حصلت "فكر تاني" على تحقيقات قضية اتهام 9 مراهقين، تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عامًا وقت القبض عليهم، بتشكيل تنظيم إرهابي، فيما بات يُعرف إعلاميًا بقضية "خلية 3 إعدادي".
ويكشف أمر الإحالة في القضية رقم 7718 لسنة 2025 جنايات المطرية، والمقيدة برقم 1127 لسنة 2025 حصر أمن الدولة العليا، إحالة المراهقين إلى محكمة جنايات أمن الدولة العليا (دوائر الإرهاب)، بتهم تأسيس والانضمام لخلية إرهابية تابعة لتنظيم "داعش"، وهي القضية التي تأجلت لجلسة 16 نوفمبر المقبل، لمناقشة شهود الإثبات فيها.
وتنطوي أوراق القضية على اتهامات قاسية توجه لمراهقين يُفترض خضوعهم لقانون الطفل، إذ يُنسب إليهم تأسيس تنظيم إرهابي كامل الأركان، يمتلك هيكلًا تنظيميًا عنقوديًا، وخطة عمل، وخلايا إلكترونية مشفرة، ومخططات لاستهداف دور عبادة مسيحية وضباط شرطة، فضلًا عن محاولات لتصنيع مواد مفرقعة داخل منازل أسرية عادية، لا يجمع بين أفرادها سوى تطبيقات الهواتف الذكية، ويقود هذا التنظيم "العنقودي" طالب في الصف الثالث الإعدادي.
وحسب أوراق القضية، يُنسب لهذا الطالب تشكيل الخلية الإرهابية، وتجنيد أفرادها، وإقناعهم بالأفكار الإرهابية، والتخطيط لتنفيذ أعمال إرهابية. وبحسب أمر الإحالة وقائمة أدلة الإثبات الصادرة عن النيابة، تبلغ أعمار أغلب المتهمين في القضية ما بين 15 و17 عامًا وقت ارتكاب الوقائع المنسوبة إليهم، في الفترة من عام 2024 وحتى فبراير 2025.
وتُظهر أوراق القضية أن النيابة العامة أمرت بإحالة المتهمين التسعة إلى محكمة جنايات الإرهاب، مع استمرار حبسهم، وضبط طالب متهم واحد هارب. وبقراءة أعمار المتهمين وقت القبض عليهم، جاءت كالتالي: المتهم الأول، وهو المؤسس الرئيسي للخلية الإرهابية، 17 عامًا، طالب بالصف الثالث الإعدادي. المتهم الثاني، شقيق المتهم الأول، 15 عامًا، طالب. المتهم الثالث، ذو الاسم الحركي "نصر" أو "بطار"، 18 عامًا، طالب. المتهم الرابع، 19 عامًا، طالب. المتهم الخامس، 16 عامًا، طالب سوداني الجنسية. المتهم السادس، الملقب بـ"أبو مصعب المصري"، 19 عامًا، طالب. المتهم السابع، 19 عامًا، طالب سوري الجنسية. المتهم الثامن، 16 عامًا، طالب. المتهم التاسع، 16 عامًا، طالب.
وعلى الرغم من إشارة النيابة إلى أعمار المتهمين في أمر الإحالة، الذي نص على أن "المتهمين الأول والثاني والثالث والخامس والثامن والتاسع تجاوزوا الخامسة عشرة عامًا ولم يجاوزوا الثامنة عشرة عامًا وقت ارتكاب الواقعة"، وهو ما يستوجب قانونًا إحالتهم إلى محكمة الطفل، خصوصًا أن التهم لم يكن لها وقوع مادي على أرض الواقع، فإن تكييف الاتهامات الموجهة إليهم استند إلى قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015، فأُحيلوا إلى محاكم الجنايات (دوائر الإرهاب)، بدلًا من محاكم الطفل المختصة، والقائمة على فلسفة الإصلاح والتأهيل قبل العقاب.
من التكفير إلى تصنيع المفرقعات
تضمنت لائحة الاتهامات الواردة في أمر الإحالة، خلال الفترة من عام 2024 وحتى 26 فبراير 2025، "اتهامات منسوبة لنشاط المتهمين. فبالنسبة للمتهم الأول، البالغ 17 عامًا، وُجهت له تهمة تأسيس وتولي قيادة في جماعة إرهابية، الغرض منها الدعوة إلى تعطيل أحكام الدستور والقوانين، ومنع مؤسسات الدولة والسلطات العامة من ممارسة أعمالها، والاعتداء على الحرية الشخصية للمواطنين والحريات والحقوق العامة، والإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي، وذلك بأن أسس خلية تولى قيادتها بالجماعة المسماة "داعش"، التي تدعو لتكفير الحاكم وشرعية الخروج عليه، وتغيير نظام الحكم بالقوة، والاعتداء على أفراد القوات المسلحة والشرطة ومؤسساتهم، واستباحة دماء المسيحيين واستحلال أموالهم وممتلكاتهم ودور عبادتهم، واستهداف المنشآت العامة".
كما وُجهت له تهمة "حيازة أدوات تُستخدم في صنع المفرقعات، بأن حاز وأحرز مادة "بيروكسيد الهيدروجين"، وخليطًا من مجموعة من المذيبات العضوية المعروفة تجاريًا باسم "التنر"، إضافة إلى مجموعة مسامير معدنية مقطعة أجزاء صغيرة، وكذا شرائح وصواميل معدنية، يمكن استخدامها كشظايا في حالة إعداد عبوات مفرقعة". واتُّهم كذلك بـ"التخطيط والإعداد لعمل إرهابي، بأن قام بأعمال إعداد وتحضير لارتكاب جريمة إرهابية، إذ اضطلع برصد "دير بنات مريم" لتنفيذ عملية إرهابية"، لكن عمله لم يتعدَّ حيز الإعداد والتحضير.
أما المتهمون من الثاني حتى التاسع، فوُجهت إليهم اتهامات بـ"أن انضموا إلى الجماعة التي أسسها المتهم الأول، مع علمهم بأغراضها". ووُجهت للمتهمين جميعًا تهمة "ارتكاب جرائم تمويل الإرهاب، بأن جمعوا وتلقوا وحازوا وأمدوا ووفروا ونقلوا أموالًا وبيانات ومعلومات للجماعة وأعضاء بها، بقصد استخدامها في ارتكاب جرائم إرهابية".
كيف تشكلت الخلية الإرهابية
تقول أوراق التحقيقات إن التعارف بين المتهمين واستقطابهم لم يقع على أرض الواقع، فلا توجد جماعة إرهابية دربتهم في صحراء دولة معادية، أو تعارفوا داخل السجون لتلقي الأفكار والاتفاقات، وإنما جرى التعارف عبر "منصات وتطبيقات الألعاب الإلكترونية وتطبيقات المحادثات المشفرة". إذ "استغل الكوادر ومسؤولو الحسابات الوهمية بالخارج، مثل حسابات "أبو فاروق اليمني" و"أبو خطاب"، شغف الأطفال بألعاب الفيديو عبر منصة Discord"، وهي منصة مخصصة أصلًا للمحادثات الصوتية والتفاعل في أثناء اللعب، تقول لائحة الاتهام إنها تستخدم "لفتح نقاشات واستدراج الأطفال تحت شعارات حماسية وعاطفية، يستغلون فيها اندفاع الشباب تجاه قضايا المنطقة، مثل الأحداث في فلسطين وغزة".
وقد تدرَّج الاستقطاب "من تطبيقات الميديا الحديثة، مثل TikTok وInstagram، إلى تطبيقات مراسلة مشفرة، مثل Session وJami وTelegram"، وحسب أمر الإحالة، وُعد الطلاب في هذه الغرف الافتراضية بأوهام "البطولة والتأثير، حيث غُذيت عقولهم بإصدارات مرئية وكتيبات أُخرجت من سياقها الفقهي لتعبئتهم عاطفيًا".
أدلة الإثبات.. تحريات أمنية
تضمنت قائمة أدلة الإثبات في القضية شهادة ضابط بقطاع الأمن الوطني، وهو الشاهد الأول، الذي ذكرت تحرياته "كيفية نشأة هذه الخلية العنقودية الطلابية وسقوطها". فقد أكد ورود معلومات إليه أكدتها التحريات، مفادها "قناعة المتهم الأول بالأفكار التكفيرية والجهادية، والمتمثلة في تكفير العاملين بالقوات المسلحة والشرطة واستهدافهم، وتكفير المسيحيين واستحلال ممتلكاتهم ودمائهم ودور عبادتهم، واستهداف المنشآت العامة والحيوية، وخاصة التابعة للأجهزة الأمنية، وفرضية الجهاد بالداخل والخارج لإقامة "الخلافة الإسلامية"، باستخدام العنف وتعطيل العمل بالدستور وزعزعة الأمن والاستقرار، وصولًا لإسقاط الدولة".
وأضاف الشاهد أن المتهم "تمكن من تكوين خلية عنقودية، وتولى الطالب الإعدادي مسؤوليتها، لتحمل تلك الأفكار وتستهدف تنفيذ مخططاتهم، وضمت كلًا من المتهمين بقية الطلاب الثمانية". وأردف بأنه "تبين اضطلاع المتهم الأول بإعداد برنامج لإعداد المتهمين سالفي الذكر فكريًا وعسكريًا للقيام بأعمال عدائية ضد مؤسسات الدولة، تضمن عقد لقاءات تنظيمية وتثقيفية لهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي وشبكة المعلومات الدولية، واستخدام برامج المحادثات المشفرة عبر الهواتف الذكية، كتطبيق "التليجرام" وغيره، تجنبًا للرصد الأمني، ومدارسة الأفكار المتطرفة والمعادية لمؤسسات الدولة، وإمدادهم ببعض الإصدارات المرئية والمسموعة والمقروءة، والروابط الخاصة بالمواقع الجهادية عبر شبكة الإنترنت الداعمة لتلك الأفكار، والمؤكدة على فرضية الجهاد ضد السلطة الحاكمة باعتبارها فاقدة للشرعية، وكذا فرضية المشاركة بحقول الجهاد بالخارج، ووجوب القيام بعمليات عدائية ضد نظام الحكم الحالي لإسقاطه وإقامة الخلافة".
وتابع أنه في إطار إعدادهم فكريًا، "أنشأ المتهم الأول مجموعة إلكترونية عبر تطبيق "سيشن" Session، ضمت عناصر خليته، لتبادل الإصدارات الجهادية والتواصل فيما بينهم بطريقة مؤمنة، وعقد لقاءات تنظيمية لهم عبرها، أمدهم خلالها بالأفكار الجهادية المتطرفة والمعادية لمؤسسات الدولة والمطبوعات والإصدارات، وفي إطار إعداد عناصر خليته عسكريًا، كلفهم بمطالعة المواقع الجهادية للوقوف على طرق تصنيع المفرقعات، وكلفهم بالسفر لأي من حقول الجهاد بالخارج، للانضمام لصفوف الميليشيات المسلحة وتلقي تدريبات على حرب العصابات والمدن وطرق تصنيع المفرقعات والمشاركة بأعمال القتال، وكلفهم برصد بعض المنشآت الشرطية والعسكرية والارتكازات الأمنية، وضباط وأفراد القوات المسلحة والشرطة، وأبناء الطائفة المسيحية ودور عبادتهم، لاستهدافها بعمليات إرهابية. وبتنفيذهم تلك التكليفات، تمكنوا من إعداد بنك للأهداف المرصودة، عُرف منها إحدى دور العبادة المسيحية في نطاق دائرة قسم المطرية بمحافظة القاهرة (دير بنات مريم)".
واستطرد الشاهد أنه "بتكليف من المتهم الأول، اضطلع شقيقه المتهم الثاني بشراء مواد كيميائية ودوائر كهربائية، وتنفيذًا لتلك التكليفات، تمكنا من تصنيع عبوات متفجرة". واختتم شهادته بأنه "نفاذًا لإذن النيابة العامة، تمكن بتاريخ 2 مارس 2025 من ضبط المتهم الأول، وبحوزته المواد المستخدمة في تصنيع العبوات المتفجرة، وعلم لتنظيم "داعش"".
الاعترافات المنسوبة للطلاب
تضمنت أوراق القضية اعترافات منسوبة إلى الطلاب المتهمين، أُسند إليهم فيها تفاصيل سلوكية وعقلية لا تتوافق وطلاب في سن المراهقة المبكرة.
فقد قال الطالب المتهم الأول بـ"اقتناعه بأفكار تنظيم "داعش"، القائمة على تكفير الحاكم وضباط وأفراد القوات المسلحة والشرطة والمسيحيين، ووجوب قتالهم واستهدافهم بعمليات عدائية بدعوى عدم تطبيقهم للشريعة، وأنه اعتنق هذا الفكر بعدما طالع العديد من إصدارات التنظيم، وتواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع أعضاء عرف منهم المكنى "أبو فاروق اليمني".
وأضاف أنه "أسس مجموعة على تطبيق "جيم" Jami سماها "باقية بإذن الله""، ضمت المتهم الثاني، شقيقه، والمتهم الثامن، والمتهم التاسع، لتداول إصدارات التنظيم وأفكاره، واضطلاعه بـ"رصد "دير بنات مريم" بالمطرية لتنفيذ عملية إرهابية، وتصنيعه عبوة مفرقعة". وأكمل بأنه "أمدَّ شقيقه الثاني بالأموال لشراء المواد الخام، فتمكنا من تصنيع عبوة متفجرة بدائية، وصنع علم لداعش"، وأنه بسبب "اقتناعه بتكفير المسيحيين، اضطلع برصد "دير بنات مريم" لتنفيذ عملية عدائية، وتوجه صوب الموقع، ووقف على تحديد مداخله ومخارجه وقوة التأمين"، لكن ضبطه حال دون التنفيذ.
وقال المتهم الثاني باقتناعه أيضًا بـ"أفكار تنظيم "داعش" التكفيرية، وأنه خلال عام 2024، وقف على اقتناع شقيقه المتهم الأول بأفكار التنظيم لمطالعته الإصدارات عبر تطبيق "تليجرام"، فاقتنع معه بدوره، واستخدم حسابه المسمى "أبو عمر الشهيد" عبر إنستجرام للانضمام لمجموعة مسماة "أجناد الخلافة" ضمت نحو 70 عضوًا، تداولوا الإصدارات والأفكار، واقتنع بفرضية الجهاد، وحدد دولة ليبيا لتنفيذ مخطط السفر"، لكن "عدم تقديم "البيعة" التنظيمية حال دون سفره".
وأضاف أنه "اطلع برفقة شقيقه على إصدارات كيفية تصنيع العبوات، واضطلع بشراء المواد الخام، وانتقل برفقة شقيقه لرصد دير المسيحيين بالمطرية، والتقط صورًا عبر هاتفه وعرضها على شقيقه، وشاركه في صنع علم التنظيم المتضمن الشعار، لاستخدامه كخلفية حال تصوير بيان تبني العملية الإرهابية".
وقال المتهم الثالث كذلك بـ"اقتناعه بأفكار داعش وتكفير الحاكم والشرطة والمسيحيين"، موضحًا أنه "خلال عام 2022، وكان عمره وقتها 15 عامًا، اضطلع بالبحث عن تنظيم "داعش" عبر شبكة المعلومات، فاستخدم حسابه الشخصي على إنستجرام لمتابعة الإصدارات، ثم تواصل إلكترونيًا مع مسؤول إحدى الحسابات، الذي ضمه لمجموعة "الأرشيف" على تليجرام، واطلع على إصدارات مثل "لهيب الحرب"". وتابع أنه "في عام 2024 تواصل مع المتهم الخامس، واقتنع بالجهاد، وتواصل مع المتهم الرابع، وتداولا رغبتهما في الالتحاق بالجهاد في الصومال ضد الجيش الصومالي، وتواصل مع المتهم الأول وشقيقه، واقترح عليهم تأسيس خلية تابعة لـ"ولاية سيناء"، وفي يناير 2025 أنشأ مجموعتين على "واتساب" و"سيشن" ضمت المتهمين للإعداد العسكري، واضطلع برصد ضابط شرطة بمنطقة العجوزة تمهيدًا لتنفيذ عملية عدائية".
وقال المتهم الرابع بـ"اقتناعه بالفكر التكفيري"، مبينًا أنه "إثر متابعته للأحداث الدائرة في دولة فلسطين خلال عام 2024 عبر إنستجرام، اطلع على صفحة مسماة "الموحدون" تتضمن إصدارات داعش، فلاقت قبولًا لديه، وتواصل بالمتهم الثالث، الذي ضمه لمجموعة "أنصار الخلافة" على تليجرام، حيث قدموا له التكليفات الشرعية والتأصيل التكفيري وكيفية استخدام السلاح وتفجير السيارات بالعبوات وحرب العصابات".
وقال المتهم الخامس إنه "على إثر متابعته لأحداث فلسطين عبر السوشيال ميديا، وقف على تبني داعش عملية إرهابية بمنطقة جنين، فبحث عبر إنستجرام وانضم لمجموعة "المناصرين" على تليجرام، واطلع على إصدارات وأفكار التنظيم المأخوذة من كتب حُرف تفسيرها، مثل "كتاب التوحيد" و"الأصول الثلاثة" و"القواعد الأربع" و"العقيدة الوسطية" و"الفتوى الحموية" و"الأربعين النووية"". وأضاف أنه "تواصل بالمتهم الثالث، ثم المتهم الأول، الذي أمده بالإصدارات الخاصة بتنظيم داعش عبر واتساب".
وقال المتهم السادس إنه "بدأ البحث عن داعش في 2023 عبر إنستجرام وقنوات تليجرام، مثل "إعلام" و"فهرس الأنصار" و"الرعود" و"عليك بهم" و"لهيب الحرب 1" و"سبيل الرشاد"". وأضاف أن تعمقه "زاد في 2024، فاستخدم تطبيقي "تيك توك" و"ديسكورد" Discord، وهو تطبيق شهير بين هواة الألعاب الإلكترونية ومصمم للمحادثات الصوتية في أثناء اللعب، للتواصل مع عناصر التنظيم وتداول مفاهيم التكفير والولاء والبراء وحكم الطاغوت". وأكمل بأنه "انضم لقنوات "أنصار بيت المقدس" و"صوارم التوحيد" و"الأرشيف الجامع"، وقرأ كتب التدريبات العسكرية وتصنيع العبوات، وتواصل مع عناصر بالخارج يكنون أبو معاوية ورامي وأبو حذيفة الشامي وأبو خالد الأمازيغي وبتار، واقتنع بالجهاد في غرب إفريقيا".
وقال المتهم السابع بـ"اقتناعه بفكر التنظيم إثر علاقة صداقة جمعته بالمتهم السادس، إذ أمده الأخير بالإصدارات عبر تليجرام حتى اقتنع بمنهجهم وفرضية الجهاد". وأضاف أن "المتهم السادس أنشأ مجموعة على إنستجرام ضمت السابع وأحد الكوادر التكفيرية بالخارج، الملقب بـ"أبو خطاب الشرعي"، للتنسيق لسفرهما للجهاد في غرب إفريقيا"، لكن حظر حساب مؤسسها حال دون التنفيذ.
خطة الدفاع أمام محكمة الإرهاب
ووصف مصدر بهيئة الدفاع عن الطلاب المتهمين أمر الإحالة وتحقيقات النيابة بأن "القضية تفتقر إلى المنطق الواقعي والتصور العقلاني السليم"، موضحًا أن هذا الأمر يمثل الركيزة الأساسية لخط الدفاع أمام المحكمة.
وأضاف في حديثه لـ"فكر تاني"، أنه "من غير المنطقي ولا المتصور عقلًا أو واقعًا أن يقود طالب في الصف الثالث الإعدادي، لا يتجاوز عمره 15 عامًا، تنظيمًا إرهابيًا أو خلية عنقودية بهذا الشكل المعقد. نحن أمام طفل مراهق في مرحلة التكوين الفكري والدراسي، وتحويله في التحريات إلى (قائد تنظيمي) يوجه تعليمات وتكليفات لغيره، ينم عن تحريات أمنية مكتبية تفتقر لأبسط قواعد المنطق الواقعي والإنساني".
وفند مصدر آخر من هيئة الدفاع عن المتهمين مصادر القضية، قائلًا إنها تفتقر إلى وجود أي دليل مادي قاطع على أرض الواقع، واستندت حصرًا إلى مجرد تحريات أمنية اعتمدت على تتبع دردشات وتدوينات افتراضية بين مراهقين عبر تطبيقات الألعاب للهواتف الذكية.
وأضاف، حسب الأوراق، أن "المتهمين لم يرتكبوا أية جريمة إرهابية على أرض الواقع، والمنسوب إليهم في الأوراق لا يتعدى الحديث عن التدبير والتخطيط الشفاهي دون وقوع أية جريمة مادية أو فعل تنفيذي واحد، فالتحدث في غرف الدردشة أو تبادل مقاطع الفيديو لا يشكل جريمة إرهابية مكتملة الأركان"، مشيرًا إلى انتفاء الركن المادي لجميع الجرائم الإرهابية المنسوبة للمتهمين، لانعدام الفعل التنفيذي، ولخلو الأوراق من ارتكاب المتهمين أي فعل إجرامي مادي على أرض الواقع، فلا وجود لأي تفجير أو تخريب أو شروع فيه، والأفعال المنسوبة، إن صحت، لا تتعدى حيز "التخطيط الشفاهي والحديث الافتراضي"، وهي من قبيل الأعمال غير المعاقب عليها طالما لم تقترن بشروع أو فعل تنفيذي. وفي هذا السياق، فإن المواد الكيميائية المضبوطة بحوزة المتهم الأول، مثل تركيز الهيدروجين أو التنر والمسامير والصواميل، هي أدوات منزلية وتجارية تُباع بشكل مباح وعام في الأسواق، وهي بحالتها المادية الفردية لا تشكل مادة مفرقعة قانونًا، ولم يثبت إعدادها أو خلطها فعليًا لصنع عبوة مفرقعة قابلة للانفجار.
وأضاف المصدر أن هيئة الدفاع تتمسك بدفع جوهري يمس النظام العام وقواعد الاختصاص القضائي، قائلًا "سنؤكد أمام المحكمة على الدفع بعدم الاختصاص الولائي النوعي لمحاكم الجنايات (دوائر الإرهاب)، ووجوب إحالة القضية ومحاكمة هؤلاء الطلاب أمام محكمة الطفل المختصة، اتساقًا مع فلسفة قانون الطفل والمواثيق الدولية التي ترعى حقوق صغار السن، وتهدف لإصلاحهم وتأهيلهم لا مصادرة مستقبلهم"، وذلك استنادًا لأحكام المادة 122 من قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996، المعدل بالقانون 126 لسنة 2008، التي تنص على أن "تختص محكمة الطفل دون غيرها بالنظر في أمر الطفل عند اتهامه في إحدى الجرائم أو تعرضه للانحراف، كما تختص بالفصل في الجرائم المنصوص عليها في المواد من 113 إلى 116 والمادة 119 من هذا القانون"، والمادتين 1 و3 من اتفاقية حقوق الطفل الدولية، وأن الولاية الأصيلة في محاكمة الأطفال، من لم يتجاوزوا 18 سنة وقت ارتكاب الجريمة، تنعقد لمحكمة الطفل صاحبة الاختصاص الحصري المترسخ في فلسفة التشريع، والتي تملك إعمال التدابير التربوية والبدائل التأهيلية دون محاكم الاستثناء أو الجنايات العادية.
كارثة تشريعية بدأت عام 2015
ويتفق المحامي الحقوقي ناصر أمين، مدير المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، مع ما ذهبت إليه هيئة الدفاع من عدم ولاية محكمة الجنايات على القضية، مؤكدًا في حديثه لـ"فكر تاني" أن إخضاع الأطفال لدوائر الجنايات والإرهاب يتناقض بوضوح تام مع الالتزامات والتعهدات الحقوقية التي قطعتها الدولة المصرية على نفسها في المحافل الدولية، قائلًا "هذا الوضع مخالف بشكل قاطع للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، ومخالف بشكل قاطع للاتفاقية الدولية لحماية حقوق الطفل، ولجميع الأعراف والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي وقعت عليها مصر".
ويقول أمين "نحن نجني ثمار كارثة تشريعية بدأت معنا في عام 2015 بإصدار قانون مكافحة الإرهاب. هذا القانون جاء ليحطم كل القواعد والثوابت المتعلقة بقواعد المحاكمة العادلة والمنصفة، ومنها محاكمة الأطفال أو الإجراءات التي تُتبع في حال كان المتهم طفلًا، بحيث يستفيد من الاتفاقيات الدولية لحماية الأطفال، ومن القواعد والاستثناءات الخاصة بقانون الطفل، سواء في إجراءات المحاكمة أو العقوبات التي توقع عليه".
ويوضح مدير المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة أن الخطورة الإجرائية في قانون مكافحة الإرهاب تكمن في كونه يجيز محاكمة الأطفال أمام محاكم الجنايات إذا كانت الجريمة المنسوبة إليهم تُصنف ضمن الجنايات التي تختص بها تلك المحاكم، بصرف النظر عن السن، لا سيما لو أُدرجت أفعالهم في إطار عمل مشترك يضم بالغين.
ويلفت إلى أن محاكم الجنايات لا تلتفت للمطالبات والدفوع المستمرة بتطبيق القانون الأصلح للمتهم، وهو إحالتهم باعتبارهم أطفالًا، سواء وقت ارتكاب الجريمة أو وقت القبض عليهم، واصفًا هذا المسار بأنه "مأساة كبيرة تتكرر، وتتعرض لها قواعد المحاكمة العادلة والمنصفة للطفل، خلاف أنها تخالف الاتفاقات الدولية التي وقعتها مصر".
الإطار الأنسب لمحاكمة القاصرين
يؤكد الدكتور محمد مهران، خبير القانون الدولي العام، أن محاكمة 9 طلاب في مرحلة الإعدادي، في القضية المعروفة بتنظيم "تالتة إعدادي"، تتعلق بالإطار الإجرائي الأنسب قانونًا للتعامل مع القاصرين حين تكون التهمة فكرية واتفاقية دون وقوع فعل مادي.
ويوضح مهران لـ"فكر تاني" أن اتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها مصر عام 1990 تُرسي في مادتها 40 معادلة محددة، تقوم على ضرورة مراعاة عمر الطفل وإعادة اندماجه في المجتمع، والإيمان بقدرته على التأهيل، وأن القواعد الأممية الدنيا لإدارة قضاء الأحداث، المعروفة بقواعد بكين 1985، تُعلي من أولوية الاستجابة التأهيلية على العقوبة في الجرائم غير المصحوبة بأفعال مادية، مشيرًا إلى أن قانون الطفل المصري رقم 12 لسنة 1996 وتعديلاته يحدد محاكم متخصصة للنظر في قضايا الأحداث، بضمانات إجرائية خاصة تتمايز عن دوائر الإرهاب.
ويضيف أن الخبرة الدولية في التعامل مع ظاهرة تطرف الأحداث تُثبت أن برامج التدخل المبكر والتأهيل النفسي والتعليمي أثبتت فاعلية أعلى بكثير في قطع دابر التطرف، مقارنة بالمسار العقابي المحض لمن لم يرتكبوا فعلًا ماديًا بعد، مؤكدًا أن الدولة المصرية، التي أثبتت حرصها على حماية أبنائها من مخاطر التطرف، تملك من الأدوات التشريعية والتأهيلية ما يُمكنها من المزاوجة بين اليقظة الأمنية الضرورية والاستجابة التربوية المناسبة لأعمار هؤلاء الطلاب.
ويشير مهران إلى أن اللجنة الأممية لحقوق الطفل، في تعليقها العام رقم 24 الصادر عام 2019، أكدت أن الأطفال المنضمين لمجموعات متطرفة بدافع الاستقطاب الإلكتروني أو الضغط الأقراني يجب النظر إليهم في المقام الأول بوصفهم ضحايا استغلال لا فاعلين جنائيين، وأن الاستجابة الأنجح هي التدخل التأهيلي المبكر، الذي أثبتت تجارب دول عديدة، كالمملكة المتحدة وهولندا، فاعليته في قطع دابر التطرف لدى الأحداث قبل تحوله إلى أيديولوجيا راسخة، مؤكدًا أن البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل المتعلق بإشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، الذي صادقت عليه مصر، يُلزم بتوفير برامج تعافٍ وإعادة إدماج للأطفال المرتبطين بالجماعات المسلحة، حتى لو كان الارتباط على مستوى الأفكار لا الأفعال.
ويؤكد أن الإطار القانوني الدولي لا يعارض حق الدولة في مواجهة التطرف قبل أن يتحول إلى عمل إرهابي فعلي، لكنه يشترط أن تكون الاستجابة متناسبة مع السن، وموجهة نحو الإصلاح لا العقوبة، مشددًا على أن المادة 40 من اتفاقية حقوق الطفل توجب توفير بدائل للاحتجاز، كبرامج الإشراف المجتمعي والتوجيه النفسي والتعليمي والتدخل الأسري، موضحًا أن مصر تملك في قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996، وفي برامج وزارة التضامن الاجتماعي، منظومة تأهيل يمكن استثمارها في التعامل مع هذه الحالات، بما يُحقق هدف الدولة في تجفيف منابع التطرف، ويصون في الوقت ذاته التزاماتها الدولية الحقوقية المتعلقة بالطفل.
فلسفة العدالة الجنائية للأطفال
تطرح قضايا تجنيد الأطفال والمراهقين إلكترونيًا تحديًا حقوقيًا رئيسيًا، إذ تؤكد المبادئ المستقرة في الميثاق الأفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته، واتفاقية حقوق الطفل للأمم المتحدة التي صادقت عليها مصر، على التزامات محددة، أولها الاعتبار الأساسي لمصلحة الطفل الفضلى، إذ تنص المادة 37 من اتفاقية حقوق الطفل على ألا يُحرم أي طفل من حريته بأسلوب غير قانوني أو تعسفي، وأن يكون احتجاز الطفل أو سجنه وفقًا للقانون، ولا يُستخدم إلا كتدبير أخير، ولأقصر فترة زمنية مناسبة.
وثانيها الحماية من الاستغلال بدلًا من العقاب الانتقامي، إذ تعتبر المنظمات الحقوقية أن الأطفال الذين يتعرضون للتجنيد أو الاستقطاب من قبل الجماعات المسلحة أو المنظمات المتطرفة عبر الإنترنت هم ضحايا لعمليات استغلال وإغواء رقمي، وتوجب قواعد العدالة الجنائية توفير برنامج لمعالجتهم نفسيًا وفكريًا وتأهيلهم لإعادة إدماجهم في المجتمع، بدلًا من إيداعهم السجون مع المحكوم عليهم في قضايا إرهاب رئيسية، بما يسهم في تعميق شعورهم بالظلم والإبعاد.
وثالثها غلق الفجوة بين المدرسة والأسرة، إذ يكشف سقوط طلاب في مرحلة التعليم الأساسي، الشهادة الإعدادية والثانوية، في شبكات التواصل التكفيري، عن غياب دور الإشراف والاحتواء داخل المؤسسات التعليمية والأسرية، فالطلاب المراهقون يعانون من عزلة واغتراب تجعلهم صيدًا سهلًا للحسابات الوهمية على السوشيال ميديا.
وتطالب العديد من المؤسسات الحقوقية والقانونية بالتعامل مع القضايا المشابهة وفق منظور حماية الطفل والعدالة الناجزة القائمة على التأهيل، وذلك من خلال إعادة التكييف القانوني ونقل الملف إلى محاكم الطفل، وضرورة معاملة جميع المتهمين ممن لم يبلغوا سن 18 وقت حدوث الوقائع وفق أحكام قانون الطفل، واستبعاد العقوبات المشددة الخاصة بقانون مكافحة الإرهاب، وإفساح المجال أمام تدابير الإيداع بدور الرعاية الاجتماعية والمؤسسات العقابية التعديلية.
كذلك تتطلب معالجة الأمر توفير الدعم النفسي والفكري، بإخضاع الطلاب الصغار لبرامج مراجعة فكرية ونفسية تحت إشراف متخصصين في النفس والاجتماع والعلوم الدينية السمحة، لتفكيك الشبهات والمفاهيم الخاطئة التي تسللت إليهم عبر شبكة الإنترنت.
ويأتي في مقدمة هذه المطالب أيضًا تفعيل دور المجلس القومي للأمومة والطفولة، بتدخله ولجان حماية الطفل التابعة له، للوقوف على الظروف الاجتماعية والنفسية للأسر، وتقديم يد العون للطلاب وأسرهم لضمان استكمال دراستهم وعدم ضياع مستقبلهم التعليمي، فالعدالة الحقيقية والحماية المجتمعية الشاملة تتطلبان الوقوف مع هؤلاء الطلاب الصغار، لإنقاذهم وانتشالهم من مخالب الاستقطاب الرقمي، وإعادتهم إلى مقاعد الدراسة والمجتمع، لا تركهم ليكونوا ضحايا دائمين لواقع افتراضي مزيف.