بشكل متسارع، اتخذت العلاقات المصرية الإثيوبية منحنى جديدا من التوتر، بعد تبادل أديس أبابا والقاهرة طرد الدبلوماسيين، على خلفية اتهام الأولى لمصر والسودان وإريتريا بشكل مباشر بالوقوف وراء دعم الجماعات المناهضة لحكومة آبي أحمد في ظل اشتعال حدة المعارك في شمال إثيوبيا.
مع اتساع دائرة المواجهات بين الحكومة الإثيوبية والجماعات السبع في مقدمتها جبهة تحرير تيجراي التي أعلنت تحالفها لأول مرة لإسقاط حكم حزب الازدهار بقيادة آبي أحمد، وجهت إثيوبيا أصابع الاتهام إلى جارتها إريتريا ومصر والسودان بتقديم الدعم لإقليم تيجراي، اتهامات نفتها الدول الثلاث لكن كرة الثلج تدحرجت بشكل سريع. طردت أديس أبابا 10 دبلوماسيين إريتريين واعتبرت شخصا بالسفارة المصرية غير مرغوب فيه، لترد القاهرة بالمثل وتعلن أسمرة كذلك قطع العلاقات مع أديس أبابا.
يلقي التصعيد في منطقة القرن الإفريقي بظلاله على العلاقات المصرية الإثيوبية المتوترة بالأساس، إذ جاءت اتهامات دعم إقليم تيجراي وما صاحبها من إجراءات تخفيض مستوى الدبلوماسية في خضم تصعيد إعلامي بين البلدين أعاد ملف سد النهضة إلى الواجهة من جديد. تطورات عكست بحسب خبراء ودبلوماسيين مرحلة غير مسبوقة في التوتر في العلاقات لتفرض الأسئلة نفسها عن مدى تأثيرها على مفاوضات سد النهضة المتجمدة وكذلك احتمالات دخول البلدين في حرب باردة طويلة؟
التوتر الدبلوماسي بين مصر وإثيوبيا وإن وصل لذروته اليوم لكنه ليس وليد اللحظة، وسواء اتهمت أديس أبابا القاهرة بدعم خصوم آبي أحمد في إقليم تيجراي أو تقويض مساعيها للحصول على منفذ بحري وتطويقها دبلوماسيا بالتعاون المتزايد بين مصر وإريتريا والصومال، لكن صلب الخلاف بين البلدين لم يراوح مكانه يتمحور حول سد النهضة في ضوء عدم التوصل إلى اتفاق فني ملزم بالحفاظ على الحصص التاريخية لدول المصب، وإمعان إثيوبيا في تبني سردية السيادة على نهر النيل.
انتقال الأزمة الإثيوبية إلى نطاق إقليمي يراه الدكتور سعد الزنط، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية، محاولة من حكومة آبي أحمد للهروب إلى الأمام وخلط الأوراق بين الملفات، حيث تلقي العلاقة المتوترة بين القاهرة وأديس أبابا منذ سنوات طويلة بخصوص ملف سد النهضة بظلالها على الخطاب الإثيوبي اليوم في تقديراته بوجود دعم خارجي من قوى إقليمية لدعم القوى العرقية المتحالفة ضد نظام الحكم في أديس أبابا.
ونفت مصر غير مرة تدخلها في الشأن الإثيوبي الداخلي مؤكدة تفضيلها الحلول الدبلوماسية عن العسكرية لحل الخلافات القائمة حول استخدام الموارد الطبيعية، لكن التصعيد الدبلوماسي الأخير على خلفية أزمة إقليم تيجراي يتوقع المحلل السياسي سعد الزنط في حديثه لـ"فكر تاني" أن ينعكس بشكل أو بآخر على شكل العلاقة بين البلدين لفترة ويزيد الأمور تعقيدا في ملف مفاوضات سد النهضة المتجمدة من الأساس منذ إعلان إثيوبيا افتتاحه رسميا.
وافتتحت أديس أبابا سد النهضة الكبير رسميا في سبتمبر 2025 بعد 14 عاما من الشروع في بنائه، إلا أن الجدل الذي رافقه على امتداد سنوات بنائه تواصل بعد دخوله الخدمة، في ظل عدم توصل الأطراف الثلاثة المعنية بهذا السد "إثيوبيا والسودان ومصر" إلى صيغة توافقية تتعلق بطريقة الملء والتشغيل في سنوات الجفاف.
وعاد التوتر إلى هذا ملف سد النهضة بعد تبادل القاهرة وأديس أبابا التصريحات الإعلامية حول السيادة على نهر النيل واعتزام الأخيرة بناء سدود جديدة مطلة على النهر الأزرق، ليرد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم، في حديث مع عدد من ممثلي وسائل الإعلام الأجنبية، شدد فيه عدم مشروعية السد الإثيوبي وفق المعايير الدولية، وأشار إلى أن مصر لن تهدر 15 سنة أخرى في التفاوض غير المجدي مع أديس أبابا التي انتهت دون التوصل إلى اتفاق فني ملزم بقواعد ملء وتشغيل سد النهضة، ملمحا إلى اتخاذ إجراءات يتيحها القانون الدولي للدفاع عن أمنها المائي.
رسالة تكررت أيضا على لسان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، بشكل أكثر مباشرة وأمام حشد من ممثلي غالبية دول العالم، خلال كلمة مصر في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، بتأكيده على أن الأمن المائي قضية وجودية لا تحتمل المساومة، ولمصر حقها المشروع والمكفول في ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي في حمايته.
ليست هذه المرة الأولى التي يلوح فيها مسؤول مصري باتخاذ إجراءات من هذا النوع كلما اقترن ذلك بالأمن المائي المصري أو تصاعدت المخاوف من عجز مائي ملح مرتبط بمصادرنا الأساسية، لكنها تكتسب زخما في ظل تزايد وتيرة السجال الحكومي بين إثيوبيا ومصر بشأن كيفية إدارة الموارد المائية بين البلدين بعد الافتتاح الرسمي لسد النهضة.
حملة دبلوماسية مكثفة
يشير مختصون ومسؤولون دبلوماسيون سابقون تحدثوا لـ"فكر تاني" إلى أن تغير لهجة الخطاب المصري الموجه ضد إثيوبيا سواء من المنصة الأممية أو في لقاءات وزيري الري والخارجية مؤخرا تعد جزءا من حملة دبلوماسية وإعلامية انطلقت لتكثيف الرسائل وكسب مساحات دولية وإقليمية تدعم مواقفها التاريخي والقانوني في ملف المياه وتسويق فكرة الدفاع الشرعي عن حقها في حماية الأمن المائي، إلا أن الخبراء قللوا في الوقت ذاته من احتمالات اللجوء إلى الحل العسكري في الوقت الراهن.
مديرة البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية أماني الطويل ترجع إثارة المسؤولين المصريين ملف المياه من جديد لترسيخ الرواية المصرية في الساحة الدولية عن وضع السد الإثيوبي واحتمالات تضرر القاهرة من أي إجراءات غير محسوبة وممارسة مزيد من الضغوط على حكومة آبي أحمد دون الانزلاق إلى تلاسن حاد معها.
لا تعتقد الطويل في تصريحاتها لـ"فكر تاني" أن القاهرة وإن غيرت نبرتها قد تخلت عن نهجها الدبلوماسي في التعامل مع إثيوبيا، كونها مازالت مرحبة بأي مبادرات غربية سواء كانت الأمريكية أو الإيطالية مؤخرا للتوصل إلى اتفاق فني، لكنها تسعى في الوقت ذاته إلى تكثيف الضغوط على جميع الأصعدة وهو ما تكلل ببناء شراكات مع إريتريا والصومال في محاولة لتطويق نفوذها وطموحاتها بالحصول على منفذ بحري.
وسبق أن اتهمت إثيوبيا مصر قبل أشهر بالسعي لتقويض جهودها لتأمين الوصول إلى البحر الأحمر، وممارسة ما وصفته بالضغوط والمضايقات المتعددة، وذلك بعد توقيع القاهرة اتفاقية تعاون بحري مع إريتريا الجارة التي ترتبط بتاريخ طويل من العداء مع أديس أبابا.
العلاقة وإن كانت تمر بمرحلة حرجة وتشهد تصعيدا دبلوماسيا غير مسبوق لكن السفير صلاح حليمة، نائب وزير الخارجية الأسبق، يرى أن التوتر لا يعني بطبيعة الحال قطع العلاقات كاملة أو تصفير المعادلة بتصعيد عسكري، المشهد بالنسبة لعضو مجلس الشؤون الإفريقية مختلف عن علاقة أديس أبابا بإرتيريا حيث جارة تربطها تاريخ ونزاعات عكس العلاقة مع القاهرة التي تتخذ شكلا مختلفا.
شكل آخر من الضغوط المصرية على إثيوبيا بدأ يتشكل مؤخرا بتسليط وزير الري المصري الضوء على استخدامات سد النهضة نفسه والتشكيك في الجدارة الفنية به من خلال توجيه الطاقة الكهربائية المولدة منه لصالح الشركات النشطة في مجال تعدين البتكوين بدلا من إنارة بيوت الإثيوبيين.
ساهم سد النهضة في رفع إجمالي القدرة التوليدية للطاقة في إثيوبيا، التي تتجاوز حاليا 9730 ميجاواط، لكن ثلث الإجمالي يذهب إلى شركات تعدين العملات الرقمية المشفرة "البيتكوين" التي حولت وجهتها إلى أديس أبابا بفضل تكاليف الكهرباء الرخيصة، لكن هذا المسار يواجه تعقيدات ربما لا تظهر في الوقت الحالي في ضوء التقديرات بحصول إثيوبيا على نحو 122 مليار متر مكعب سنويًا من المياه، لكن استمرارها في استهلاك كميات كبيرة من المياه قد يصبح أكثر تكلفة عندما تتراجع قدرة السدود على التوليد.
تشير مديرة البرنامج الأفريقي أماني الطويل إلى أن الخطاب المصرى يعتمد بشكل أساسي في الوقت الحالي على التشكيك في الجدارة السياسية لإدارة السد سواء بالعمل بشكل أحادي والتأثير المحتمل على دول المصب والجدارة الفنية للسد في توجيه موارده لصالح صناعات تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء المولدة منه.
هل تأثرت مصر بسد النهضة؟
حتى الآن لم تتقلص الحصة السنوية التي تصل إلى مصر من النيل الأزرق والتي تقدر بـ 55.5 مليار متر مكعب، لكن بالنسبة لدولة شديدة الجفاف تعتمد في 98% من مواردها المائية على نهر النيل يمثل هذا مصدر خطر دائم إذا تناقصت حصصها في أي مرحلة من مراحل تشغيل سد النهضة وتحديدا في سنوات الجفاف في ظل اقترابنا من حد الندرة المائية المطلقة البالغ 500 متر مكعب للفرد سنويا.
يوضح أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة الدكتور عباس شراقي أن سنوات الملء كانت المرحلة الأكثر خطورة لحاجة إثيوبيا إلى تخزين كميات هائلة من المياه في السد الذي تصل سعته التخزينية 74 مليار متر مكعب دون تصريفها، لكن مع تخزين الكميات المطلوبة تراجعت المخاطر وبقت الخلافات حول آلية التشغيل وتحديدا إعادة الملء في سنوات الجفاف حتى لا يؤثر ذلك على حصة مصر من المياه.
من وجهة نظر شراقي، ما يثير قلق مصر ويجعلها تتحرك من جديد هو الحديث الإثيوبي عن التحكم في تدفق المياه باعتبارها دولة المنبع والتلويح من بعض المسؤولين السابقين بتسعير المياه لدول المصب السودان ومصر، وكذلك الكشف عن بناء 3 سدود جديدة على النهر الأزرق.
يشكك شراقي في حديثه لـ"فكر تاني" في قدرة إثيوبيا على بناء سدود جديدة في توقيت واحد بالنظر إلى الكلفة الاقتصادية الهائلة بعد بناء سد ضخم احتاج قرابة 5 مليارات دولار، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن بناء مزيد من السدود على النهر الأزرق أو في الأنهار القريبة منه يهدد بلا شك الحصص المائية لمصر إن حدث ذلك بدون تنسيق وتوافق بين البلدين على غرار سد النهضة.
تغيير الاستراتيجية
أمام جمود المفاوضات واتهام مصر لإثيوبيا بالتعنت والهروب من الالتزام بأي اتفاقيات ملزمة، يرى البعض إلحاحا في تغيير استراتيجية النفس الطويل، مساعد وزير الخارجية الأسبق معصوم مرزوق واحد ممن يتبنون هذا الطرح، إذ يرى أن القاهرة باتت مطالبة الآن بتغيير أسلوبها وتفعيل أدواتها الدبلوماسية وإظهار قدراتها العسكرية أكثر من أي وقت مضى لزيادة الضغط على أديس أبابا.
وبرأي مرزوق، فإن الحكومات المصرية المتعاقبة استغرقت وقتا طويلا في التفاوض بنوايا حسنة وعدم مواصلة الضغط الدولي للتوصل إلى اتفاقية فنية ملزمة تضمن عدم المساس بحصة مصر التاريخية، مشيرا إلى أن اللجوء إلى الوسائل العسكرية وإن كانت أكثر كلفة بالنسبة لصانع القرار لكنها ستظل آخر الأوراق أمام القاهرة إذا استنفدت الدبلوماسية وقتها إذا وجدت نفسها أمام تحد مائي يصعب التغلب عليه.
تستبعد مصر منذ بداية التفاوض مع الإثيوبيين فكرة اللجوء أو حتى التلويح علانية باستخدام القوة العسكرية لإنهاء هذا النزاع، لكن السفير صلاح حليمة، مساعد وزير الخارجية الأسبق، يشير إلى أن اللغة الخشنة ليست بعيدة عن الحسابات المصرية طالما بقيت التهديدات قائمة أو في حال أقدمت أديس أبابا على خطوة احتجاز المياه في بحيراتها.
غير أن التوقيت ليس مناسبا للإقدام على تحرك عسكري ضد إثيوبيا بالنسبة للباحثة بالشأن الأفريقي أماني الطويل، لحاجة هذه الخطوة إلى تحضيرات إقليمية ومساندة من حلفاء مصر في وقت يمر الإقليم بلحظة تصعيد غير مسبوقة على أكثر من جبهة سواء في إيران أو اليمن، وكذلك شكل التحالفات العسكرية التي قد تنشأ بمجرد نشوب هذا الصراع، فالسؤال حينها لن يكون متى أو كيف سنطلق الرصاص بل ماذا سيحدث بعد إطلاق الرصاصة الأولى؟.
هذا ما ذهب إليه أيضا الباحث سعد الزنط الذي يرى أن وقت التفكير في ضرب سد النهضة بعد اكتمال عملية بنائه قد ولت وقد ترى مصر في ذلك خطرا على السودان ما يضيق بالخيارات المصرية في التعامل مع هذا الملف.
وتابع الزنط: "مصر تعاملت مع ملف سد النهضة بصبر استراتيجي طوال العقد الماضي وصانع القرار كان يعول على نجاح المفاوضات في تليين الموقف الإثيوبي لكن اتضح العكس أن المفاوض يريد التهرب من مسؤولياته التاريخية وهو ما يجعل مصر تضغط في جميع المنابر لانتزاع مكاسب بالدبلوماسية".
الضغط الدولي ودفع المفاوضات عبر وسيط دولي مثل الولايات المتحدة التي سبقت وأن دعت لرعاية مفاوضات جديدة بين البلدين قد يكونا من الحلول الماثلة أمام الحكومة المصرية لإحداث اختراق دبلوماسي لتجاوز الخلاف والتوقيع على اتفاقية ملزمة في نهاية المطاف، هذا ما يعتقده السفير صلاح حليمة في وقت تبدو الدبلوماسية غير قادرة حتى الآن على تحقيق اختراقات بل وتتدهور العلاقة إلى الأسوأ على وقع أزمات القرن الإفريقي.