تعود المنافسة الانتخابية إلى حزب الوفد، المعروف بـ"بيت الأمة"، مع انعقاد الهيئة الوفدية في الساعة العاشرة صباح غد الجمعة، لانتخاب 50 عضوا للهيئة العليا من بين 140 مرشحًا، واختيار 5 أعضاء لسكرتارية الهيئة العليا من بين 12 مرشحًا، في سباق تتقاطع فيه طموحات القيادات التاريخية مع حسابات الأجيال الجديدة والتكتلات الداخلية، وسط رهانات على استعادة الحزب حضوره في الشارع المصري والاستعداد للاستحقاقات السياسية المقبلة، وفي مقدمتها الانتخابات الرئاسية عام 2030.
ويتضمن جدول أعمال الاجتماع مناقشة التقرير السياسي لرئيس الحزب الدكتور السيد البدوي، والتقرير المالي لأمين الصندوق ومراقب الحسابات، وفقًا للقرار رقم 259 لسنة 2026 الذي أصدره البدوي، ودعا بموجبه أيضًا إلى اجتماع غير عادي في اليوم نفسه لمناقشة التعديلات المقترحة على النظام الداخلي للحزب.
وتجرى الانتخابات تحت إشراف 30 قاضيا من النيابة الإدارية، لمتابعة إجراءات التصويت وإعلان النتائج، وضمان سير العملية وفق الضوابط المعمول بها، في وقت تتزايد فيه المنافسة بين أجيال وفدية مختلفة في رؤاها وتوجهاتها، وتتعدد الأسئلة بشأن ملامح الهيئة العليا المقبلة، وقدرتها على إعادة ترتيب البيت الداخلي للحزب، وحقيقة القوائم الانتخابية المسربة التي أثارت جدلا بين المرشحين.
معركة الداخل
تأتي انتخابات الهيئة العليا والسكرتارية في سياق محاولات حزب الوفد إعادة التموضع سياسيًا، وترتيب أوراقه الداخلية، واستعادة حضوره في الشارع، مع التوقعات بانتعاشة في الحياة السياسية والحزبية خلال الشهور المقبلة، خصوصًا بعد حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي عن أن عام 2030 سيشهد نهاية ولايته الرئاسية، وتأكيده أن الدستور "لن يمسه أحد"، وأن هذا الأمر "محسوم".
ويضع هذا التطور الأحزاب المصرية أمام اختبار يتعلق بقدرتها على تقديم بدائل ومرشحين محتملين لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، ويأتي الوفد ضمن الأحزاب التي سبق أن شاركت في هذا الاستحقاق، إذ خاض رئيسه الأسبق الراحل نعمان جمعة انتخابات الرئاسة عام 2005، كما شارك رئيس الحزب السابق الدكتور عبد السند يمامة في انتخابات عام 2023، وحصل على 822 ألفا و606 أصوات.
ويربط المستشار محمد أبو العينين، المرشح لعضوية الهيئة العليا، بين نتيجة الانتخابات الحالية وتركيبة الهيئة الجديدة وأوزان أعضائها السياسية، وبين مدى انخراط الوفد في الاستعداد للانتخابات الرئاسية عام 2030.
ويقول أبو العينين في حديثه لـ"فكر تاني" إن المجال الليبرالي يتسع من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار داخل الليبرالية، مشيرا إلى وجود "أوزان ثقيلة" في الحزب، من بينها العائلات الوفدية التي ما زالت حاضرة، وأبناء "بيت الأمة" الذين انضموا إليه خلال الثمانينيات والتسعينيات، وما زالوا، بحسب تقديره، مؤثرين في مقاليد الأمور والتحالفات ونتائج الانتخابات، سواء بالنجاح أو الإخفاق.
ويستعيد أبو العينين صورة الهيئة العليا في مراحل سابقة، حين كانت مقاعدها تضم وزراء وسياسيين بارزين وبعض أعضاء مجالس النقابات المهنية والعمالية، ويقارنها بالمشهد الحالي الذي يرى أنه يضم أسماء تخوض الانتخابات من دون انتماء حقيقي إلى الوفد من حيث الفكر أو العقيدة أو المضمون أو الأيديولوجيا.
ويرى المرشح الوفدي أن الحزب انخرط في قضية الانتخابات الرئاسية بأشكال مختلفة خلال السنوات الماضية. ففي عام 2018 استجاب رئيس الحزب آنذاك الدكتور السيد البدوي لنداء الوفديين والهيئة العليا، ورفض خوض الانتخابات الرئاسية، بينما خاضها رئيس الحزب السابق الدكتور عبد السند يمامة عام 2023، مرجعًا هذا التحول إلى تغير الأدوات وتركيبة الهيئة العليا.
ويتقاطع هذا التصور مع ما يطرحه السيد الصاوي، عضو الهيئة العليا والمرشح في الانتخابات الحالية، الذي يرى أن الهدف الواضح من المنافسة على الهيئة العليا والسكرتارية هو عودة الوفد بقوة إلى الشارع المصري، والاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وفي مقدمتها انتخابات الرئاسة عام 2030.
ويجري هذا السباق بمشاركة عدد كبير من قيادات الحزب، من بينهم علاء الدين شوالي، والكاتب الصحفي عبد العظيم الباسل، والمهندس حسين منصور، وفيصل الجمال، والكاتب الصحفي كاظم فاضل، وطارق سباق، وحمدي قوطة، والدكتور ياسر حسان، إلى جانب نواب وفديين حاليين وسابقين في مجلسي النواب والشيوخ، منهم ياسر الهضيبي، ومحمد عبد العليم داود، وطارق عبد العزيز، وخالد قنديل، وياسر قورة، والحسيني ياسين، وعز الدين إسماعيل، ونشوى الشريف، وفؤاد بدراوي، واللواء هاني أباظة، وعيد هيكل، وأمل رمزي، وعبد العزيز النحاس، ومارجريت عازر، وطارق تهامي، ومحمد جاد.
ما الذي يحتاجه الوفد من هيئته الجديدة؟
تتصل رهانات الانتخابات بطبيعة الدور الذي ينتظر الهيئة العليا المقبلة، وهو ما تناوله رئيس الحزب السيد البدوي في رسالة شدد فيها على ضرورة أن يمتلك عضو الهيئة وعيا سياسيا حقيقيا، يمكنه من قراءة قضايا الوطن وفهم المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية، والمشاركة في صناعة مواقف الحزب وقراراته.
وتضمنت الرسالة تأكيدًا على أهمية امتلاك أعضاء الهيئة القدرة على العمل التنظيمي والجماهيري، وبناء التنظيمات، واكتشاف الكوادر، والوصول إلى الشباب والمرأة والعمال والفلاحين والمهنيين، فضلا عن الحضور في المحافظات والمراكز والقرى. وشدد البدوي على أن الهيئة العليا ليست مجرد حضور للاجتماعات، وإنما مسؤولية تتطلب العمل والمتابعة والمحاسبة.
وتلتقي هذه الرؤية مع ما يطرحه المهندس حسين منصور، نائب رئيس الحزب وعضو هيئته العليا والمرشح في السباق الجديد، الذي يرى أن الانتخابات تجرى في ظل ظروف سياسية واقتصادية مهمة، وأن هدف الحزب الأساسي هو الوصول إلى هيئة عليا تجعله أكثر فاعلية وحضورا في الشارع، دفاعا عن حيوية العمل العام وجديته، ورفع معدلات المشاركة، وتعزيز حيوية المجتمع على المستويات السياسية والنقابية والأهلية.
ويقول منصور في حديثه لـ"فكر تاني" إن الوفديين يسعون من خلال الهيئة العليا المقبلة إلى التوافق على لائحة تنظيمية تعزز المشاركة الجماعية، وتجعل صناعة القرار عبر المؤسسات أمرا أساسيا، إلى جانب التعبير عن روح أكثر حداثة داخل الحزب، تتناسب مع التطورات السياسية المقبلة.
أما الملفات التي تنتظر الهيئة الجديدة، فيضع منصور في مقدمتها تعزيز حضور الوفد في الحياة السياسية، والتفاعل مع القضايا التي تمس المواطنين وفقا للظروف الاجتماعية والسياسية، ودعم حياة سياسية تقوم على الحزبية الحقيقية، بعيدا عن الأحزاب "الكارتونية"، بما ينعكس على العمل الحزبي في الدولة المصرية عموما.
وتتجاوز المنافسة، في نظر المرشح الوفدي، اختيار الأسماء التي ستشغل المقاعد الخمسين، إلى تحديد طبيعة الدور الذي يمكن أن يؤديه الحزب داخل المجال العام، وقدرته على بناء تنظيم أكثر تماسكا، وصياغة مواقف سياسية تستند إلى مشاركة أعضائه في صناعة القرار.
ومن زاوية أخرى، يعزو الدكتور ياسر حسان، القيادي الوفدي والمرشح لعضوية الهيئة العليا، شدة المنافسة الحالية إلى إجراء الانتخابات بعد سباق وصفه بالقوي على رئاسة الحزب بين السيد البدوي والدكتور هاني سري الدين، والذي انتهى بفوز البدوي في يناير الماضي.
ويقول حسان لـ"فكر تاني" إن المنافسة على عضوية الهيئة العليا وسكرتارية الهيئة الوفدية تمثل تجربة انتخابية لا يرى لها مثيلا في الأحزاب السياسية الأخرى، مشيرا إلى أنه يستمتع بالسباق وما يشهده من "تربيطات"، وأن المشاركة فيه تمنح المرشحين والناخبين خبرة سياسية وانتخابية مهمة.
ويشير محمد المسيري، عضو الهيئة العليا السابق، إلى عدد من المشاهد التي يراها إيجابية في الانتخابات الحالية، منها مشاركة نسبة كبيرة من الأقباط، وهو ما يعتبره مؤشرا جيدا، إلى جانب دخول شباب ووجوه جديدة إلى المنافسة، مع استمرار مشاركة الأسماء والقيادات التاريخية في "بيت الأمة".
ويقول المسيري لـ"فكر تاني" إن الهدف الأساسي هو انتخاب هيئة عليا تليق بقيمة الوفد، بعيدًا عن "الشللية والأصوات المعلبة، وبعيدا عن الكره والحب"، بما يجعل الاختيار قائما على ما يمكن أن يضيفه الأعضاء إلى الحزب.
القوائم المسربة تكشف جانبًا من صراع التحالفات
وسط هذه المنافسة، تحولت القوائم الانتخابية المسربة عبر صفحات ومجموعات الحزب على مواقع التواصل الاجتماعي إلى محور للجدل. وخلال الأيام الماضية، تداولت صفحات قائمة حملت اسم "قائمة ياسر حسان"، وضمت أسماء وفدية عدة، من بينها مصطفى رسلان، ومدني حزين، وعادل التوني، ومحمد فؤاد، ومحمد عبد الجواد، وهاجر عز، ومحمد الزاهد، وجمال شحاته، وأشرف أبو العينين، ومحمد الصياد، وسيد عيد، وحمدي قوطة، وأمل رمزي، ومحمد الإتربي، وزياد الخياط، وماجدة صالح، والسيد الصاوي، وطارق تهامي، وأحمد حماد، وأحمد سامح حمودة، ومحمد مختار، وطارق سباق، وفيصل الجمال، وإبراهيم الشريف، وعبد العظيم الباسل، ومحمد عبد اللطيف، وأشرف علي الدين، وعبد العزيز النحاس، وياسر قورة، وأحمد شريف، وعلي شعيب، وعمر عبد الجواد، ومحمد سويلم، ومحمد عبده، وسكرتارية محمد السيد، والسيد سامي، ومحمود النحاس، وأماني الغزالي.
ويرفض ياسر حسان نسبة القائمة إليه، ويصفها في حديثه لـ"فكر تاني" بأنها "قائمة غريبة"، موضحا أنها تضمنت أسماء لا تترشح من الأساس لعضوية الهيئة العليا، معتبرا أن ذلك يكشف، بحسب وصفه، "جهل وسذاجة" من أعدها ومن سربها قبل بدء الانتخابات.
ويتقاطع هذا الموقف مع ما نشره حسان على صفحته الرسمية في فيسبوك، إذ قال إن الحسابات الوهمية تظهر في كل انتخابات، وتعمل على تسريب قوائم تنسب إلى بعض المرشحين بهدف إثارة "فتنة". وأشار إلى أن القائمة المتداولة شابتها أخطاء، منها نقص العدد المطلوب، بما يجعل التصويت بها باطلا، وخلط أسماء بين مرشحي الهيئة العليا ومرشحي سكرتارية الهيئة الوفدية.
ويؤكد حسان أن من الطبيعي أن يكون لكل عضو قائمة انتخابية يفضلها، لكنه ينفي مناقشة أي قائمة محددة مع ناخب أو مرشح، كما يقول إنه لم يرفض أي اسم عرضه عليه أحد الوفديين.
ويضيف أنه يرفض القوائم المغلقة، معتبرا أنها تفسد الضمير والحياة السياسية، ويكشف أنه ناقش مع رئيس الحزب السيد البدوي، قبل فترة، أسماء المرشحين الذين يمكن أن يحظوا بالدعم، لكنهما تجاوزا معا العدد المطلوب انتخابه بفارق كبير، وهو ما يعكس، في تقديره، قوة الأسماء المطروحة وصعوبة المفاضلة بينها.
ويشير حسان إلى أن بعض المحافظات تستحق تمثيلها بخمسة أعضاء، بالنظر إلى جدارة المرشحين المنتمين إليها، الأمر الذي يجعل الوصول إلى قائمة نهائية واضحة مهمة صعبة. كما يكشف أن بعض أصدقائه عرضوا عليه، قبل فترة، التوافق على قائمة صغيرة تضم 30 عضوا، لكنه رفض الاقتراح، معتبرا أنه سابقة لم تحدث في تاريخ الحزب وتشكل خطرا على نزاهة الانتخابات.
وفي المقابل، يرى السيد الصاوي أن التحالفات والتربيطات والقوائم الانتخابية أمر طبيعي في مثل هذه السباقات، لأن عضو الهيئة الوفدية مطالب باختيار 50 مرشحا لعضوية الهيئة العليا و5 آخرين للسكرتارية، وهو ما يدفع المرشحين إلى التنسيق فيما بينهم لكسب الأصوات.
ويتبنى حسين منصور رؤية قريبة، إذ يقول إن الانتخابات داخل أي كيان سياسي تشهد، بطبيعتها، ظهور تيارات داخلية وتفاعلات سياسية واجتماعية وشخصية، وإن الوفد جزء من الحياة السياسية المصرية، ويعبر عن شريحة واسعة من المجتمع.
أما محمد المسيري، فيرى أن القوائم التي يجري إعدادها قبل الانتخابات تمثل عرفا سائدا، خصوصا أن بعض أعضاء الجمعية العمومية قد يذهبون إلى مقر الحزب من دون معرفة جميع المرشحين، ويجدون صعوبة في اختيار 50 اسما من بين العدد الكبير المتنافس.
ويوضح المسيري أن بعض الناخبين يعتمدون على قوائم معدة مسبقا، فيما يختار عدد قليل من أعضاء الجمعية العمومية مرشحيهم بصورة مستقلة ودقيقة، ويصف هذه الفئة بأنها "المجموعة الوفدية اللي بتعرف بعضها البعض جيدًا"، مشيرا إلى أن بعض المرشحين قد ينجحون أحيانا بالصدفة في انتخابات الهيئة العليا.
ويحدد المستشار محمد أبو العينين نوعين من القوائم التي تظهر في انتخابات الهيئة العليا. الأول هو "القوائم الفاصلة أو الكبرى"، التي تمثل الأقطاب الرئيسية داخل الحزب، ومن بينها الجبهة المحسوبة على السيد البدوي، حتى لو لم يتدخل بصورة مباشرة في تشكيلها، والقائمة المحسوبة على عائلة الأباظية أو الدكتور هاني سري الدين.
أما النوع الثاني، فيصفه أبو العينين بأنه "القوائم المرجحة"، وهي القوائم المرتبطة بمحافظات تسعى إلى ضمان انتخاب مرشحيها في الهيئة العليا والسكرتارية، مع التصويت في الوقت نفسه لأسماء أخرى من خارج المحافظة.
ويشير إلى أن القوائم الكبرى تتحرك عادة لعقد تحالفات مع قوائم المحافظات، وهو ما يفسر ظهور ما يعرف بـ"القائمة الدوارة»، التي تتبادل الدعم بين مجموعات انتخابية مختلفة.
ومع تعدد هذه التفسيرات، ينفي حسان وجود قوائم انتخابية كاملة تمثل السيد البدوي أو هاني سري الدين أو تمثله شخصيا، موضحا أن الأمر قد يقتصر على دعم بعض الأسماء التي تحظى بالتوافق داخل الحزب، ولا توجد خلافات حولها بين الوفديين.
وتعيد هذه السجالات إلى الواجهة مسألة النفوذ الانتخابي لرؤساء الحزب والقيادات المؤثرة، إذ يستحضر علاء عبد اللاه، القيادي الوفدي بمحافظة الغربية، ما جرى في انتخابات الهيئة العليا عام 2018، عندما فازت قائمة المستشار بهاء أبو شقة، رئيس الحزب آنذاك، باكتساح.
ويقول عبد اللاه لـ"فكر تاني" إن المشهد تكرر إلى حد ما في انتخابات عام 2022، التي أجريت على عضوية الهيئة العليا وسكرتارية الحزب في عهد رئيسه السابق عبد السند يمامة.
ويتفق حسان مع هذا التقدير بشأن انتخابات نوفمبر 2018، مرجعا فوز قائمة أبو شقة المغلقة إلى وعد قطعه رئيس الحزب آنذاك بمنح مقاعد برلمانية لوفديين في مجلس النواب عام 2020، وهو الوعد الذي يقول حسان إنه لم يتحقق، وأعقبه غضب شديد داخل الحزب.
ويرى حسان أن من الطبيعي أن تكون لرئيس الحزب أسماء يفضل فوزها، مثلما تتمتع بعض القيادات بفرص أكبر من غيرها، لكنه يتوقع في الوقت نفسه سقوط عدد من المرشحين في السباق الحالي، مشيرا إلى أنه خسر بنفسه في انتخابات عام 2015.
وفي مواجهة الجدل حول القوائم والتحالفات، أعلن السيد البدوي أنه سيقف على مسافة واحدة من جميع المرشحين، ولن يناصر مرشحا في مواجهة آخر، أو يتدخل في إرادة الهيئة الوفدية لتوجيه اختياراتها لمصلحة عضو على حساب زميله.
وأكد البدوي أن كل من يتقدم للمنافسة على هذه المسؤولية هو ابن للوفد، وأن الحكم بين المرشحين يجب أن يستند إلى ضمير الوفديين وإرادتهم الحرة، معربا عن ثقته في حرص أعضاء الحزب على انتخاب هيئة عليا تتناسب مع تاريخه، وتستطيع تحمل مسؤولية مستقبله.
ووجه البدوي رسالة إلى أعضاء الهيئة الوفدية قال فيها "إن أصواتكم ليست مجرد أصوات انتخابية، وإنما أمانة ومسؤولية عن مستقبل الوفد، لا تختاروا على أساس الصداقة أو القرابة أو المجاملة، ولا استجابة لتحالف انتخابي أو وعد أو مصلحة، ولا تجعلوا السؤال من طلب مني صوتي؟ بل اجعلوا السؤال من يستحق صوتي؟ ومن يحتاجه الوفد في هيئته العليا؟".
وأضاف "اختاروا صاحب الكفاءة والخبرة، اختاروا صاحب الرؤية والمشروع، اختاروا من لديه القدرة على العمل والعطاء، اختاروا من يحترم المؤسسة ويقبل الاختلاف، اختاروا من يستطيع أن يكون شريكا حقيقيا في إعادة بناء الوفد واستعادة دوره ومكانته، وميزوا جيدا بين من يريد موقعا في الوفد، ومن يريد أن يصنع للوفد موقعا يليق بتاريخه وتراثه الوطني. اختاروا الذي يستطيع أن يضيف إلى الوفد، لا من يريد أن يضيف الوفد إلى اسمه".
التكتلات تحدد بوصلة التصويت
لا تتوقف حسابات الفوز عند حجم التأييد الذي يحظى به المرشحون داخل المقر الرئيسي للحزب، إذ تلعب المحافظات والتحالفات الانتخابية دورا في تحديد اتجاهات التصويت، وفقا لتقديرات المرشحين.
ويرى ياسر حسان أن نشاط المرشحين على مواقع التواصل الاجتماعي وتحركاتهم في المحافظات سيكون لهما تأثير في نتائج انتخابات الهيئة العليا والسكرتارية. ويقدر أن القاهرة ومحافظات الدلتا قد تمثل نحو 60% من أعضاء الجمعية العمومية الذين سيحضرون الانتخابات، مقابل 35% لمحافظات الصعيد، مشيرا إلى أن هذه المحافظات تميل إلى التكتل والتحالف فيما بينها أثناء التصويت.
ويختلف أبو العينين معه في قراءة المشهد، مؤكدا ضرورة الانتباه إلى "الكتل التصويتية الثابتة"، وهي مجموعات من أعضاء الجمعية العمومية تحضر الانتخابات بصورة منتظمة ومنهجية للتصويت لمصلحة مجموعة محددة من المرشحين.
ويقول أبو العينين إن أعضاء الهيئة الوفدية كثيرون في القاهرة والإسكندرية والبحيرة وكفر الشيخ والشرقية، لكنهم، بحسب وصفه، "شتات"، على عكس بعض المحافظات الأقل عددا التي قد تحضر بصورة أكثر انتظاما للتصويت لمصلحة قائمة بعينها.
ويربط أبو العينين هذا الأمر بطبيعة معرفة الناخبين بالمرشحين، موضحا أن كثيرا منهم لا يعرفون أكثر من 20 أو 30 مرشحا على الأكثر، وهو ما يزيد أهمية القوائم والتحالفات في تحديد خيارات التصويت، كما يرى أن ما يصفه بـ"التوجيه الخارجي" يؤدي دورا في تحديد الفائزين بعضوية الهيئة العليا.
وفي المقابل، يرى علاء عبد اللاه أن نتيجة الانتخابات لا يمكن حسمها مسبقا، وأن أحدا لا يستطيع ضمان اتجاه أصوات الوفديين. ويستشهد بانتخابات رئاسة الحزب التي فاز فيها السيد البدوي على هاني سري الدين بفارق 8 أصوات فقط.
وفي 30 يناير الماضي، أعلنت اللجنة المشرفة على انتخابات رئاسة حزب الوفد فوز البدوي بفارق 8 أصوات عن أقرب منافسيه سري الدين. وقالت اللجنة إن عدد الأصوات الصحيحة بلغ 2614 صوتا، مقابل 18 صوتا باطلا، وحصل البدوي على 1302 صوت، بينما حصل سري الدين على 1294 صوتا.
ويقول عبد اللاه إن المشهد الانتخابي داخل الوفد يظل ملتبسا، مع احتمال فوز مرشحين أقوياء من الجبهات المعارضة للسيد البدوي، أو من الأسماء القريبة من هاني سري الدين.
ويشير أبو العينين إلى حضور "فصيل الأباظية" داخل الحزب، وهو الفصيل الذي يقول إنه خرج من رحم الأزمة الكبرى التي اندلعت عام 2006 بين رئيسي الحزب السابقين نعمان جمعة ومحمود أباظة، وشهدت إحراق مقر الحزب بعد اقتحامه.
ويضيف أن هذا الفصيل يميل عادة إلى التصويت لمصلحة قائمة توافقية، تكون في مواجهة القائمة القريبة من رئيس الحزب وقت إجراء انتخابات الهيئة العليا. ويرى أن تأثيره قد يكون أكثر حدة في الانتخابات الحالية، خصوصا أن آثار المنافسة على رئاسة الحزب بين البدوي وسري الدين ما زالت حاضرة، وأن الأباظية قد يتحركون بدافع الرغبة في الرد على البدوي، بعد مساندتهم سري الدين في انتخابات الرئاسة الأخيرة للحزب.
ولا يتفق السيد الصاوي مع هذه القراءة، إذ يرى أن الوفديين لا يتعاملون مع الانتخابات بمنطق "الفواتير الانتخابية"، وأن ما قد يظهر بينهم من اختلافات لا يتجاوز التباين في الرؤى ووجهات النظر. ويؤكد أن الهدف المشترك، رغم التنافس، هو عودة الوفد بقوة إلى الشارع المصري.
وعن عدم خوض هاني سري الدين الانتخابات الحالية على عضوية الهيئة العليا، يقول الصاوي إن سري الدين شخصية وفدية محترمة، سبق أن ترشح لرئاسة الحزب، وهي أعلى مناصبه، ومن ثم لم يعد مناسبا له أن يخوض انتخابات الهيئة العليا.
ويتوقع الصاوي أن يكون سري الدين ضمن الأعضاء العشرة الذين سيعينهم رئيس الحزب في الهيئة العليا، تقديرا لقيمته الحزبية والاقتصادية.
وتنص اللائحة الداخلية لحزب الوفد على انتخاب 50 عضوا للهيئة العليا، إلى جانب تعيين رئيس الحزب 10 أعضاء وفقا للقواعد المنظمة لتشكيل الهيئة.
ومع اقتراب موعد التصويت، تتحدد ملامح المنافسة بين أسماء ذات ثقل حزبي، وشباب ووجوه جديدة تسعى إلى دخول الهيئة العليا، وتكتلات تحاول تثبيت نفوذها أو توسيع حصتها داخل الحزب. ولا يتعلق الأمر بمجرد توزيع المقاعد، إذ ستحدد تركيبة الهيئة الجديدة طبيعة القرارات والتحالفات التي سيتبناها "بيت الأمة" خلال السنوات الأربع المقبلة، ومدى قدرته على تحويل الحديث عن استعادة دوره السياسي إلى حضور فعلي في الشارع، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الاستحقاقات المقبلة، وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية عام 2030.