احتجاز محكوم عليه بالغرامة وانتداب محام رغم وجود دفاعه.. ماذا يقول القانون؟

أثار الحكم الصادر عن الدائرة التاسعة بمحكمة جنح القاهرة الجديدة، برئاسة المستشار محمد مبارك، بتغريم الزميلة لينا عطا الله، رئيسة تحرير موقع «مدى مصر»، 3 ملايين جنيه، وإغلاق الموقع ومصادرة معداته، جدلًا قانونيًا بشأن مشروعية احتجازها عقب النطق بالحكم، ومدى جواز انتداب محام للدفاع عنها رغم حضور فريق المحامين الموكلين وتمسكهم بمباشرة مهمتهم، فيما تكشف آراء 3 خبراء قانونيين تحدثوا إلى "فكر تاني" عن خلاف في تفسير القواعد المنظمة لتنفيذ الغرامات، وضوابط انتداب المحامين، والظروف التي قد تجعل الإخلال بحق الدفاع سببًا للطعن على الحكم.

بدأ الجدل مع الإجراءات التي شهدتها الجلسة، إذ نقل "مدى مصر" عن حسام بهجت، المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، الذي حضرها، أن المحكمة رفعت الجلسة بعدما طلب فريق الدفاع وقتًا كافيًا للاطلاع على أوراق القضية، ثم أمر القاضي بإخلاء القاعة من الحاضرين، باستثناء لينا عطا الله وفريق دفاعها، قبل أن تمتلئ القاعة بضباط وأفراد حرس يرتدون ملابس مدنية.

ومع تمسك المحامين بعدم المرافعة احتجاجًا على عدم الاستجابة لطلباتهم، قررت المحكمة انتداب محام لم يكن معروفًا لأعضاء فريق الدفاع، رغم حضور 8 محامين موكلين عن عطا الله، التي رفضت بدورها أن يتولى المحامي المنتدب الدفاع عنها.

وعقب النطق بالحكم، أحاط أفراد الأمن بعطا الله وحملوها إلى خارج قاعة المحكمة، وأفاد مدى مصر بأنها احتُجزت بعد صدور الحكم لسبب لم يتضح في حينه، قبل أن تعلن الجهات المعنية، عقب الإفراج عنها، أنها كانت محتجزة على ذمة قضية أخرى تتعلق بنشر الموقع ما اعتبرته المحكمة |أخبارًا كاذبة" سبق أن نشرها الموقع، وصدر فيها حكم غيابي بحبسها سنة في عام 2024.

وتثير هذه الوقائع سؤالين أساسيين، أولهما يتعلق بالسند القانوني لاحتجاز شخص صدر ضده حكم بالغرامة، وثانيهما يتعلق بحق المتهم في التمسك بمحاميه الذي اختاره، ومدى جواز انتداب محام آخر في ظل وجود فريق دفاع موكل. وبينما يرى المستشار محمد ناجي دربالة، نائب رئيس محكمة النقض الأسبق، أن الاحتجاز لمجرد الحكم بالغرامة يخالف القانون والدستور، يستند الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام، إلى نصوص في قانون الإجراءات الجنائية الجديد تثير، بحسب قراءته، تساؤلات بشأن إجراءات التنفيذ والانتداب، فيما يقدم المستشار الدكتور محمد شعبان، وكيل النائب العام الأسبق، تفسيرًا مختلفًا لبعض جوانب التنفيذ، ويربط تقييم انتداب المحامي بظروف الجلسة وما جرى فيها.

تنفيذ الغرامة بين اقتضاء المال وتقييد الحرية

يرى المستشار محمد ناجي دربالة أن الغرامة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتقييد حرية المحكوم عليه لمجرد عدم سداد المبلغ المقضي به، موضحًا أن طبيعتها تختلف عن العقوبات السالبة للحرية، وأن الأصل في تنفيذها هو تحصيل المبلغ من أموال المحكوم عليه وفق الإجراءات القانونية، لا احتجازه في قسم شرطة أو إيداعه السجن لمجرد عدم السداد.

ويؤكد دربالة، في حديثه إلى "فكر تاني"، أن الغرامة "لا توجب الاحتجاز إطلاقًا"، مشيرًا إلى أن قانون الإجراءات الجنائية ينظم طرق تنفيذها، وأن تحصيلها ينبغي أن يجري بالوسائل القانونية المقررة للتنفيذ على أموال الشخص.

ولا يغير احتمال هروب المحكوم عليه، وفقًا لدربالة، من طبيعة الغرامة أو يجعل تقييد الحرية وسيلة تلقائية لتحصيلها، لأن العقوبة تتعلق بالذمة المالية للشخص، ويكون تنفيذها من أمواله، لا باحتجازه لمجرد امتناعه عن السداد.

