"اشحن 10 آلاف جنيه وخدهم بعد يومين 50 ألفًا، واشحن 100 ألف جنيه وخدهم بعد أسبوع مليون جنيه"، وفق هذه المعادلة تصنع منصات التداول الوهمية إغراءها الأول، وتستدرج المواطنين إلى استثمار مدخراتهم في أرباح لا وجود لها، مستغلة حاجتهم إلى دخل إضافي وثقتهم في الوعود التي تبدو قابلة للتحقق، قبل أن تُجمد حساباتهم وتستولي على أموالهم، ثم تختفي لتتركهم في مواجهة خسائرهم، أو تدفعهم محاولات استردادها إلى الوقوع في فخ احتيال جديد.
تبدأ هذه العمليات بإعلانات تروج لأرباح سريعة عبر فيسبوك وتيليجرام، ثم تتدرج المبالغ المطلوبة من الضحايا كلما تعلقت آمالهم بالعوائد الموعودة، إلى أن يُغلق باب السحب وتختفي أموالهم. وعندما يبحث بعضهم عن وسيلة لاستعادتها، يجدون أنفسهم أمام محتالين آخرين يعرضون اختراق المنصات وفك تجميد الحسابات مقابل أموال جديدة، فيما تتخذ عمليات أخرى واجهات أكثر إقناعًا، من عروض العمل عبر الإنترنت إلى شركات لها مقار وسجلات تجارية.
وتجد هذه الوعود صدى في ظل ضيق سبل العيش واتساع الفوارق الطبقية وتراجع فرص تحسين الأوضاع بالعمل، بينما يشاهد الناس آخرين يحققون ثروات سريعة من محتوى ترفيهي رائج، فيبدو الثراء الخاطف طريقًا أقصر لتغيير حياتهم.
بسمة محمود، وهي ربة منزل تقيم في أكتوبر، وقعت ضحايا هذه الوعود، بعدما استدرجها إعلان ترويجي لمنصة "فيكتوري تشارت"، أقنعها بإمكانية استثمار مبالغ تبدأ بمئات الجنيهات وتحقيق أرباح تتضاعف تدريجيًا حتى تصل إلى الملايين، عبر التداول القائم على شراء الأصول المالية وبيعها للاستفادة من تحركات أسعارها.
بدأت بسمة بإيداع 250 جنيهًا، ثم دفعتها الإشعارات التحفيزية والعروض المغرية إلى زيادة رصيدها تدريجيًا، حتى وصل إجمالي ما دفعته إلى 15 ألف جنيه، على أمل مضاعفته خلال أسبوع، لكن حسابها جُمد فور إيداع المبلغ. تقول لـ"فكر تاني"، إنها "أول ما شحنت الـ15 ألف جنيه اتجمد حسابي، ولما كلمتهم عملوا لي حظر".
لكن ربة المنزل التي تبلغ من العمر 35 عامًا، لم تتوقف خسارتها عند هذا الحد، إذ استعانت بشاب يعمل في البرمجة وتكنولوجيا المعلومات، تعرفت إليه عبر مجموعة على فيسبوك، باسم "هكر مصر.. منظمة هكر المشاكسين"، بعدما أقنعها بقدرته على اختراق المنصة واستعادة أموالها، قبل أن يطلب 2000 جنيه مقدمًا ومثلها عند نجاحه، لكنها بعدما حولت المبلغ الأول فوجئت بحذف الرسائل فيما بينهما وحظرها، تقول "أنا كنت شايلة الفلوس دي لمدارس الأولاد".
ويشرح محمود عرابي، المحامي والباحث في الأمن السيبراني، أن هذه الواقعة تكشف عن نمط احتيال يستهدف ضحايا الاستثمار الوهمي، إذ يبحث وسطاء عن المتضررين ويوصلونهم بأشخاص يدعون القدرة على اختراق المنصات أو فك تجميد الحسابات مقابل مبالغ مالية، ويشير إلى أن "منصات التداول الوهمية من الجرائم السيبرانية العابرة للحدود الوطنية، وتُدار من شبكات لها هيكل مؤسسي دولي، ومن الصعب اختراقها".
وواجه محمد حازم محمود، 42 عامًا، ويعمل فني أجهزة كهربائية، تجربة مشابهة مع منصة وهمية تحمل اسم "تيك توك شوب"، استقطبته عبر مقاطع ترويجية على تطبيق "تيك توك"، وبدأت مهماته بمشاهدة مقاطع قصيرة مقابل 100 جنيه يوميًا، قبل أن يُطلب منه الانتقال إلى فئة تتيح أرباحًا أكبر مقابل شحن الرصيد لتنفيذ مهمات جديدة.
دفع حازم نحو 16 ألف جنيه، ثم جُمد حسابه فورًا، وحين بحث عن وسيلة لاستعادة أمواله، وجد منشورات تزعم نجاح مخترقين في إعادة أموال ضحايا آخرين، فتواصل مع أحدهم وعرض عليه نصف المبلغ المسترد مقابل مساعدته، لكن الرجل اشترط الحصول على أجر الاختراق مقدمًا، فرفض حازم خشية الوقوع في احتيال جديد.
وظائف التسويق بوابة إلى الاحتيال
لم تعرف سمر أنور، 30 عامًا، والمقيمة في الإسكندرية، شيئًا عن التداول حين بدأت رحلتها مع منصة "جوجل تاكس في آي بي"، فقد كانت تبحث عن عمل عبر الإنترنت يساعدها على رعاية طفلها الذي يعاني اضطرابات فرط الحركة، بعدما حالت ظروفها العائلية دون العمل خارج المنزل، وتقول لـ"فكر تاني"، "لقيت وظيفة تسويق عبارة عن كتابة تقييمات إيجابية للفنادق بخمسين جنيه للتقييم وتلاتة بس في اليوم".
قادها الإعلان إلى محادثة عبر "واتس آب" مع امرأة تقيم خارج مصر، ادعت أنها مسؤولة التوظيف في فرع الشركة بالإسكندرية، وبدأت سمر بكتابة 3 تقييمات يوميًا مقابل 150 جنيهًا، ثم تغير نظام العمل إلى مهمات تتطلب شحن الأموال، مع وعود بتحقيق أرباح إضافية.
في البداية، طُلب من المشاركين شحن 2000 جنيه مقابل ربح قدره 200 جنيه، مع السماح بالسحب يوميًا، وهو ما عزز ثقتهم بالمنصة ودفعهم إلى إيداع مبالغ أكبر، حتى وصلت المطالب إلى 100 ألف جنيه، ثم وجدت سمر نفسها مطالبة بدفع 5000 جنيه لاستعادة أموالها، تلاها طلب إضافة 15 ألفًا، ثم 45 ألف جنيه أخرى.
اضطرت سمر إلى الاستدانة من أقاربها ومعارفها، لكنها عجزت عن توفير المبلغ الأخير، فحظرها القائمون على المنصة، وتقول "فضلوا يزنوا عليا عشان أتصرف، لكن لما معرفتش أدفع راحوا عاملين لي حظر"، وقد أرسلت بلاغًا إلى الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية، دون اتخاذ إجراءات رسمية أخرى بسبب عدم قدرتها المادية.
ويرى المحامي محمود الروبي أن مواجهة جرائم التداول عبر المنصات الرقمية تواجه صعوبات بسبب كثرتها وتجددها المستمر، إذ لا يكفي حجب المواقع والحسابات، لأن المحتالين يستطيعون إنشاء حسابات جديدة أو الانتقال إلى تطبيقات أخرى، كما أن بعض هذه الجرائم يُدار من خارج مصر مع استهداف المواطنين عبر السوشيال ميديا، وفي مقدمتها تيليجرام.
ويشير الروبي إلى أن القانون المصري يتيح ملاحقة بعض الجرائم المرتكبة خارج البلاد متى توافرت شروط الاختصاص، لكن الصعوبة الأساسية تكمن في تحديد الجناة والوصول إلى الأدلة الرقمية الموجودة خارج الدولة، ثم تنفيذ الإجراءات القضائية بحق أشخاص يقيمون في دول أخرى.
شركات بواجهات رسمية وعوائد خيالية
لا تقتصر عمليات توظيف الأموال الوهمية على المنصات المجهولة، إذ تتخذ أحيانًا شكل شركات لها مقار وسجلات تجارية، كما حدث مع أدهم محمد الذي استثمر مليون و80 ألف جنيه لدى شركة في منطقة الشيخ زايد بمحافظة الجيزة، وعدته بعائد شهري قدره 180 ألف جنيه من الاستثمار في الذهب.
حصل أدهم على أرباح خلال أشهر أغسطس وسبتمبر وأكتوبر 2025، قبل أن تتوقف المدفوعات، ويرفض مالك الشركة إعادة أصل المبلغ، وذلك بعدما حذرت الهيئة العامة للرقابة المالية من التعامل معها في بيان نشرته في يناير 2026، وأدرجتها ضمن القائمة السلبية للشركات التي تتلقى أموالًا دون ترخيص وفق القانون رقم 146 لسنة 1988.
وبحسب أدهم، أغلق المالك الشركة وسجلها التجاري، ثم أسس شركة مساهمة جديدة وطالب المستثمرين بسحب عقودهم القديمة، فيما تعرض بعضهم لضغوط للانضمام إلى الشركة الجديدة مقابل استعادة أموالهم، ويقول أدهم لـ"فكر تاني"، "أنا الحقيقة طلبت فلوسي، فرفض يرجعها، وفيه ناس كتير أجبرهم يدخلوا معاه في الشركة الجديدة، وإلا مش هياخدوا فلوسهم، وبعت لنا تهديدات على الواتس إن اللي هيتكلم هيحبسه".

ويتجاوز عدد المستثمرين المتضررين 400 مشترك، بلغ استثمار أحدهم 6 ملايين جنيه، فيما تبدأ مبالغ بقية المستثمرين من 100 ألف جنيه، بحسب محضر رسمي حرره 6 متضررين استنادًا إلى عريضة قدمتها مؤسسة "ذكري للمحاماة" في أغسطس 2026.
وقد بدأت تجربة أدهم بإعلان على فيسبوك يعد بعوائد ثابتة وسريعة من الاستثمار في الذهب والدواجن، ثم زار مقر الشركة بعدما علم أنها تعمل منذ عامين، ودفعته الأرباح التي حصل عليها مستثمرون سابقون إلى بيع عقاره وسيارته لتوفير أمواله، ويقول "دخلت معاه بناءً على كلام بعض المستثمرين إنه بيدفع أرباح فعلية، وبعد 4 شهور هرب بره مصر".
التداول غير المشروع على المستوى العالمي
يتراوح عدد شركات التداول والوساطة المالية المرخصة في مصر بين 118 و131 شركة، تعمل في السمسرة داخل البورصة المصرية تحت إشراف الهيئة العامة للرقابة المالية، بينما يحظر قانون البنك المركزي رقم 194 لسنة 2020 إصدار العملات الرقمية وتداولها محليًا، رغم استمرار نشاط منصات تتعامل بها بصورة غير مشروعة.
وعالميًا، يبلغ عدد منصات التداول المالي الموثقة 6609 منصات، وفق بيانات "ريفينيو بيس" المتخصصة في رصد بيانات الشركات وجهات الاتصال المهنية، وترتبط هذه الشركات بنحو 321988 جهة اتصال و71366 بريدًا إلكترونيًا مهنيًا، فيما يقع معظم المنصات المذكورة في العاصمة البريطانية لندن، وتُعد الهند من أكبر أسواق التداول.
وتكشف دراسة بعنوان "أهم الاتجاهات التي شكلت سوق العملات المشفرة غير المشروعة في عام 2024" عن وصول حجم التجارة غير المشروعة بالعملات المشفرة إلى 58.7 مليار دولار خلال 2025، بينما تجاوزت قيمة معاملات العملات الرقمية 10.6 تريليون دولار في 2024، بزيادة 56% مقارنة بعام 2023، بعدما بلغت المعاملات غير المشروعة 49.6 مليار دولار في 2022.
ورصدت الدراسة استحواذ منصتي "جارانتكس" و"نوبيتكس"، وهما من أكبر بورصات العملات المشفرة في روسيا وإيران، على نحو 85% من التدفقات المالية الواردة من جهات وكيانات خاضعة للعقوبات، كما تناولت استهداف الولايات المتحدة كيانات متهمة بالتهرب من العقوبات وغسل الأموال عبر العملات الرقمية، وإصدار مكتب مراقبة الأصول الأجنبية 13 تصنيفًا للعقوبات شملت نحو 86 عنوانًا للعملات المشفرة المرتبطة بأنشطة غير مشروعة.
كيف تنتقل الأموال إلى الخارج
يوضح مصطفى العجمي، وهو مبرمج، أن القائمين على منصات تداول العملات الرقمية خارج مصر ينقلون الأموال التي يحصلون عليها من الضحايا إلى حسابات ومحافظ إلكترونية مرتبطة بمنصات تداول مركزية، منها "بينانس"، تمهيدًا لتحويلها إلى أصول أو محافظ أخرى، ويقول لـ"فكر تاني" إن المحتالين يجمدون حسابات المستخدمين بعد تحقيق الأرباح المستهدفة، ثم ينقلون الأموال إلى حساباتهم، مضيفًا "مش شرط يقدموا دليل على مسار شرعية فلوسهم".
وتختلف هذه الممارسات عن التداول داخل البورصة المصرية، الذي يخضع لقواعد تشمل تخصيص أكواد موحدة للمستثمرين وربط بياناتهم الرسمية بسجلاتهم التجارية، وإجراء جلسات التداول من الأحد إلى الخميس في مواعيد محددة، إلى جانب إجراءات مكافحة غسل الأموال والرقابة الدورية على شركات الوساطة وإلزامها بالحفاظ على رأس مال سائل يتناسب مع التزاماتها.
ويقترح محمود عرابي استخدام الذكاء الاصطناعي لرصد الأنماط المالية غير المعتادة، من خلال مراقبة الحسابات التي تجري مئات المعاملات المتتالية بصورة مفاجئة ثم تحول الأموال إلى محافظ تداول، مع تفعيل أنظمة المراقبة لدى وحدات مكافحة غسل الأموال، ويقول إن "مراقبة الأنشطة الشاذة للحسابات وتجميدها آليًا لإجراء فحوص أمنية مستعجلة حل تقني لوقف نشاط أكبر عدد من المنصات الوهمية".
لكن تتبع الأموال وملاحقة المحتالين لا يكفيان وحدهما لإنهاء المأزق، فما حدث مع بسمة يكشف كيف يتحول السعي إلى استرداد المدخرات إلى باب جديد للخسارة. وتظل مواجهة هذه الشبكات مرهونة بملاحقة مسارات الأموال وتحذير الضحايا من سماسرة الاسترداد، لكنها تتطلب أيضًا فهم ما يجعل وعود «المليون في أسبوع» مغرية إلى هذا الحد. فحين تضيق سبل العيش وتتسع الفجوة بين الطبقات وتتراجع فرص الترقي الاجتماعي بالعمل، يبدو الثراء الخاطف مخرجًا لبعض الناس، خصوصًا حين يرون آخرين يجمعون الثروة سريعًا من صناعة محتوى ترفيهي رائج، لتظل الأرباح الوهمية قادرة على استدراج ضحايا جدد ما دامت هذه الظروف قائمة.