منذ تطبيق منظومة الخبز التمويني الجديدة، لا يعرف "مصطفى" معنى الراحة، على حد قوله، إذ بات لزاما عليه أن ينهي حصته من الدقيق، ويتأكد من الأوزان قبل أن ينطلق للبنك، ويظل ينتظر دوره حتى صرف ثمن الدقيق من وزارة التموين، ليتوجه بعدها للمطحن لسداد حصة اليوم التالي، على طريقة ادفع وبعدين نحاسبك.
في المنظومة القديمة، التي تم إلغاؤها في أغسطس الماضي، كان مصطفى وزملائه يحصلون على الدقيق من المطحن، وبعد خبزه وبيع الخبز التمويني، يحصلون على تكلفة التصنيع من الوزارة التي تتولى هي سداد قيمة الدقيق للمطاحن.
في المنظومة الجديدة المعروفة بـ "منظومة الخصم المباشر"، يشتري صاحب المخبز الدقيق من المطحن بسعر 966 جنيهاً لجوال الدقيق الواحدة وزن 50 كيلو، وبعد التصنيع والبيع عبر الماكينات الذكية المربوطة بسيستم الهيئة العامة للسلع التموينية، تقوم الأخيرة بتحويل قيمة الدقيق، ومعها تكلفة التصنيع وهامش الربح مباشرة في الحساب البنكي لصاحب المخبز.
لكن مصطفي، يقول إن الأمر نظريا يبدو جيدًا وسهلاً لكن على الواقع الأمر مختلف، فالتحويلات لحسابات المخابز البنكية تتأخر لأسباب مختلفة وغير معلومة، ويضطر صاحب المخبز للبقاء بالساعات في فروع البنك من أجل سحب أموال سيدفع بها ثمن حصة الدقيق لليوم التالي.
ناصر عبدالعزيز، صاحب مخبز، يقول إن أصحاب المخابز بـ "يتمرمطوا"، ويتم قهرهم معنويا وماديا من أجل سداد ثمن حصة الدقيق، فوقف الفيزا أمر دارج، لتجاوز الحد الأقصي للسحب أو التأخير في ضخ المبالغ في البنوك من السلع التموينية.
يضيف عبدالعزيز إن صاحب المخبز في حيرة من أمره، ما بين متابعة الإنتاج للتأكد من الجودة والوزن في مخبزه وتحاشي الغرامات ومحاضر مكاتب التموين، واللف والدوران بين البنوك والمطاحن، بدون مبرر ولا سبب واضح.
شحاتة غنوى، صاحب مخبز تمويني، يقول إنه يعاني مشكلة يومية مع البنك، لصرف مستحقات الدقيق، فإما "الفيزا "واقفة" لتجاوز المبلغ المسموح بسحبه، أو أن التوقيع غير مطابق غير تواجده بالبنك، ما يضطره للتواجد في البنك من الساعة التاسعة صباحًا الى الثانية ظهرًا بشكل شبه يومي، وفي نفس الوقت هو مسئول عن أي مشكلة بمخبزه تحدث في هذا الوقت.
تنص اللائحة الخاصة بعمل المخابز ولائحة الجزاءات، على أن يكون صاحب المخبر أو المسئول عن إدارته مسئولاً مسئولية شخصية عن استخـدام كامل أو جزء من كمية الدقيق لتصنيع الخبز المدعم مطابقاً للأوزان والمواصفات وتوزيع المنتج حسب تعليمات الوزارة.
بحسب أصحاب المخابز، فإنهم معرضون لسلسلة من الغرامات بينها، إلغاء الرخصة، وتوقيع عقوبات مالية، لا يستطيع سدادها ودون حتى تدبير بديل للمخبز المغلق حتى أن الكثير يعرضون مخابزهم للبيع، بعدما أصبحت المهنة عبئاً على أصحابها.
مخاطر كبيرة وعائد منخفض
في المنظومة الجديدة، تخلت الهيئة العامة للسلع التموينية عن دورها كوسيط بين المخابز والمطاحن رغم أن أصحاب المخابز وقعوا تفويضاً بنكياً لصالحها، والأغرب أنه بعد حصول بعض المخابز على الدقيق يتم تحرير محضر لها بتهمة عدم جودة الدقيق دون أي مسئولية على المخبز ذاته، وفقا لأكثر من صاحب مخبز تمويني.
مسئول في شعبة الخبز يقول إن الإشكالية في المنظومة الجديدة هي زيادة الأعباء والمخاطر وقلة العائد من الصناعة الذي يدعم منتجي الخبز التمويني نحو الاستمرار، مضيفا أن الزيادة التي تمت وتقدر بـ 50 جنيهاً تاهت بين البنوك والمطاحن والمواصلات والعمولات، ولم يستفد منها صاحب المخبز.
كانت تكلفة تصنيع جوال الدقيق في المنظومة القديمة 503 جنيهات وبعد التطبيق تم زيادتها بنحو 50 جنيهًا، لترتفع تكلفة الإنتاج إلى 553 جنيهًا بزيادة 10% وفقًا لما أعلنته الشعبة العامة للمخابز، بينما كانت الزيادة التي طلبتها المخابز 50%.
التراخيص.. أزمة جديدة في الطريق
وسط تعقيدات الإنتاج الجديدة تواجه المنظومة مشكلة أخرى في ظل قرب انتهاء المهلة القانونية الممنوحة للمخابز لتوفيق الأوضاع وفقًا لقانون المحال العامة رقم 154 لسنة 2019 ولائحته التنفيذية، فمن المفترض أن تنتهي المخابز من استيفاءها بحلول 7 ديسمبر 2026.
خالد فكري، رئيس شعبة المخابز بغرفة القاهرة التجارية، يقول إن 70% من أصحاب المخابز لم يقدموا أوراقهم حتى الآن إلى المراكز التكنولوجية أو الوحدات المحلية التابعة لهم، ما يتطلب مد مهلة استيفاء الشروط الجديدة لتراخيص المخابز لمدة عام إضافي، لإتاحة الوقت أمام أصحاب المخابز لاستكمال الإجراءات المطلوبة وتقنين أوضاعهم.
وفقا لبيانات الشعبة العامة للمخابز، فإن منظومة الأفران البلدية التموينية تتضمن 30 ألف مخبز بلدي مدعم تعمل على مستوى الجمهورية، بما يضمن استمرار إنتاج وتوزيع الخبز بصورة منتظمة، ويعني أن 70% منها لم تستوي الاشتراطات الجديدة أن 21 ألف مخبز يواجهون شبح الإغلاق حال عدم تمديد المهلة.
تتطلب الاشتراطات الجديدة للترخيص الحصول على موافقات من عدة جهات، من بينها الدفاع المدني، ومديرية الأمن، والمرور، وسلامة الغذاء، والحي، والصحة والأمن الصناعي، وهو ما يستغرق وقتًا في ظل تعدد الإجراءات، يصعب على أصحاب المخابز توفيره لعجزهم عن ترك منشآتهم لفترات طويلة، وفًقا لخالد فكري.
وينص قرار وزارة التموين رقم 165 لسنة 2026 لتنظيم وإدارة المخابز البلدية، على أنه لا يجوز لصاحب المخبز المرخص له توكيل شخص آخر لإدارة أو تشغيل المخبز، كما يمنع التنازل عن النشاط إلا وفقاً للإجراءات القانونية، كما يُحظر على أي شخص العمل كمدير أو مشرف فني أو وكيل لأي مخبز دون الحصول على ترخيص مسبق من مديرية التموين المختصة.
بحسب الغرفة، فإن وقت صاحب المخبز مُقسم بين الفرن والبنك والمطحن، ما زاد من الأعباء التشغيلية والإدارية، ويدور نقاش حاليًا حول توفير جهات تعمل كحلقة وصل بين أصحاب المخابز والمطاحن، ما يسمح بإتمام عمليات تحويل الأموال، دون اضطرار صاحب المخبز إلى التوجه للبنك.
الخبز السياحي على صعيد ساخن
وسط مشكلات الخبز التمويني، تواجه منظومة إنتاج الخبز السياحي والفينو، مشكلات أكبر مع ارتفاع سعر طن الدقيق من 17 ألفا حتى 21.5 ألف جنيه، وهو ما دعا أصحاب المخابز لمطالبة التموين برفع الأسعار بنسبة 15%، لمواكبة ارتفاع التكلفة.
وطلب وزير التموين من ممثلي قطاع المخابز إمهاله حتى اليوم الأحد لمراقبة اتجاهات أسعار الدقيق الحر، قبل اتخاذ قرار بزيادة أسعار الخبز السياحي والفينو.
جاء ارتفاع الدقيق مع أزمة عالمية في القمح، إذ تراجعت صادرات القمح الإجمالية لروسيا وأوكرانيا خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر، لأدنى حجم للصادرات الفصلية منذ 16 عامًا، ومع تراجع أكبر دولتين في التصدير عالميا، ارتفعت الأسعار بنسبة 25% لشحنات تسليم أكتوبر 2026.
ووفقًا لوزارة التموين، فإن مصر لديها احتياطي يكفي حوالي 6 أشهر، كما تعمل مصر حاليًا على تنويع وارادتها من دول مختلفة كرومانيا وروسيا وأوكرانيا، الاعتماد في المرحلة القادمة على فرنسا، بشكل أكبر.
ورفعت بعض المخابز السعر بالفعل بدعوى أنها لا تمتك القدرة لانتظار أسبوع أو عشرة أيام، خاصة أن الخبز السياحي يمثل سلعة حرة تتبع آليات السوق صعودًا وهبوطًا، بخلاف الخبز البلدي المدعم الخاضع لسيطرة الدولة الكاملة على أسعار قمحه ودقيقه.
عبدالله غراب، رئيس الشعبة العامة للمخابز باتحاد الغرف التجارية، قال لـ"فكر تاني" إن المخابز الصغيرة، التي تنتج ما بين جوالين إلى خمسة أجولة يوميًا لا تستطيع تحمل الزيادات المفاجئة في التكلفة، مضيفا أن الغرفة تستهدف الوصول إلى أسعار تتناسب مع التكلفة الفعلية وظروف السوق بما يضمن استمرار عمل المخابز.
ووفقا لغراب، فإن استمرار العمل بالأسعار القديمة لبيع الخبز السياحي بسعر يتراوح بين جنيه ونصف وجنيهين وفقًا للأوزان المعتمدة وفي ظل الزيادات الأخيرة بسعر الدقيق، أصبح أمرًا شديد الصعوبة من الناحية الاقتصادية، مضيفًا أن ارتفاع الأسعار العالمي لم يزد مرة واحدة او بشكل مفاجئ بل كان على مراحل وسبق أن طالبت الشعبة بزادة الأسعار في أغسطس الماضي لكن لم يتم التنفيذ.
وزارة التموين تدرس ملف التسعير
في المقابل، يقول مسئول بالتموين – رفض ذكر اسمه- لـ"فكر تاني" إن الوزارة تدرس ملف الخبز السياحي والفينو، ومستقبل الأسعار عالميًا وموقف العقود الآجلة، ولديها المرونة لاتخاذ القرار المناسب في ظل توافر مخزون جيد من القمح بجانب شحنات تصل الموانئ المصرية 12 أكتوبر المقبل، بجانب إمكانية وضع حلول في منظومة توريد الدقيق تستثني الموجه منها للمخابز السياحية.
وبالنسبة لملف الخبز التمويني، أكد المسئول أن الأسعار ثابتة كما هي دون أي تغيير، لكن الوزارة تدرس التحديات التي تواجه أصحاب المخابز لتذليلها وتدرس بالفعل آلية لتسهيل دورة الإنتاج وحركة الأموال من المخابز للمطاحن، فالهدف من المنظومة الجديدة كان مواجهة تسريب الدقيق المدعم لأصحاب المخابز السياحية.
وتستهلك السوق المحلي ما يقرب من 560 ألف طن قمح شهريًا، منها 200 ألف طن لمصانع المكرونة للإنتاج المحلي والتصدير، و200 ألف طن للمخابز والمطاعم والدقيق المعبأ في عبوات زنة 1 كيلو، فضلًا عن 160 ألف طن لمصانع الحلويات والبسكويت.
ووفقاً لغرفة صناعة الحبوب باتحاد الصناعات المصرية يمكن توفير الدقيق للمخابز السياحية المرخصة والذي يستخدم في إنتاج الفينو والخبز السياحي الحر، بالتنسيق وتحت إشراف وزارة التموين والتجارة الداخلية بنفس تسعير المخابز البلدية، بما يضمن استمرار استقرار أسعار الخبز السياحي الحر والفينو لصالح المواطن دون اي زيادات غير مبررة.
ارتفاع أسعار القمح عالميا وتعقيدات منظومة الخبز التمويني يضعان خبز المصريين على مائدة أزمات توسع أرقام الجوع وعدم الكفاية، وعلى الرغم من تصريحات وزارة التموين بتوافر مخزون يكفى 6 أشهر إلا أنها تدرس رفع الأسعار .