وعندما سئل عما إذا كان احتجاز شخص صدر ضده حكم بالغرامة إجراءً مخالفًا للقانون، أجاب دربالة بأنه "مخالف للقانون والدستور"، معتبرًا أن تفسير النصوص بما يسمح باستبدال تقييد الحرية بالغرامة لا يتفق مع القواعد القانونية والدستورية المنظمة للعقوبات وتنفيذ الأحكام.

ويقدم الدكتور محمد محمود مهران قراءة تستند إلى نصوص قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، إلى جانب الضمانات الدستورية والدولية للمحاكمة العادلة، مشيرًا إلى المادة 466 من القانون، التي تتناول، بحسب قراءته، حالة عدم دفع المتهم المبالغ المستحقة للدولة، وتنص على إصدار النيابة العامة أمرًا بالإلزام بعمل للمنفعة العامة وفق أحكام الباب الخامس من القانون نفسه.

ويرى مهران أن هذه الصياغة تثير تساؤلات بشأن السند القانوني للاحتجاز الفوري لحين سداد الغرامة، إذا جرى من دون صدور أمر من النيابة العامة وفق الإجراءات التي ينظمها القانون، موضحًا أن الحكم بالغرامة يرتب التزامًا ماليًا تتولى النيابة العامة تنفيذ مقتضاه، ولا يمثل في ذاته حكمًا بعقوبة سالبة للحرية تستوجب الاحتجاز الفوري.

ويلفت مهران إلى أن الحكم الصادر عن محكمة أول درجة يكون قابلًا للاستئناف، بما يتيح للدفاع الطعن عليه أمام محكمة الجنح المستأنفة، ويرى أن احتجاز المحكوم عليها قبل انتهاء مهلة الطعن يثير تساؤلات قانونية بشأن الإجراء المتخذ.

في المقابل، يقدم المستشار الدكتور محمد شعبان تفسيرًا مختلفًا لبعض جوانب تنفيذ الغرامة، موضحًا أن المحكمة لا تتولى بنفسها تنفيذ العقوبة بعد النطق بالحكم، إذ ينتهي دورها في الدعوى بإصداره، بينما تتولى النيابة العامة المختصة إجراءات التنفيذ وفق القانون.

ويقول شعبان إن المحكوم عليه بالغرامة يُعرض على النيابة العامة لتكليفه بتنفيذ الحكم، مشيرًا إلى أن أحكام الغرامة تكون، بحسب تفسيره، واجبة التنفيذ حتى إذا جرى استئنافها. ووفقًا للرأي الذي عرضه، يتعين على المحكوم عليه المبادرة بسداد جزء من الغرامة المقضي بها، لتصدر النيابة العامة بعد ذلك قرارًا بإخلاء سبيله إلى حين صدور الحكم النهائي من محكمة الاستئناف، وإذا تأيد الحكم أو خُففت الغرامة، يُعرض المحكوم عليه مرة أخرى على النيابة العامة للنظر في أمره.

ويضيف شعبان أن عدم القدرة على السداد قد يؤدي إلى اللجوء إلى الإكراه البدني وفق الضوابط القانونية التي أشار إليها، موضحًا أن المادة 510 من قانون الإجراءات الجنائية تتيح، في حالات استثنائية، للقاضي الجزئي في المحكمة التي يجري التنفيذ فيها أن يمنح المحكوم عليه، بناءً على طلبه وبعد أخذ رأي النيابة العامة، أجلًا لسداد المبالغ المحكوم بها أو تقسيطها لمدة لا تتجاوز 9 أشهر.

وتكشف هذه الآراء عن اختلاف في تفسير القواعد المنظمة لتنفيذ الغرامة وما يترتب عليها من إجراءات، وهو اختلاف لا يحسم بمفرده مشروعية ما جرى في حالة عطا الله، إذ يظل تقييم الإجراء مرتبطًا بسنده القانوني والظروف الفعلية التي اتُخذ فيها.

انتداب المحامي بين ضمان الدفاع وحق الاختيار

لا يقتصر الخلاف القانوني على احتجاز عطا الله، وإنما يمتد إلى قرار انتداب محام رغم حضور 8 محامين موكلين عنها وتمسكهم بمباشرة الدفاع. ويرى دربالة أن الإجراء يمس استقلال المحاماة وحق المتهم في اختيار الشخص الذي يتولى الدفاع عنه، موضحًا أن ضمان حق الدفاع لا يتحقق بمجرد وجود أي محام في قاعة المحكمة، وإنما يقتضي تمكين المتهم من الاستعانة بمن اختاره بحرية.

