قبل إنفاق 5 مليارات دولار.. ماذا كسب المواطن من "جيبتو فارما"؟

أعلن رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، في 5 أغسطس الجاري، توجه الحكومة إلى إنشاء مدينتين طبيتين جديدتين في العاصمة الإدارية الجديدة ومدينة العلمين الجديدة، باستثمارات أجنبية مباشرة تتجاوز 5 مليارات دولار، بواقع نحو 2.8 مليار دولار للمدينة الأولى و2.5 مليار دولار للثانية.

ويفتح الإعلان ملفًا أوسع من تفاصيل المدينتين ومكوناتهما والاستثمارات المقرر ضخها فيهما. فقبل المضي في مشروعات طبية جديدة بهذه القيمة، تبرز تجربة قائمة تستحق التقييم، هي مدينة "جيبتو فارما" في الخانكة، التي بدأت العمل في 2021 باستثمارات لم يُكشف عنها حتى الآن، وأهداف معلنة تشمل توطين صناعة الدواء، وزيادة الإنتاج المحلي، وتوفير المستحضرات بأسعار مناسبة، وتعزيز الأمن الدوائي.

ومن هنا يبرز السؤال الأهم، ماذا حققت التجربة السابقة حتى الآن؟

جولة في سوق الدواء المصري

يُعد سوق الدواء المصري من أكبر الأسواق في المنطقة، وقد شهد خلال السنوات الأخيرة تغيرًا ملحوظًا في حجم التداول وقيمة المبيعات وعدد المستحضرات المتاحة. وبحسب أحدث بيانات هيئة الدواء المصرية بلغ حجمه في 2025 نحو 4 مليارات عبوة بقيمة 422 مليار جنيه، مقابل 307 مليارات جنيه في 2024.

وتشير هذه الأرقام إلى سوق يمتلك قاعدة إنتاج وتداول كبيرة، ويواصل التوسع في القيمة وحجم العبوات المتداولة، ولم تبدأ قصة نموه مع إنشاء "جيبتو فارما"، كما أن وجود المدينة لم يكن العامل الوحيد المحدد لمسار السوق.

جدول نمو سوق الدواء المصري 2023 ـ 2025
المؤشر 2023 2024 2025
قيمة سوق الدواء 216 مليار جنيه 307 مليارات جنيه 422 مليار جنيه
عدد العبوات المتداولة 3.7 مليار عبوة 3.5 مليار عبوة 4 مليارات عبوة
التغير في قيمة السوق +4.21% +37.5%
المصدر: الباحث اعتمادًا على بيانات هيئة الدواء المصرية.

وهكذا تبدو صورة السوق حتى نهاية 2025 واضحة، فهو سوق كبير ومتنامٍ من حيث القيمة وحجم التداول وعدد المستحضرات. وفي المقابل، لم يخلُ مساره من أزمات، إذ واجه خلال 2024 نقصًا في توافر بعض المستحضرات نتيجة شح العملة الأجنبية وصعوبة توفير المواد الخام.

وأقرت هيئة الدواء المصرية في بداية 2025 بهذه الأزمة، وقالت إن العام السابق شهد نقصًا في عدد من المستحضرات، وإن الدولة تمكنت من معالجة ما بين 97% و98% من النواقص.

جيبتو فارما داخل السوق

قدمت الدولة مشروع "جيبتو فارما" بمدينة الخانكة الدوائية، باعتباره أحد المشروعات التي تستهدف زيادة القدرة الإنتاجية المحلية، وتوفير دواء آمن وعالي الجودة، والمساهمة في الحد من الممارسات الاحتكارية، وضبط أسعار الدواء. وكانت الطاقة الإنتاجية المعلنة للمدينة عند افتتاحها نحو 150 مليون عبوة سنويًا.

وعند مقارنة هذه الطاقة بحجم السوق، يتضح منذ البداية أن "جيبتو فارما" لا تمثل الجزء الأكبر من سوق الدواء المصري. فإذا كانت الطاقة المعلنة 150 مليون عبوة سنويًا، في مقابل سوق وصل إلى نحو 4 مليارات عبوة في 2025، فإن الطاقة النظرية للمدينة تعادل نحو 3.75% من إجمالي السوق.

وتشير بيانات رسمية إلى أن المدينة أنتجت 26 مليون عبوة خلال 2023، وكانت تستهدف الوصول إلى 60 مليون عبوة في 2024. وبمقارنة إنتاجها في 2023 بحجم السوق خلال العام نفسه، يصبح إنتاج المدينة في حدود 0.7% من إجمالي العبوات المتداولة.

أما أحدث البيانات المنشورة عن مبيعاتها فتقدم مؤشرًا إضافيًا إلى موقعها داخل السوق، إذ بلغت المبيعات في النصف الأول من 2025 نحو 183.4 مليون جنيه، بحصة سوقية قدرها 0.13%، وفق بيانات سوقية نقلها موقع سوق الدواء عن مصادر دوائية مطلعة.

المؤشر حجم الإنتاج
الطاقة الإنتاجية المعلنة عند افتتاح جيبتو فارما 150 مليون عبوة سنويًا
إنتاج جيبتو فارما في 2023 26 مليون عبوة
مستهدف الإنتاج في 2024 60 مليون عبوة
حجم سوق الدواء في 2025 نحو 4 مليارات عبوة
الطاقة التصميمية للمدينة كنسبة من سوق 2025 نحو 3.75%
مبيعات النصف الأول من 2025 183.4 مليون جنيه
الحصة السوقية بالمبيعات في النصف الأول من 2025 0.13%
المصدر: الباحث بناءً على بيانات هيئة الدواء وتصريحات رسمية.

