفسه من الرضا، فبعض الوجبات تُقدم بكميات قليلة جدًا، وأصناف مثل المكرونة لم تكن جيدة الطهي، مع غياب اللحوم لفترات طويلة بعد بداية العام الدراسي، فيما اقتصرت وجبتا الإفطار والعشاء غالبًا على البيض والجبن والحلاوة كل ليلة، والفول مرة كل شهر، من دون عناصر غذائية أخرى كالعصائر أو الألبان.

وامتدت المشكلات إلى بنية المبنى وأعمال الصيانة، فإدارة المدينة الجامعية -كما تصفها غيداء- تستجيب في أغلب الأحيان للأعطال، وتوفر فنيين لإصلاح ما يتلف داخل السكن، ما يعكس عدم وجود إهمال كامل من جانبها، لكن جودة بعض أعمال الصيانة كانت دون المطلوب، خاصة فيما يتعلق بالأدوات الصحية مثل الدش، حيث كانت تُستخدم أدوات أو قطع مستعملة في الإصلاح، فتتكرر الأعطال بعد فترة قصيرة.

وتضيف أن مبنى السكن يعاني من مشكلات واضحة في بنيته التحتية، من شقوق وآثار صدأ وجير منتشرة في أماكن عديدة، إلى جانب انتشار الحشرات والصراصير بصورة كبيرة خلال الصيف، ما كان يسبب إزعاجًا مستمرًا للطالبات.

أما المشكلات الإدارية والإنسانية، فأبرزها غياب التمريض في أغلب الأوقات رغم الحاجة إليه داخل المدينة، إلى جانب قسوة أسلوب بعض المشرفات في التعامل أحيانًا، خاصة في المواقف البسيطة أو الخلافات العادية، وإن كانت غيداء لا تنكر وجود مشرفات أخريات اتسمن بالهدوء والالتزام وحرصن على معاملة الطالبات بشكل جيد والحفاظ عليهن.

السكن الخارجي وميزة الانفتاح الرقمي

وعلى النقيض من تجربة غيداء داخل أسوار المدينة، تقف مريم أحمد، ابنة محافظة المنوفية التي جاءت للدراسة في القاهرة، ورأت في المدينة الجامعية عائقًا أمام تطورها الشخصي والأكاديمي، فاختارت السكن الخارجي، الحل الذي تصفه الحزاوي بأنه ملاذ يلجأ إليه الطلاب لتقسيم النفقات، وإن كان قد اصطدم بالارتفاع الكبير في أسعار الإيجارات، ما دفع كثيرًا منهم إلى السكن في مناطق بعيدة عن الجامعة هربًا من غلاء الشقق القريبة، وهو ما يزيد معاناتهم بسبب طول المسافات وتكاليف المواصلات.

ودفعت مريم 1050 جنيهًا شهريًا مقابل سرير داخل غرفة تضم 8 فتيات، بحثًا عن مساحة أكبر من الحرية، فلا قيود تمنعها من السفر لأهلها أو إجبار على تناول طعام مفروض عليها.

وحسمت اختيارها ميزة أخرى هي الإنترنت، ففي زمن المحاضرات والتدريبات أونلاين، يمثل غياب الشبكة عن المدن الجامعية عزلة رقمية تعرقل مواكبة الطلاب لدراستهم. غير أن هذه الحرية الرقمية والخدمية، كما تقر مريم، تأتي من دون غطاء قانوني يحميها، إذ تدار الأمور بشكل ودي من دون عقود رسمية، وهو ما قد يفتح أحيانًا الباب لانتهاكات الخصوصية من جانب السماسرة، فضلًا عن أن السكن رغم نظافته الأكبر يحتاج مصاريف كثيرة للأكل والشرب والمعيشة، والغربة في حد ذاتها تمثل أزمة، خاصة إذا كان السكن مع أشخاص غير مهذبين.

وتصف مريم علاقة السماسرة بالطلاب بأنها استغلال يصل أحيانًا إلى القسوة، فالسمسارة إذا كانت امرأة قد تدخل على البنات أحيانًا من دون استئذان، منتهكة خصوصيتهن. وهذا الغياب التنظيمي الذي تعيشه مريم في تجربتها اليومية، تؤكده أيضًا دراسة "الأسس التخطيطية للمدن الجامعية للإسكان الجامعي"، إذ تشير إلى أن البحث في مجال الأبنية الجامعية والإسكان الجامعي كشف عن غياب دراسات وبحوث متخصصة بالأسس التخطيطية للمدن الجامعية، خصوصًا في مصر، حيث لا يوجد كود يشمل هذه الأسس ليتبعه مصمم الإسكان الجامعي، وهو ما يؤثر بحسب الدراسة على المستوى الدراسي للطلاب.

لا فرق بين ذكر وأنثى.. المعاناة واحدة

وكما تواجه الفتيات خداع الصور وقيود المدينة، يجد الشباب أنفسهم أمام تفاصيل أخرى من الحياة القاسية التي تحول الطموح الأكاديمي إلى معركة يومية، ومنهم أحمد واصل، طالب الطب المغترب من أسيوط إلى السويس، الذي يبحث عن ساعة واحدة من التركيز وسط ضجيج غرفة تضم 8 طلاب في المدينة الجامعية، فيومه بأكمله -كما يصفه- "عبارة عن مذاكرة ومحاضرات"، لكن المدينة حولت حياته إلى "خناقة يومية" من أجل تلك الساعة الوحيدة.

فالمشكلة داخل الغرفة المزدحمة ليست في العدد وحده، بل في غياب أي قانون ينظم المكان، فبينما يحتاج أحمد إلى القراءة بتركيز، يجد زميله مشغلًا فيديو بصوت عالٍ، وآخر يتحدث على الموبايل مع أهله ويضحك، وهذا بالضبط ما يشير إليه الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية بجامعة القاهرة، حين يوضح أن غياب الرقابة والإرشاد النفسي داخل الغرف المكدسة يدفع الحياة المشتركة إلى مسارات سلبية، منها تبني سلوكيات خطرة كالتعاطي أو التدخين تحت تأثير ضغط الرفاق، إلى جانب صراعات يومية حول الخصوصية والنظافة، تخلق بيئة مشبعة بالمشاحنات بدلًا من التعاون.

حاول أحمد البحث عن مكان بديل، فجلس في أحد المقاهي، لكنه سرعان ما عاد إلى السكن بعدما وجد تكلفة الساعتين أكبر من قدرته، لتصبح مذاكرته لا تبدأ إلا عند الثالثة فجرًا حين ينام الجميع، بعدما يكون قد استنزف طاقته في المحايلة والزعل مع زملائه، حتى بات يشعر بصداع نصفي بمجرد فتح الكتاب من فرط الضوضاء المتداخلة.

وكما يلخص تجربته، قائلًا "إحنا كطلبة بنتبهدل، إنت وحظك مع زمايلك في الأوضة"، فالغربة بالنسبة له ليست بعدًا عن الأهل فحسب، بل عجزه عن إيجاد ركن هادئ في مكان يدفع فيه المال من أجل أن ينجح ويتخرج.

أما في الإسكندرية، فتأخذ المعاناة شكلًا آخر مع إسلام علي، القادم من سوهاج، الذي يعمل في مقهى 8 ساعات يوميًا بعد الجامعة ليتمكن من سداد إيجار سكنه ومصاريفه، فالسكن بالنسبة له "مجرد سرير" يتقاسمه مع خمسة شباب آخرين بنظام الورديات، إذ يعود فجرًا من عمله ليأخذ مكان زميله الذي يستيقظ لملاقاة محاضرته الصباحية. وهذا الاضطرار إلى العمل لساعات طويلة على حساب الدراسة هو ما يصفه حجازي بالتأثير الدرامي للأزمات الاقتصادية على الطلاب، إذ يضطر كثيرون إلى ترك شغفهم العلمي والعمل لتغطية تكاليف السكن، ما يؤدي إلى تدهور الصحة البدنية بسبب سوء التغذية، وقد يصل الأمر إلى الانقطاع النهائي عن التعليم لدى الأسر محدودة الدخل.

ولم تتوقف الصعوبات عند شكل الإقامة، فقد تحولت العلاقة مع السماسرة إلى مخاطرة قد تنتهي بفقدان السكن نفسه، فمرة استأجرت له سمسارة شقة وأخذت تأمين شهرين، لتفاجئه بعد أسبوعين بصاحب الشقة الحقيقي يخبره أنه لا علم له بالأمر، وأن السمسارة استأجرت الشقة مفروشة وأعادت تأجيرها من دون علمه، فوجد نفسه وزملاءه في الشارع بحقائبهم عند الواحدة صباحًا. وبالكاد وجدوا سكنًا جديدًا، لكن صاحبه بات يرفع الإيجار 100 جنيه كل شهر بحجة غلاء الأسعار، ويرد على أي اعتراض بأن "عندي 100 غيركم مستنيين".

وهذا النمط المتكرر من عدم استقرار السكن، بين خطر الإخلاء المفاجئ وتغييره باستمرار وسوء العلاقة مع الملاك أو زملاء السكن، هو تحديدًا ما يحذر منه حجازي حين يصف الغربة بأنها تجربة قاسية نفسيًا خصوصًا للطلاب القادمين من صعيد أو ريف مصر، إذ تؤدي إلى إجهاد مزمن قد يتسبب في أعراض اكتئابية حادة، وقلق دائم، واضطرابات نوم، ونقص حاد في التركيز، مما يؤثر على التحصيل الدراسي، إضافة إلى الشعور بالعزلة الاجتماعية، ليصبح الطالب في حالة صراع دائم للبقاء بدلًا من التركيز على التعلم والإبداع.

وتدعم دراسة بعنوان "الاغتراب الاجتماعي وعلاقته بمستوى الطموح لطلاب المدن الجامعية" هذا الجانب من التجربة، إذ تشير إلى علاقة ارتباطية سلبية دالة إحصائيًا بين الاغتراب الاجتماعي ومستوى طموح الطلاب، فكلما تعمق شعور الطالب بالاغتراب والضغوط داخل سكنه، تراجع مستوى طموحه الأكاديمي والمهني وشغفه بالمستقبل.

ولم يبقَ حديث الطلاب عن "انعدام الأمان" في حدود الهواجس النفسية، فقد تجسد في واقعة هزت أروقة جامعة الأزهر بمدينة نصر، حين سقط الطالب المغترب محمد عادل، المقيد بكلية التربية، جثة هامدة بجوار صندوق قمامة إثر طعنات نافذة في الرقبة والصدر، قبل أن تكشف تحقيقات النيابة العامة أن خلافًا نشب بين الضحية والمتهمين في محيط سكنه، تطور إلى مشاجرة أسفرت عن مقتله في الحال على رصيف الغربة، لتقرر جهات التحقيق حبس المتهمين على ذمة القضية.

بيئة لطرد الإبداع

وأمام هذا التراكم من الشهادات، يرى حجازي أن الواقع الحالي لسكن الطلاب يمثل تحديًا يمس جوهر العملية التعليمية والصحة النفسية للطالب المصري، فالسكن الطلابي بشقيه الحكومي والخاص بعيد عن توفير بيئة محفزة للتعلم، وقد يتحول إلى بيئة طاردة للنمو النفسي بدلًا من أن يكون سندًا له.

ومن هذه الصورة، يقترح حجازي خطة إنقاذ تتجاوز مجرد الصيانة، تبدأ بتصنيف السكن الخاص من خلال وضع تراخيص تشترط معايير السلامة، وتصنيف السكن بنظام النجوم، وإنشاء وحدات للدعم النفسي وخطوط ساخنة داخل المدن الطلابية لامتصاص طاقات الطلاب، إلى جانب تطبيق أنظمة إلكترونية للحجز لضمان الشفافية ومضاعفة الطاقة الاستيعابية.

وحتى يُطبق هذا، تظل حكايات يسر وجنة وغيداء ومريم وأحمد وإسلام المعلقة بين جدران الغربة، شواهد يومية على أن السكن، هذا الحق الذي يبدو بسيطًا، ما زال بعيد المنال لآلاف الطلاب في مدن مصر المختلفة. فبينما تنتظر أسر بأكملها أن يعود أبناؤها من الغربة بشهادة تفتح لهم بابًا نحو المستقبل، تبقى الغرفة والسرير والحائط، عبئًا إضافيًا يُثقل كاهل رحلتهم نحو التخرج، ما لم تتحول مقترحات من نوع ما طرحه حجازي إلى واقع ملموس يخفف عنهم مضاعفة غربتهم عن الوطن بغربة أخرى داخل جدران السكن نفسه.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة