كان القرن الإفريقي يغلي على صفيح ساخن بالتوترات الجيوسياسية والنزاعات الإقليمية المتداخلة، التي أجادت تركيا مؤخرًا استغلالها برعايتها اتفاق إثيوبي-صومالي، ينهي الصراع على النفوذ والنفاذ إلى البحر الأحمر، عبر صوماليلاند.
محاولة جادة تبدو من ملامحها الأولى أنها عالجت ملفًا شائكًا ظل يؤرق المنطقة لعقود، حتى وصل حد التهديد العسكري بين أديس أبابا ومقديشو. لكنه يبقى اتفاقًا غامضًا في ظل غياب تفاصيله، وحضور تعقيدات متأصلة في المشهد السياسي والاقتصادي، تلقي بظلال من الشك على إمكانية تحقيق الاستقرار المنشود وتثير تساؤلات حول التحديات المستقبلية التي ستواجه هذه المنطقة الحيوية، خاصة وأن مصر طرف فاعل في هذه الأزمة.

إثيوبيا.. الدولة الحبيسة
لقد كانت قضية الوصول إلى البحر الأحمر بمثابة وتر حساس في العلاقات الإثيوبية الصومالية منذ استقلال إريتريا عام 1993. حوّل هذا الاستقلال إثيوبيا إلى دولة حبيسة، وخلق تداعيات عميقة على اقتصادها، الذي أصبح يعتمد بشكل شبه كلي على ميناء جيبوتي لتلبية احتياجاته التجارية.
وعلى الرغم من أن جيبوتي لعبت دورًا حيويًا كشريان حياة لإثيوبيا، إلا أن هذا الاعتماد خلق تبعية اقتصادية ولوجستية جعلت أديس أبابا عرضة لتكاليف نقل مرتفعة، واختناقات في حركة البضائع، والأهم من ذلك، هيمنة جيوسياسية من قبل جارتها الأصغر.
لذا، فإنه طوال السنوات الماضية، سعت إثيوبيا جاهدة لتنويع خياراتها البحرية، ليس فقط لتقليل التكاليف، بل أيضًا لتعزيز أمنها القومي وتقليل اعتمادها على دولة واحدة.
وفي يناير من العام الحالي، وقعت أديس أبابا اتفاقًا مع أرض الصومال، المنطقة المستقلة ذاتيًا في الصومال. صوماليلاند، التي سعت للاعتراف الدولي لعقود، وتسيطر على الميناء الاستراتيجي في بربرة، وهو أصل رئيسي على طول طرق الشحن العالمية الرئيسية.
مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وصوماليلاند إلى أن إثيوبيا قد تفكر في الاعتراف رسميًا بصوماليلاند مقابل الحصول على وصول مميز إلى الميناء. بينما كان من المتوقع أن يؤدي ذلك إلى تنويع طرق التجارة في إثيوبيا، وقد أثار الحديث عن الاعتراف الإثيوبي بالدولة غير المعترف بها رد فعل عنيف من الصومال، التي ترى صوماليلاند جزءًا لا يتجزأ من أراضيها السيادية.
التصعيد الصومالي والتدخل التركي
وقد أخذ التوتر الصومالي الإثيوبي منحنى تصاعديًا، لتعلن الأولى في أبريل إبعاد السفير الإثيوبي وإغلاق قنصليتي إثيوبيا في منطقتي أرض الصومال وبونتلاند (اللتين تتمتعان بما يشبه الحكم الذاتي)، ومغادرة الدبلوماسيين والموظفين منهما في غضون أسبوعين. وعلل البيان الحكومي الصومالي الصادر آنذاك هذه الإجراءات بأن الحكومة الإثيوبية "تتدخل بشكل فج في شؤون الصومال الداخلية وتنتهك سيادته".
وفي غضون ذلك، شرع الرئيس حسن شيخ محمود في توطيد علاقات مقديشو بكل من القاهرة وأسمرة، وهما خصمان لدودان لأديس أبابا، ضمن مساعي بناء تحالف إقليمي جديد في القرن الإفريقي على أنقاض التحالف السابق بين إثيوبيا والصومال وإريتريا الذي دُشن قبل 6 أعوام، وكتبت مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال شهادة وفاته.
وفي إطار ذلك، استضافت أسمرة، العاصمة الإريترية، في أكتوبر الماضي، لقاءً ثلاثيًا جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الإريتري أسياس أفورقي بالرئيس الصومالي حسن شيخ محمود. وهو اللقاء الذي اختتم ببيان مشترك يؤكد على دعم وحدة وسيادة الصومال على أراضيه، وتطوير التعاون بين الدول الثلاث في كافة المجالات.
وسبق ذلك توقيع مصر والصومال اتفاقية أمنية وعسكرية في منتصف أغسطس الماضي، وإعلان الحكومة المصرية نيتها المشاركة في قوات البعثة الجديدة لحفظ السلام في الصومال "أوسوم"، المتوقع انطلاقها مطلع العام القادم. وفي خطوة تبرهن على العزم المصري لتعميق التحالف مع الصومال تتابع وصول معدات وأسلحة عسكرية مصرية إلى مقديشو، وهي خطوة أججت نيران الغضب في أديس أبابا.
وفي 11 ديسمبر الجاري، شهدت العاصمة التركية أنقرة ما وُصف بـ "المصالحة التاريخية" بين الصومال وإثيوبيا بوساطة تركية، وهو الأمر الذي وُصف بمحطة جديدة على طريق أنقرة الطويل في تعزيز حضورها داخل القارة الإفريقية.

مصر والنفوذ التركي بالمنطقة
وفي خضم ذلك، عبّرت مصر عن موقفها الرسمي من الأزمة في بيان صادر عن وزارة الخارجية في منتصف ديسمبر الجاري، أكدت فيه "دعم مصر الكامل للحكومة الفيدرالية في الصومال، ومكافحة الإرهاب، وتحقيق الأمن والاستقرار، ومواصلة التنسيق المشترك". وقد أشار هذا البيان بوضوح إلى أن مصر لن تتخلى عن دعمها للصومال في مواجهة المساعي الإثيوبية، وأنها عازمة على لعب دور فاعل في حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة.
وأيد هذا الطرح دبلوماسيون مصريون سابقون، وسط توقعات بوجود تفاهمات بين القاهرة وأنقرة في هذا الملف، خاصة في ظل العلاقات المتنامية التي تجمع مصر بتركيا والصومال.
لكن الدور التركي المتزايد في المنطقة لا يخلو من تحديات وتعقيدات.
أحد أبرز هذه التحديات يتمثل في الضغط المحتمل على العلاقات التركية المصرية، التي شهدت تحسنًا ملحوظًا في الفترة الأخيرة بعد سنوات من التوتر. فبالنسبة لمصر، تمثل منطقة القرن الإفريقي ساحة حيوية في تنافسها الإقليمي مع إثيوبيا، ومن غير المرجح أن تتخلى القاهرة عن هذا الدور بسهولة.
وقد تنظر مصر بعين الريبة إلى النفوذ التركي المتزايد، خاصة مع استمرار أنقرة في تعزيز علاقاتها مع كل من إثيوبيا والصومال. وبالنسبة لتركيا، سيكون التحدي الأكبر هو إدارة هذه المعادلة الدقيقة، والحفاظ على طموحاتها الاستراتيجية في إفريقيا دون إشعال فتيل التوترات مع مصر مجددًا.
عين إسرائيلية على الحدث
وفي تطور إقليمي آخر لافت، كشف موقع "ميدل إيست مونيتور" عن اهتمام إسرائيلي بإقامة قاعدة عسكرية في أرض الصومال، وتحديدًا في شمال البلاد.
ويهدف هذا المسعى، بحسب التقرير، إلى تعزيز قدرة إسرائيل على مراقبة الأوضاع في اليمن ومضيق باب المندب الاستراتيجي. ووفقًا للتقرير، فإن إسرائيل مستعدة لإقامة علاقات رسمية مع أرض الصومال، التي لا تحظى باعتراف دولي، مقابل الحصول على هذا الموقع الاستراتيجي، الذي يكتسب أهمية جيوسياسية بالغة نظرًا لموقعها المطل على خليج عدن بالقرب من مدخل مضيق باب المندب، الذي يمر عبره ثلث حركة الشحن البحري العالمية، مع ساحل طويل يمتد على مسافة 740 كيلومترًا على طول خليج عدن، مما يمكنها من لعب دور محوري في حماية هذا الممر الملاحي الحيوي من مخاطر القرصنة والإرهاب والتهريب.
ويظل مستقبل القرن الإفريقي معلقًا بتفاصيل الاتفاق الإثيوبي الصومالي الأخير، ومدى قدرة تركيا على ضمان تنفيذه على أرض الواقع. لكنه اتفاق يشير إلى تحولات جيوسياسية عميقة وإعادة تشكيل محتملة للتحالفات الإقليمية. كما يسلط الضوء على الدور المتزايد للقوى الإقليمية والدولية في المنطقة، وتأثير مصالحها المتضاربة على ديناميكيات الصراع والتعاون.