وتضع هذه الأرقام "جيبتو فارما" في حجمها الفعلي داخل السوق. فالمدينة تمثل مشروعًا دوائيًا حكوميًا كبيرًا، وتمتلك طاقة إنتاجية قابلة للتوسع، غير أن البيانات المتاحة لا تدعم القول إنها أصبحت لاعبًا مهيمنًا أو تملك حصة مؤثرة في حركة السوق.

أسعار الدواء ارتفعت والمواطن دفع الفاتورة

شهدت السنوات السابقة عمليات متكررة لإعادة تسعير الأدوية، وكان عام 2024 الأبرز من حيث نطاق هذه التحركات. ووفق البيانات التي أعلنتها هيئة الدواء في ذلك الوقت، شملت العمليات إعادة التسعير نحو 3000 مستحضر، في خطوة ارتبطت بمحاولات إعادة الشركات إلى الإنتاج بعد ارتفاع تكاليف الخامات ومدخلات التصنيع.

ومع ذلك، ظل المستهلك أمام معادلة صعبة، فسوق الدواء يوفر نسبة كبيرة من احتياجاته محليًا من حيث عدد العبوات، بينما ارتفعت تكلفة الدواء عليه مع صعود تكاليف الإنتاج.

جدول تطور تحريك أسعار الدواء في مصر
السنة ما حدث في الأسعار حجم الزيادة أو عدد الأصناف الدلالة بالنسبة للمواطن
2021 بداية تشغيل جيبتو فارما انطلاق تجربة مدينة دوائية استهدفت، ضمن أهدافها المعلنة، المساهمة في ضبط أسعار الدواء
2022 موافقات متتالية على تحريك أسعار عدد من المستحضرات زيادات وصلت إلى 25% في بعض المستحضرات، وفي إحدى موجات التحريك وافقت الهيئة على زيادة نحو 40 صنفًا خلال أسبوع بنسب تراوحت بين 20% و30% بدأت الأسعار في التحرك صعودًا بعد أقل من عام ونصف على تشغيل المدينة
2022 موجات أخرى من إعادة التسعير زيادات تراوحت في بعض الأصناف بين 15% و30% استمرار تحريك الأسعار خلال العام
2023 استمرار نظام تحريك الأسعار وفق طلب الشركات ودراسة كل مستحضر على حدة لا توجد نسبة سنوية موحدة من الهيئة يمكن نسبتها إلى السوق بالكامل استمرار العمل بمنظومة التسعير الفردي
2024 موجة إعادة تسعير واسعة بعد تحرير سعر الصرف في مارس خطة شملت نحو 3000 صنف تمثل نحو 90% من حجم التداول، وفق تصريحات رئيس مجلس الوزراء واحدة من أكبر موجات تحريك الأسعار منذ بدء تشغيل جيبتو فارما، وارتبطت بأزمة نقص الدواء وارتفاع تكلفة الخامات
2024 الزيادات الفعلية في بعض المستحضرات أمثلة وصلت إلى 45% و57% و63% في أصناف رصدتها الصحافة استنادًا إلى قوائم التسعير الزيادة لم تكن موحدة واختلفت من مستحضر إلى آخر
2025 استمرار انعكاس زيادات 2024 على التشغيلات الجديدة طلب نحو 100 شركة زيادة أسعار نحو 500 صنف في سبتمبر بنسب وصلت إلى 30%، وفق مصادر في القطاع، ثم رفضت الهيئة هذه الطلبات بحسب ما نقلته «الشروق» لم تعد المشكلة مرتبطة بموجة واحدة، واستمر ضغط التكلفة على الشركات مع بقاء أزمة بعض النواقص
2025 أثر زيادات 2024 على السوق قال رئيس غرفة صناعة الدواء إن أسعار الأدوية ارتفعت في 2024 بنحو 65% نتيجة ارتفاع الدولار من 31 إلى 50 جنيهًا الرقم يعكس تصريحًا لرئيس الغرفة، وليس متوسطًا رسميًا منشورًا من هيئة الدواء
2026 اتجاه إلى آلية تسعير أكثر مرونة مقترح ربط التحريك بعوامل اقتصادية، مثل سعر الصرف والتضخم، وفق ما نشرته مصادر صحفية تغير في طريقة إدارة السعر، وليس دليلًا على انخفاض الأسعار
المصدر: الباحث بناءً على بيانات هيئة الدواء المصرية وتصريحات رسمية.

في النهاية

لا تكمن المسألة وحدها في إنشاء مدن دوائية جديدة، وإنما في معرفة ما إذا كانت التجربة السابقة حققت النتائج التي انتظرها المواطن. فالمعيار الأهم بالنسبة إليه أن يجد الدواء حين يحتاجه، وأن يكون قادرًا على شرائه بسعر يمكنه تحمله.

ومن هذا المنطلق، ينبغي أن تخضع تجربة "جيبتو فارما" لتقييم معلن قبل الانتقال إلى مشروعات جديدة، مع دراسة جدوى واضحة تحدد ما حققته وما لم تحققه، وما إذا كان السوق يحتاج فعلًا إلى هذه الاستثمارات، أم أن جذور المشكلة ترتبط بآليات التسعير والتوزيع وإدارة السوق.

وقبل بناء مدينتين جديدتين، تبقى هناك حاجة إلى إجابة واضحة عن سؤال واحد، ماذا تغير للمواطن بعد "جيبتو فارما"؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة