ذهبت "أم محمد"، 66 عاما، لصرف حصتها من الخبز كالمعتاد، تمشي بخطوات مُثقلة وبطيئة تجر في قدميها عمرها الطويل، لكن معها يقين كامل بأن تنقية البطاقات لن تمسها، فما تملكه من حطام الدنيا الفاني بعد سنوات من العمل الحكومي، يجعلها تستحق المزيد من الدعم وليس الخروج من جنته.
أمام ماكينة صرف الخبز بالفرن التمويني، وبعد الوقوف في الطابور الطويل، فوجئت السيدة، التي خرجت على المعاش منذ سنوات، بوقف صرف الخبز لها، وحينما استفسرت عن السبب طالبها صاحب الفرن كغيرها بالتوجه لمكتب التموين، الذي طالبها بدوره بتحديث بياناتها.
مع دخولها على منصة الرقمية المسئولة عن التحديث، اكتشفت السيدة بعد رحلة مضنية لا تناسب عمرها ولا حالتها الصحية، أنها تحتاج لصورة بطاقة والدها العائلية، والتي من الصعب الوصول لها، فالوالد مُتوفي منذ عام 1979، أي قبل قرابة النصف قرن.
حال السيدة المُسنة كحال مئات الآلاف الذين فوجئوا بوقف بطاقاتهم في مخابز الخبز التمويني دون معرفة السبب، رغم أن أوضاعهم بعيدة تمامًا عن المعايير التي وضعتها وزارة الحكومة لتنقية البطاقات بدعوى وصول الدعم لمستحقيه ومنع التسريب.
وفقاً للمتحدث باسم وزارة التموين أحمد كمال، فإن يونيو الماضي شهد حذف 850 ألف مواطن من منظومة بطاقات التموين، مضيفًا أن الآلية مستمرة لاستبعاد غير المستحقين للدعم، وفق معايير تستند إلى القدرة المالية للمواطنين، ما يعني أن العدد مرشح للزيادة.
تشمل معايير حذف البطاقات امتلاك سيارة "فارهة"، بحسب الوزارة، تتجاوز قيمتها مليون جنيه، أو أكثر من سيارة، أو حيازة زراعية تتجاوز 10 أفدنة، أو ملكية شركات برأسمال مدفوع يزيد عن مليون و750 ألف جنيه، أو دفع مصاريف مدارس وجامعات دولية وخاصة.
تبدو شروط الاستبعاد على الورق جيدة لكن حينما ينتقل الأمر من الورق للتطبيق تظهر المشكلات فـ"الشيطان يكمن في التفاصيل"، كحالة المزارع محمود أحمد، الذي لا يملك سوى فدان واحد، وتم وقف بطاقته التموينية بدعوى توصيل عداد لماكينة ري أرض زراعية تخدمه مع مجموعة من المزارعين، ونظًرا لأن العداد باسمه، تم وقف بطاقته التموينية وبطاقته الزراعية معًا.
عمومية التوصيف تخلق مشكلات التطبيق
"التموين" أكدت أن الأسر التى يدرس أبناؤها بمدارس دولية سيتم حذفهم من بطاقات التموين لكن "السيستم" مد مظلة الحذف لتشمل القرار الآلاف من الذين لديهم أبناء بمدارس خاصة، وأيضا الذين ظهرت لهم عبارة الرقم القومي غير موجود بقاعدة بيانات التموين.
أحمد حسام، نموذج لتلك الحالات، فبطاقته تم وقفها نظرًا لأن أولاده بمدرسة خاصة "عربي" وليست لغات أو دولية، ونصحه العاملين بمكتب التموين بعدم تقديم تظلم، نظرًا لأن المصروفات المدرسة أكثر من ٢٠ ألف جنيه.
منى عبده، تعترض في حديثها لـ"فكر تاني" على فكرة اعتبار المدرسة معيار لدخل الأسرة، فكثير من الأسر التي أدخلت أبنائها مدارس خاصة ليست غنية، والمصروفات يتم تسديدها بعد جمعيات وأقساط، وحرمان للأسر من الرفاهيات طوال العام، بهدف توفير تعليم أفضل لأبنائها.
محسن هاشم، نموذج آخر، يقول لـ"فكر تاني" إنه اضطر لبيع قطعة الأرض التي يملكها في مسقط رأسه من أجل سداد مصروفات تعليم ابنه في كلية صيدلة خاصة لتحقيق حلم حياته، وذلك بعدما فشل مجموعه بالثانوية العامة في تأهيله للالتحاق بأي كلية حكومية بعموم الجمهورية.
يُضيف أنه بعد بيع قطعة الارض لم يصبح يملك سوى راتبه وراتب زوجته فقط، متسائلاً: كيف يتم اعتبار وجود ابنه في جامعة خاصة فقط معيارًا لدخل الأسرة واعتبارها غير مستحقة لدعم التموين رغم أنه جاء بعد بيع قطعة أرض متوارثة لأجيال؟.
مضحكات مبكيات على منصة مصر الرقمية
في مكاتب التموين لا يعرف الموظفون ذاتهم سبب تعطيل البطاقات، إذ يقول "ب . ع" مفتش تمويني رفض ذكر اسمه، إن البطاقات التى تم وقفها في آخر يومين لا تتضمن أسبابا واضحة للوقف بمكاتب التموين، مضيفاً :"المفتشين في المكاتب ميعرفوش".
تتكاثر الشكاوى بعد الدخول على بوابة مصر الرقمية ومعرفة سبب الوقف، فإياد حامد، على سبيل المثال، يقول لـ"فكر تاني" إنه تم حذف ابنته من البطاقة التموينية بعد سنين طويلة لأنها "كانت بنت 7 أشهر وليس 9 أشهر"، فحينما أراد تحديث البيانات رفض السيستم قبولها لأنها ولدت بعد 7 أشهر من الزواج، ما جعل السيستم يرى أن هناك تعارضًا بين تاريخ ميلادها وتاريخ زواج والديها.
فريد الجمال، أراد تحديث بياناته علي منصة مصر الرقمية هو الآخر فطالبته المنصة برقم قومي لوالده المتوفي منذ 26 عامًا، أما "روان" فتم حذفها لأنها كانت مُقيمة بشقة إيجار وكان عقد ممارسة الكهرباء باسمها ، وذلك رغم أن صاحب العقار قام بتركيب عداد رسمي بعدها أي زالت المشكلة.
وهيب محمود، يقول لـ"فكر تاني" إن بطاقته كانت تضم خمس أفراد تم حذف زوجته بدون سبب، وبعدها تم حذف اثنين من أولاده بدون سبب أيضًا، مضيفًا أنه يريد إرجاع الزوجة للبطاقة خاصة أنه على المعاش ودخله محدود دون جدوى.
من المسئول؟
أمام مشكلات تنقية البطاقات المستمرة، برأت وزارة التموين نفسها، وقالت إنها جهة تنفيذ وليست جهة اتخاذ قرار فيما يتعلق بحذف المواطنين من بطاقات التموين، موضحة أنها تنفذ فقط القرارات والضوابط الصادرة من الجهات المختصة.
أكدت الوزارة أن آليات تنقية البطاقات لا تُتخذ بقرار منفرد منها، وإنما تُنفذ وفق القواعد والمعايير المعتمدة من الدولة، دون تحديد الجهة التي تتولى الحذف وصاحبة القرار النهائي.
د. نادر نور الدين، مستشار سابق لوزير التموين وعضو الجمعية العمومية للشركة القابضة للصناعات الغذائية، قال لـ"فكر تاني" إن استبعاد البعض من بطاقات التموين كان اختصاص وزارة التنمية الادارية التي أسسها دكتور أحمد درويش، ثم آلت أعمالها حاليًا إلى إحدى الوزارات الأخرى.
أضاف نور الدين أن قول وزير التموين بأن الاستبعاد لم يتم عن طريق الوزارة "صحيح"، فالوزارة جهة لإخطار المواطنين والتنفيذ فقط، فالاستبعاد تم من الجهة المسئولة على نظم الكمبيوتر المتحكمة في الصرف.
شكاوى برلمانية من عشوائية التنقية
النائبة نشوى الشريف، عضو مجلس النواب، قالت إن عملية إلغاء بطاقات التموين مؤخرًا تتضمن عشوائية منعت وصول الدعم لبعض المستحقين فعلاً، مضيفة في حديثها لـ"فكر تاني" أن فكرة الاعتماد على مؤشرات فردية مثل امتلاك سيارة موديل 2017 أو سكن بمدينة جديدة أو وجود أبناء في مدارس خاصة، غير كافية للحكم ما إذا كانت الأسرة تستحق الدعم .
واشتكى الكثير من السائقين العاملين بشركات النقل الذكي من استبعادهم من المنظومة رغم أن سياراتهم عليها أقساط وتمثل مصدر رزقهم والإنفاق على أسرهم، فضلاً عن أن سعر المليون جنيه للسيارة لا يجعلها "فارهة" بل هي متوسط سيارة تستطيع العمل بشكل شاق.
وأضافت النائبة، أن "المدارس الخاصة" تبدأ رسومها من 10 إلى 20 ألف جنيه، وهذا لا يعني أن الأسرة غنية فعلاً، موضحة أنها ليست ضد تنقية بطاقات التموين لكن الاختلاف كله بسبب طريقة التنفيذ، كما لا يجوز أن تستيقظ الأسر البسيطة لتجد بطاقات التموين متوقفة دون إنذار مسبق أو إتاحة فرصة للمراجعة والتظلم.
وأتاحت وزارة التموين التظلمات اعتبارًا من 14 يونيو أمام المستبعدين من منظومة الدعم باستكمال استمارة تحديث البيانات عبر منصة مصر الرقمية، ثم التوجه إلى مكتب التموين المختص لتقديم طلب التظلم مرفقًا بالمستندات المؤيدة، حيث تتولى مديريات التموين فحص جميع الطلبات وفقًا للضوابط المنظمة، واتخاذ ما يلزم من إجراءات في ضوء نتائج الفحص.
لكن قطاع عريض ممن تم استبعادهم ليست لديهم معرفة من الاساس بكيفة التعامل مع المنصة، ولذلك طالب د. أحمد خيري رضوان الأستاذ المعهد العالي للهندسه والتكنولوجيا بالمنيا، باستمرار صرف المستحقات لحين انتهاء إجراءات المراجعة والتظلم، حتى لا تُحرم الأسرة من حقها الأساسي قبل الفصل في حالتها.
ودعا إلى إرسال رسالة نصية من وزارة التموين مثل رسالة صرف الخبز توضح سبب المراجعة أو المطلوب استيفاؤه، مع منح المواطن مهلة لا تقل عن شهرين لاستكمال البيانات أو تقنين الموقف، وتبسيط وتقليل الشروط، مع مراعاة الظروف الاجتماعية والاقتصادية للأسر، ومراعاة أن تعليم الأبناء هو حلم كل أسرة، فلا تكون معايير الاستحقاق سببًا في تعطيل مستقبلهم. وكذلك أن امتلاك الأسرة لوسيلة نقل بسيطة تُستخدم للعمل أو لقضاء الاحتياجات الأساسية، وعدم اعتبارها وحدها سببًا للحرمان.
النائبة نشوى الشريف تؤكد على تلك المقترحات، فمنظومة الدعم تمس الأمن الاجتماعي للمواطنين، وقوت الأسر المصرية ليس ملفًا إداريًا يُدار بقرارات مفاجئة، بل حق يستوجب أقصى درجات الدقة والشفافية والعدالة، محذرة من وجود حالة قلق وغضب بين المواطنين بعد إيقاف عدد من البطاقات التموينية، وما ترتب على ذلك من حرمان بعض الأسر من صرف الخبز والسلع التموينية، رغم تأكيدهم أحقيتهم في الحصول على الدعم.
بحسب الموازنة العامة للدولة للعام المالي الحالي 2026/2027، ستنتج وزارة التموين عبر مخابزها 116.4 مليار رغيف، وتحتاج إلى 8.6 مليون طن قمح، بإجمالي مخصصات مالية قدرها 133.7 مليار جنيه.
ووفقا لمسؤول بوزارة التموين فإن المنظومة الجديدة تستهدف مواجهة حجم الفساد في منظومة الخبز المدعوم الحالية، الذي يصل إلى 30 مليار جنيه، سواء عبر تهريب الدقيق التمويني إلى مخابز القطاع الخاص، أو عدم الالتزام بالأوزان المقررة، أو حصول غير المستحقين على دعم الخبز، أو ترك بعض المواطنين بطاقاتهم لدى الفرن التمويني مقابل أموال، على أن يبيع الفرن حصصهم لعربات الفول والمطاعم.
لا يعارض المواطنون تنقية منظومة صرف الخبز من غير المستحقين، لكن الجميع يعارض أن تكون آليات الحذف بعين واحدة، ترى امتلاك سيارة رفاهية حتى لو كانت مصدر للعمل، وتعتبر الدراسة بمدرسة خاصة بحًثا عن مستقبل أفضل معيارًا لحرمان الأسرة من الخبز فالتعليم الأفضل لا يتعارض مع رغيف الخبز التمويني.