ويقول دربالة إن المحكمة لا يجوز لها، من حيث الأصل، فرض محام منتدب على متهم لديه محام موكل حاضر، لأن الانتداب يرتبط بالحالات التي لا يجد فيها المتهم مدافعًا يتولى الدفاع عنه، وفق الضوابط القانونية المنظمة لذلك.

وحتى إذا انسحب المحامي الأصلي، فإن ذلك لا يعني بالضرورة جواز مواصلة نظر الدعوى فورًا من دون منح المتهم فرصة مناسبة لاختيار محام آخر، متى كانت ظروف القضية تقتضي ذلك، بحسب دربالة الذي يؤكد أن ضمانة الدفاع تتجاوز الحضور الشكلي للمحامي إلى تمكين المتهم من عرض موقفه والاستعانة بمن يثق به.

ويستند مهران في تقييمه للمسألة إلى المادة 359 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد، مشيرًا إلى أن انتداب المحامي، وفق قراءته للنص، مشروط بتعذر توكيل محام، وهو ما يجعل حضور محامين موكلين في قاعة المحكمة عنصرًا أساسيًا عند تقييم مدى توافر مبرر للانتداب.

ويرى مهران أن الغرض من انتداب المحامي هو ضمان وجود دفاع عن المتهم الذي لا يجد من يتولى الدفاع عنه، وليس استخدام الإجراء لاستبدال فريق حاضر اختاره المتهم بفريق آخر لم يختره. ويربط هذه الضمانة بما نص عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضمت إليه مصر، ولا سيما المادة 14 منه، التي تتضمن ضمانات إجرائية لحقوق المتهم، من بينها إتاحة الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد الدفاع وتمكينه من الاطلاع على ملف القضية.

ويؤكد مهران أن تنظيم الإعلام الرقمي وإلزام المواقع بالحصول على التراخيص يمكن أن يكونا من المسائل التي تنظمها الدولة بالقانون، لكن مشروعية هذا الهدف لا تعفي الإجراءات المتخذة من الالتزام بالضمانات القانونية، إذ تظل سلامة المحاكمة مسألة مستقلة يتعين تقييمها وفق القواعد المنظمة لها.

أما شعبان، فيوضح أن قانون الإجراءات الجنائية لا يوجب، كأصل عام، على المحكمة انتداب محام في كل القضايا، وإنما يرتبط ذلك بالحالات التي يوجب فيها القانون وجود محام، إلى جانب الضمانات الدستورية المتعلقة بحق المتهم في الدفاع.

ويرى شعبان أن المحكمة قد تقرر انتداب محام ضمانًا لوجود دفاع عن المتهم، لكن سلامة الإجراء تتوقف على ظروف الجلسة ومدى استعداد المحامين الموكلين لتقديم المرافعة، وطبيعة الطلبات التي تمسكوا بها. ويقول إن تجاهل تمسك المتهم بفريق دفاعه الأصلي قد يشكل وجهًا للطعن على الحكم إذا ثبت أن الإجراء أخل بحق الدفاع، خصوصًا إذا كان المحامون مستعدين للمرافعة ولم يوجد ما يبرر تجاوزهم أو استبدالهم بمحام آخر.

ويشير شعبان إلى أن التقييم قد يختلف إذا كان فريق الدفاع قد علق مرافعته على الاستجابة لطلبات أثبتها في محضر الجلسة، ثم طلبت المحكمة منه المرافعة فامتنع عن ذلك، إذ قد تلجأ المحكمة في هذه الحالة إلى انتداب محام.

ويتفق الخبراء، رغم اختلافهم في تفسير بعض جوانب المسألتين، على أن تقييم سلامة إجراءات المحاكمة لا ينفصل عن تفاصيل ما جرى داخل قاعة المحكمة، وما إذا كانت الإجراءات قد احترمت الضمانات القانونية لحق الدفاع. ويشير دربالة إلى أن الإخلال بحرية اختيار المحامي قد يعرض الحكم للبطلان إذا ثبت انتقاص هذا الحق، مستشهدًا بأحكام للمحكمة الدستورية العليا تناولت النصوص المنظمة للمحاماة وضمانات الدفاع، ومؤكدًا أن الغرض من الانتداب هو توفير مدافع لمن لا يجد من يتولى الدفاع عنه، لا استبدال محام اختاره المتهم بآخر لم يختره.

ويرى مهران أن إمكانية الطعن على أحكام أول درجة تتيح للمحكمة المختصة مراجعة ما يثيره الدفاع من أوجه قصور أو إخلال إجرائي، متى قدم ما يدعم هذه الدفوع، فيما يترك شعبان الفصل في سلامة الإجراءات للمحكمة التي تنظر الطعن، سواء أمام محكمة الاستئناف أو محكمة النقض، لتقييم أثر ما جرى في الجلسة على حق المتهمة في الدفاع عن نفسها.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة