تهتم غالبية دول العالم بمؤشرات "الرخاء" بنفس درجة اهتمامها بمعدلات النمو الاقتصادي أو المؤشرات المالية الأخرى، باعتباره انعكاسا لتأثير خطط الحكومة على حياة المواطن، فالمعادل الإنجليزي لها (prosperity) المشتقة بدورها من مقطعين من اللغة اليونانية، يعنيان حين يتم مزجهما معًا "الأمل والقدرة على النجاح".
لفهم "الرخاء" بشكل أوضح، يمكن ضرب مثال بمواطن يعيش بدولة تمنحه راتب مجزٍ ، وتضمن له قوة شرائية عالية، وقدرة على الادخار والاستمتاع بالحياة وقوانين صارمة تحمي حقوقه وتوازن بين العمل وحياته الشخصية، مع شبكة أمان اجتماعي ونظام صحي شامل ومجاني.
في المجتمعات التي تتصدر قائمة الرخاء والرفاهية، يضمن المواطن فيها لأبنائه تعليم حكومي بجودة عالية دون أعباء، ودعم حال فقدان الوظيفة أو العجز، مع حرية في التعبير، وحق المشاركة في صنع القرار، ومعاملات حكومية رقمية سريعة، ومجتمع يتميز بالثقة المتبادلة بين الأفراد ومؤسسات الدولة.
في تصنيف مؤشر "ليجاتوم" للازدهار لعام 2026، والذي تم إطلاقه أول مرة قبل قرابة العقدين، احتلت مصر المرتبة الـ120 بين161 دولة شملها التصنيف الذي يقيس الرخاء بمفهومه الواسع بداية من مستوى معيشة الأفراد مرورًا بالصحة، والتعليم والحريات الاقتصادية، والسلام المدني، ونهاية قوة الروابط الاجتماعية والأسرية ونزاهة مؤسسات الدولة.
مؤشر "ليجاتوم" يعتبر الأوسع والاشمل في قياس الرخاء والازهار فقياسه يعتمد على 615,877 نقطة بيانات حول العالم، ويستهدف مساعدة قادة الدول في وضع أجندات النمو والتنمية، لأنه يستهدف ثلاثة أسئلة جوهرية تنبثق منها 160 مؤشرًا فرعيًا، وتتعلق تلك الاسئلة بمدى تطور الدولة؟، وما مدى تمتع شعوبها بالحرية؟، وما مدى قوة نسيجها الاجتماعي؟.
ترتيب مصر في المؤشرات.. تراجع خلف دول إفريقية كثيرة
على مستوى الدول العربية، حلت مصر في المرتبة الـ 14 بين 17 دولة عربية تم تصنيفها ضمن المؤشر العام للرخاء، واحتلت الكويت االمرتبة الأولى عربيا والــ 50 عالميًا تلتها الإمارات في المرتبة الثانية عربيًا والـ 51 عالميًا، وسلطنة عُمان في المركز 54 عالميًا، والأردن في المرتبة 67، وتونس في المركز 75.
وحلت المغرب في المرتبة 76 وقطر في المركز 78، والبحرين في المرتبة 80، ثم الجزائر في المركز 83، فالسعودية في المرتبة 97، ولبنان في المرتبة 99، والعراق في المركز 108، وليبيا في المركز 115، وموريتانيا 119، بينما حل بعد مصر 3 دول عربية فقط هي اليمن في المركز 147 والسودان في المرتبة الـ 152، والصومال 156.
على المستوى الإفريقي، احتلت مصر المرتبة العشرين بين 47 دولة إفريقية مُصنفة، وتربعت بوتسوانا على عرش إفريقيا وبالمرتبة 70 عالميًا، تلتها نامبيا التي جاءت في المركز 77 وجنوب إفريقيا في المركز 86، وغانا في المركز 88، والجابون بالمركز 93، والسنغال في المركز الـ 100، وتنزانيا في الـ 104، وكينيا 106، وجامبيا 107، وكوت ديفوار 109، وزامبيا 111، وليسوتو 113، وأنجولا 114، وبنين في المركز الـ 118.
المركز 159 في الحريات
يتضمن مؤشر "ليجاتوم" العديد من المؤشرات التي يمكن دمجها في ثلاث مجالات أساسية هي الاقتصاد والحريات والمؤشرات الاجتماعية، وعلى مستوى المؤشرات الاقتصادية، حصلت مصر في الجانب التنموي على حوالي 70 نقطة من أصل 100 احتلت بها المركز الـ 87 بين الدول المشاركة، وفي مستوى المعيشة 61.3 نقطة احتلت بها المرتبة الـ 90، وفي الصحة 78.1 نقطة تحتل بها المركز 92، وفي التعليم 85.20 نقطة تحتل بها المركز الـ 80.
بالنسبة لمؤشرات الحريات، حققت مصر 36.93 نقطة احتلت بها المرتبة الـ 147، وفي السلام المدني احتلت المركز 119، وفي الحرية السياسة (حرية الاختلاف في الرأي) احتلت المركز 159 وفي الحرية الاقتصادية 132. أما المؤشرات المجتمعية، فسجلت مصر المراكز التالية: 117 في الحرية، 140 في سلامة الأسرة، و101 في نزاهة المجتمع، و103 في نزاهة الدولة.
من الملاحظ أن سبب تراجع مصر يظهر بشكل أوضح في المؤشرات الاجتماعية والتي تراجعت فيها مصر على مدار عقد من مستوى 106 عالميا في 2015 لمستوى 117 حاليًا بتراجع 11 مركزا خاصة المؤشرات الخاصة بتصنيف التسامح الاجتماعي أو نزاهة المجتمع الذي تراجعت في مصر من المركز 97 عالميا لـ 140 عالميا في خلال 10 سنوات فقط.
الرخاء مرادف أساسي لسعادة الشعوب
يتداخل مؤشرا الرخاء والسعادة مع بعضهم البعض بشكل كبير فالمواطن الذي يعيش في مجتمع يقدم له الرفاهية والرخاء، سيكون سعيدًا، وفي مؤشر السعادة احتلت مصر المرتبة الـ 135 عالميًا وحصلت على 3.82 نقطة فقط وسبقتها دول في إفريقيا مثل الكاميرون التي احتلت المرتبة 104 والسنغال الي احتل المرتبة 107 ونيجيريا التي احتلت 103 وناميبيا 105، وغينا 102 والكونغو 100، وليبيا 79 ، والجزائر 84 وتونس 70.
يُقيس مؤشر السعادة الوضع الاقتصادي ومستوى المعيشة المادي في الدولة، ورغم أن المال لا يضمن السعادة بمفرده، إلا أن توفر دخل مستقر يوفر للمواطنين الاحتياجات الأساسية والرفاهية المادية والقدرة على توفير تكاليف الحياة والعيش سنوات أطول بصحة جيدة وخالية من الأمراض المزمنة، ويتم الحصول عادةً على تلك البيانات من منظمة الصحة العالمية.
يتضمن مؤشر السعادة أيضًا معايير أوسع بكثير من فكرة السعادة التقليدية إذ يتضمن حرية اتخاذ القرارات الحياتية أو انتهاج مسارات حياتهم الشخصية والمهنية (مثل اختيار التخصص الدراسي، أو نوع العمل، أو القرارات الفردية الأخرى) دون قيود مجتمعية، وكذلك مدى ثقة الأفراد في المؤسسات الحكومية وقطاع الأعمال.
لماذا يتقدم المصريون في الاقتصاد ويتراجعون في الرخاء؟
تظهر تلك المؤشرات انعزال النموذج الإصلاحي للحكومة مع صندوق النقد الدولي عن حياة المصريين فمؤشرات النمو الاقتصادي التي بلغت 5.1% خلال العام المالي 2026/2025، مقارنة بـ 4.4% خلال العام المالي السابق لم يتم ترجمتها على الحياة اليومية للمواطن واحتياجاته.
كما تخالف نتائج مؤشرات الرخاء تصريحات مجلس الوزراء المستمرة حول مواصلة الحكومة العمل لتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، أو أن الدولة تواجه حربا هدفها تشكيك المواطن في الإنجازات التي تقوم بها مصر، خاصة مع عدد النقاط التي سجلتها في ملفي الصحة والتعليم في مؤشر ليجاتوم.
نجوى عسران، خبيرة الاقتصاد، تقول إن الاعتقاد بأن تحسن الأرقام لا يعني أن السياسة الاقتصادية نجحت بالكامل، لأن الاقتصاد ليس مجموعة مؤشرات فقط، فهو في النهاية هو حياة الناس.
قالت عسران إنه خلال سنوات الأزمة تعرض الجنيه لتراجعات كبيرة، وارتفعت أسعار الوقود والطاقة والخدمات والسلع الغذائية، ووجد المواطن نفسه أمام موجات متتالية من التضخم، ولم تتحرك الأجور بالسرعة نفسها التي تحركت بها تكاليف المعيشة، والنتيجة أن ملايين المصريين فقدوا القيمة الحقيقية لدخولهم، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: عندما ينمو الاقتصاد بينما تتراجع القوة الشرائية لمن يعيشون فيه.
أضافت أنه لا يمكن قياس النجاح الاقتصادي فقط بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية، ولكن قدرة الأسرة المصرية على الوفاء بالتزاماتها في نهاية الشهر، ولا يكفي أن يتحسن الناتج المحلي إذا تراجعت جودة حياة المواطن، ولا يكفي أن يرتفع الاحتياطي إذا ظلت المدارس والمستشفيات والأجور تعاني من نقص الموارد.
تقارير الفقر .. أرقام حبييسة منذ 5 سنوات
في الواقع المحلي المصري تظهر معدلات الفقر مستوى المعيشة بصورة أوضح ما يمكم من قياس نتائج السياسات الحكومية، ويفترض إعلان أعداد الفقراء ضمن نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الذي لم يتم إعلانه منذ 5 سنوات، وتعهدت وزارة التخطيط أمام اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب بإتاحة النتائج قبل 3 أسابيع لكن لم يتم إتاحتها.
النائبة سحر عتمان، عضو لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، تقول لـ"فكر تاني" إن نتائج البحث لا يمكن اعتبارها مجرد تأخير في نشر بيانات إحصائية، لأن هذا البحث يمُثل أحد المصادر الأساسية التي يمكن من خلالها قياس تطورات معدلات الفقر ومستويات المعيشة، ورصد التغيرات التي طرأت على دخول وإنفاق الأسر المصرية.
قالت النائبة إن تقييم الأداء الحكومي لا ينبغي أن يرتبط بحجم ما يتم إنفاقه فقط، وإنما بمدى انعكاس هذا الإنفاق على مستوى معيشة المواطنين وقدرته على تحسين أوضاع الفئات الأكثر احتياجًا، مشددة على أن بيانات الفقر والدخل والإنفاق تمثل أساسًا لا غنى عنه لإجراء تقييم موضوعي للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، وقياس مدى نجاح برامج الحماية الاجتماعية في تحقيق أهدافها.
النائب فريدي البياضي، عضو مجلس النواب، يقول إن أعداد الفقر مرعبة و الحكومة "خايفة" تعلنها منذ 2021، مضيفا أن القوى الشرائية تراجعت بالنسبة للمواطن المصري فالتضخم يزيد، والدعم يشبه السلحفاة، والأجور لا تزيد بنفس المعدل.
يقول عبدالفتاح الجبالى ، مستشار وزير التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري سابقًا، إن المواطن لا يشعر بما ينشره من مؤشرات إيجابية تشير الي تحسن الاوضاع الاقتصادية الكلية موضحا أن أفضل السيناريوهات لتفسير تلك المشكلة يكمن فى غياب المؤشرات الحقيقية عن الأوضاع السائدة أو تقديم بيانات ناقصة كثيرا مما يجعلها غير قادرة على شرح الصورة كاملة.
يضرب الجبالي المثل بالحديث عن تراجع البطالة وهو أمر صحيح ولكن يتزامن معه تراجع العمل اللائق وفقا لمفهوم منظمة العمل الدولية فمازال القطاع غير الرسمي يستحوذ على النسبة الأكبر من المشتغلين (41.7%) مع ارتفاع في العمالة الموسمية والمؤقتة والمتقطعة مقابل العمل الدائم، وبالتالي يجب التفرقة بين البيانات والمؤشرات، فالثانية هي التي يقوم الباحث بتركيبها وعملها انطلاقا من البيانات المتاحة وبالتالي فهي تخضع لاجتهادات الأفراد وطرق الحساب.
مؤشر الرخاء الذي يقيس مدى سعادة المواطنين وتحقيق كفايتهم في الحياة هدف كل سلطة تحترم شعبها، لكن بعد سنوات تعاون الحكومة المصرية مع صندوق النقد الدولي، وتطبيق فلسفة أمنية أغلقت المجال العام وقيدت حرية التعبير، لم تتحقق الرفاهية للمواطن المصري بل تدهورت مؤشرات السعادة.