في سهرة رمضانية ظهرت ممثلة كوميدية بزي فتاة سودانية، وبالغت في تقليد لون البشرة واللهجة أمام الكاميرا. مرت الفقرة في دقيقة وعاد البرنامج إلى مساره. حملة غاضبة قادها سودانيون على صفحتها انتهت باعتذار سريع، وصفته صاحبته بأنه «مجرد كوميديا»، وكأن الوصف يمحو ما جرى، وكأن الجرح الذي شعر به آخرون مجرد سوء تقدير للمزاح.
أدق تعليق على الواقعة جاء من متابع لخصها بجملة واحدة: كوميديا لم يضحك منها أحد. الجملة ساخرة ومريرة معا، لأنها تكشف حيلة قديمة: يكفي أن يوضع الاحتقار في قالب مضحك حتى يصبح ترفيها لا يحاسب عليه أحد، ولا يشعر أحد بأنه شريك فيه. هكذا تعمل العنصرية حين تتخفى: بلا شعارات ولا عداء معلن.
لا تعنيني الممثلة بحد ذاتها، ولا البرنامج. تعنيني اللحظة التي يتحول فيها التنميط العنصري إلى مادة مقبولة اجتماعياً ما دامت مغلفة بضحكة. هذه اللحظة ليست هامشاً في حياتناً، بل مفتاح لفهم بنية أوسع بكثير مما تعرضه الشاشة في دقيقة عابرة، ويصعب على الوعي الجمعي أن يراها أصلا.
أقرأ الواقعة هنا بمنهج ثلاثي الخطوات: أرصد ما يجري في تفاصيل الحياة، وأبحث عن جذره النفسي والاجتماعي والسياسي، ثم أنقد الخطاب الذي يقول شيئاً ويفعل نقيضه. وحين يسعفني الاطلاع على الأرقام والدراسات أستدعيها، وحين لا تسعفني أسمي الأشياء بأسمائها، فالتهذيب الزائد في هذا المقال صورة أخرى من الإنكار. فمن يكتب عن التناقض ولا يلتفت إلى نفسه فيه يكرر التناقض ذاته.
النكتة تعمل في الخفاء
من منا لم يجلس في جمعة عائلية أو عزومة أصدقاء، ثم سمع نكتة عن الصعيدي البليد أو النوبي الخادم؟ يضحك الجميع، ويمسح أحدهم دموعه من فرط الضحك، ويكمل الحديث كأن شيئا لم يقع. هذا المشهد المألوف هو المختبر الحقيقي لفكرة المساواة التي نرددها في الخطب، وهو مختبر لا يفشل فيه أحد علناً لأن أحداً لا يراقبه.
تصف دراسات النكتة العرقية هذا النوع بأنه قالب لغوي يستهدف فئة بعينها بذريعة المرح، فيتحول التنميط إلى ضحك جماعي بدل أن يواجه فكرة عنصرية. والخدعة نفسية بامتياز: الفكرة ذاتها لو قيلت بجدية لأثارت الرفض، أما في ثوب هزلي فيشارك فيها الجميع دون أن يشعروا بأنهم شاركوا.
الضحك هنا يعمل كتوقيع جماعي لا يحمل اسم أحد.
أعرف الحجة الجاهزة: الفكاهة المصرية سلاح قديم. وهذا صحيح، فقد استخدمها المصريون عقودا لتفريغ الغضب من القهر السياسي والاقتصادي. لكن السلاح ذاته يمكن أن يدار في الاتجاه المعاكس، فيتحول الضحك من حيلة الضعفاء ضد السلطة إلى أداة الأقوياء لتثبيت غيرهم في مكانهم، وهو تحول لا يعلن عن نفسه ولا يحتاج إلى قرار. ومن هنا تبدأ الخطورة.
لذلك لا أرى السؤال عن النكتة ترفاً أخلاقياً. النكتة جهاز إنذار مبكر للتراتبية الاجتماعية: قل لي على من تضحك أقل لك من تعده أدنى منك. ومجتمع يدعي أنه نسيج واحد ثم يوزع ضحكاته بهذا الانتقاء لن يقنعني بأنه لا يعرف الفرق بين أبنائه، ولا بأن الصدفة وحدها تقرر من يصلح مادة للسخرية.
اعتذار يحمي صاحبه
لاحظ نمط الاعتذارات بعد كل واقعة تنمر عنصري: «لم أقصد الإساءة»، «كانت مزحة بريئة»، «أنا شخصيا لا أفرق بين أحد». صياغات تتكرر حرفياً تقريباً، وتحمي صاحبها من المواجهة أكثر ما تعالج الأذى. ولو كانت صادقة لاختلفت لغتها من حالة إلى أخرى، كما تختلف الحقيقة من موقف إلى آخر. وهي لا تشبه أي مصالحة حقيقية مع النفس.
الأمر ليس كذباً واعياً في الغالب، بل أقرب إلى التنافر المعرفي الذي وصفه ليون فستنغر: توتر يصيب الإنسان حين يصطدم اعتقاده عن نفسه بسلوكه الفعلي. من نشأ على أنه متسامح بالفطرة يصعب عليه أن يرى في مرآته وجها آخر، فيختار أن يكسر المرآة بدل أن يغير ملامحه. وهذا التوتر لا يزول بالتجاهل، بل يبحث عن مخرج بديل.
والحل الأسهل نفسياً أن يدافع عن صورته لا أن يراجعها، فـالعقل ينجذب تلقائيا نحو تبرير قراراته وتجاهل ما يناقض قناعاته الراسخة. مراجعة الصورة تعني إعادة تعريف الذات، وهذا ثمن لا يقبل كثيرون دفعه أمام الجمهور، ولا حتى أمام أنفسهم في الخلوة. لذلك يبدو الإنكار أرخص الحلول وأكثرها إغراء. وهكذا يتحول الدفاع إلى عادة.
ومن هنا تلك الدهشة الصادقة، الممزوجة بغضب حقيقي، حين نتهم بالتحيز: «عندي أصدقاء أقباط»، «بيتي مفتوح للجميع»، «مصر بلد الأزهر والكنيسة». يبدو الاتهام بالعنصرية أثقل على صاحبه من العنصرية نفسها، ولهذا تظل المراجعة الذاتية أندر الأفعال وأشدها كلفة، وأحوجها إلى مجتمع لا يعاقب من يعترف بل من يخفي.
أرقام تفضح الشعار
الخطاب الرسمي عن تمكين المرأة يتكرر في كل مناسبة وطنية، لكن الأرقام تحكي قصة أخرى. تشير البيانات الأولية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2024 إلى أن البطالة بين النساء بلغت 17.1 % مقابل 4.2 % فقط بين الرجال، وهي فجوة تتجاوز أربعة أضعاف، رغم كل ما قيل عن المساواة الاقتصادية. أي خطاب يصمد أمام رقم كهذا دون أن يحتاج إلى تفسير؟
سياسياً الصورة أقسى: بحسب المركز المصري لحقوق المرأة تراجع تمثيل المرأة في الحكومات المتعاقبة من 26 % عام 2019 إلى 13.3 % عام 2024. حين يصطدم الخطاب بتوزيع السلطة الفعلي يتقهقر بصمت، بلا بيان ولا اعتذار، وكأن شيئا لم يكن قد وعد به أصلاً، وكأن الخطب السابقة كانت تخص بلداً آخر. ولا يسأل أحد لماذا اختفت الوعود من المقاعد نفسها.
وتتكرر المفارقة مع أصحاب المهن اليدوية: يمجد «العامل البسيط» في الأغاني الوطنية، ويستبعد أبناؤه من دوائر بعينها في الزواج والعمل والسكن، بمعايير غير مكتوبة يعرفها الجميع ولا يعترف بها أحد. القانون يقول شيئاً، والعرف يقول أشياء، والناس يطيعون العرف لأنه هو من يزوج ويوظف ويؤجر الشقق. ومن يخرق هذه القواعد الخفية يدفع ثمناً اجتماعياً مؤكداً.
حتى العدد نفسه يحمل دلالة. منذ تعداد 1986 لم تعلن الدولة رقماً رسمياً لعدد الأقباط، إذ جعلت التعدادات اللاحقة خانة الديانة اختيارية، فصارت التقديرات تتراوح بين 6 و18 % من السكان حسب الجهة المتحدثة. غياب رقم رسمي تفصيل صغير يفسر لماذا يبقى الاعتراف الدقيق بالتنوع أصعب من ترديد شعاره. من لا يعرف كم عدد من يتحدث عنهم، كيف يخاطبهم بالمساواة؟
الدولة تدير الملف ولا تفتحه
الدراما التي كانت يوماً نافذة لتقديم الآخر بعمق إنساني استقرت كثيراً على الصورة الجاهزة: البواب نوبي أو صعيدي، والتاجر الجشع من طائفة بعينها، والفتاة القبطية إما راهبة صامتة أو ضحية غامضة. والتغطية الإعلامية تكرر الصور ذاتها مع ذوي البشرة السمراء من غير المصريين، فتدخل الصورة إلى اللاوعي قبل أن يسميها المشاهد تمييزاً. ثم نستغرب أن تبقى الصورة حية.
المشكلة ليست في شخصية نمطية واحدة، بل في غياب بديل يوازنها. حين يتكرر النمط عقداً بعد عقد بلا منافس، يتحول من اختيار درامي إلى تربية بصرية جماعية. وتكمل المدرسة الدور حين تردد عبارات التآخي دون أن تفتح نقاشاً نقدياً عن تاريخ التمييز الفعلي، فيكبر الطفل وهو يحفظ الدرس ولا يعرف الواقع. فنحن نتعلم التسامح شعاراً ونتعلم الفرز ممارسة.
سياسياً، وجدت الأنظمة المتعاقبة في خطاب الوحدة الوطنية أداة مريحة. الاعتراف بخلل بنيوي يعني الاعتراف بفشل التنمية غير المتكافئة وقصور التمثيل السياسي، وهذا مكلف. فيسهل اعتبار كل حادثة طائفية واقعة فردية معزولة تسلم لجهات أمنية تعيد الهدوء، وتبقى الجروح مفتوحة تحت السطح بينما يواصل الخطاب الرسمي ترديد التلاحم كأن شيئا لم يحدث. وبذلك يصبح الأمن بديلا عن السياسة.
وفي تحليلي أرد جزءاً من الفجوة إلى تاريخ الدولة الحديثة: خرجنا من تجربة استعمارية إلى بناء وطني متعجل، فاستعرنا لغة المواطنة من النخب قبل أن ترسخ في وعي الناس. هكذا نشأت مسافة بين لغة سياسية متقدمة ووعي اجتماعي متأخر عنها، وفي هذه المسافة يعيش التناقض ويتكاثر، لأن أحداً لا يملك مصلحة في ردمها.
ما تكشفه المنصات
لم تخلق "السوشيال ميديا" التمييز، لكنها وثقته. المجلس المغلق الذي كانت تقال فيه النكتة العنصرية بأمان صار منشوراً يستدعى بعد سنوات، وصار ممكناً أن يواجه شخص بتغريدة كتبها قبل عقد، أو بتعليق ساخر ترك تحت منشور عن طائفة بعينها، وهذا وحده كفيل بأن يقلق كثيرين ممن ظنوا أن الكلام يذهب مع الهواء. وهذا تحول جوهري في ميزان القوة.
وفي المقابل صار بوسع من كان مادة للنكتة أن يروي تجربته بصوته. حملات المطالبة بحقوق النوبيين وتوثيق العنصرية الإعلامية ضدهم انتقلت من الهمس إلى منشورات علنية واسعة الانتشار. الرواية لم تعد حكراً على من يتكلم نيابة عن غيره، وهذا تحول لا ينبغي الاستهانة به. فالشاب النوبي أو الفتاة القبطية أو ابن الصعيد يتحدث اليوم بلا وسيط ولا مترجم.
غير أن المنصات أنتجت نمطاً جديداً من الإنكار: اعتذار شكلي يحفظ ماء الوجه دون مراجعة حقيقية، بعبارات عامة عن سوء الفهم ونية المزاح. المنصة تكشف الفعل، لكنها لا تجبر أحداً على مواجهة معناه، ولذلك يمر كثير من هذه الوقائع بلا أثر يذكر، وتنتهي الحملة بعد أيام كما تنتهي الموضة.
ومع ذلك ثمة بذرة أمل. جيل أصغر يسأل عن تمثيل الأقليات في الدراما، وعن غياب اللهجات الإقليمية إلا في سياق كوميدي مبتذل. أسئلة تبدو متفرقة، لكنها تراكم بطيء، بينما تبقى وقائع يومية موثقة عن إقصاء صامت في وظائف بعينها شاهداً على أن المسافة بين الميكروفون والممارسة لم تقصر كثيراً. لذا يجب الرهان على هذا التراكم أكثر من الرهان على الخطب.
ما بعد الصمت
الاعتراف العلني بالجرح شرط لأي شفاء، ومن مصلحة الجميع أن يتكلم، إلا أن العكس تماماً ما يحدث، فمن يتكلم يتهم ومن يصمت يكافأ. لذا يفضل غالباً الصلح العرفي الذي يعيد هدوءاً سطحياً دون أن يمس جذر المشكلة، وأحياناً دون عدالة كافية للضحية. وفي هذا الحل درس ضمني بأن السلم أهم من الحقيقة وأن الصمت أفضل من المواجهة، والتجارب المقارنة تقول إن سلماً لم يبن على اعتراف يتصدع عند أول اختبار، كما يتصدع جدار بني فوق شق لم يسد.
الخطاب المفرط في تكراره جزء من المشكلة، لأنه يمنح المجتمع مناعة زائفة ضد النقد الذاتي، ويجعل كل من يفتح نقاشاً صريحاً متهما بالفتنة. لذا المطلوب مناهج تكتب تاريخ التنوع بلا تجميل، وإعلام يقدم الآخر بتعقيده الكامل، وسياسات تعالج التفاوت بين الأقاليم بوصفه جزءاً من عدالة المواطنة لا ملفاً اقتصادياً منفصلاً. وهذا مسار طويل ومرهق، لكنه الوحيد الذي يجعل الشعار حقيقة.
ولا بطل هنا ولا شرير، كلنا شركاء: بصمتنا حين تروى النكتة، وباختيارنا الجار والزوج والموظف بمعايير لا نعلنها، وبارتياحنا لخطاب الوحدة كلما ثقلت الحقيقة.
التسامح ليس صفة وراثية تولد بها الشعوب، بل ممارسة يومية شاقة تحتاج إلى تجديد مستمر. ما نحتاجه أقل من بطولة وأكثر من عادة. فمتى كانت آخر مرة قلنا فيها لصاحب النكتة: «لا تكمل»؟