غياب بيانات الدخل والإنفاق.. كيف تخفي الحكومة الفقراء؟

منذ عام 2020، توقف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن إصدار تقارير بيانات الدخل والإنفاق ومعدل الفقر، التي كانت تصدر دوريًا كل عامين، ما أوقع مجتمع الباحثين والسياسيين ونواب الشعب في حالة من العمى الكامل.

جاء هذا الغياب المعلوماتي في أعقاب سنوات شهدت فيها مصر تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية متلاحقة، بداية من جائحة كورونا، والتعويمات المتتالية للجنيه، وارتفاع أسعار الوقود، ووإلغاء الدعم على الكهرباء، إضافة إلى تأثير ثلاث حروب على الاقتصاد المصري، من ضمنها الحرب الدائرة في غزة على الحدود المصرية.

ونتيجة لتلك العوامل مجتمعة، ارتفعت أسعار كافة السلع والخدمات في مصر، مما زاد من معاناة الفقراء وأدى إلى تدهور المستوى المعيشي للطبقة الوسطى، وفي غياب بيانات الإنفاق والدخل، أصبح من المستحيل قياس حجم الهوة السحيقة التي خلفتها هذه الأزمات.

لا أحد يرد

على مدار عقود طويلة، شكلت بيانات الفقر مرجعًا أساسيًا لفهم مستويات المعيشة ومعدلات الفقر وغيرها من المؤشرات الحيوية التي تعين صناع القرار على صياغة السياسات العامة، وتوقع احتياجات المواطنين المستقبلية، وتوجيه البرامج الاجتماعية لدعم الفئات الأكثر احتياجًا.

وبالعودة إلى آخر إصدار للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، وهو الإصدار الرابع عشر المنشور على موقعه الرسمي، الذي درس إنفاق 26 ألف أسرة، نجد أن خط الفقر المحلي قد حُدد بمبلغ 804.5 جنيهًا للفرد، وهو يمثل حد الكفاف للإنفاق على السلع والخدمات الأساسية للبقاء على قيد الحياة، ويبدو هذا الرقم زهيدًا للغاية اليوم بعد مرور ست سنوات عجاف.

ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى توفير بيانات محدثة أكثر من أي وقت مضى، ومع استمرار هذا الانقطاع، تتزايد تساؤلات الباحثين والصحفيين والمهتمين بالمجال العام عن كيفية التقييم الدقيق للواقع الاجتماعي، وحدود قدرة المسؤولين على بناء سياسات وتحليلات تستند إلى بيانات فعلية تمهد الطريق لصنع مستقبل أفضل.

وفي محاولة لاستيضاح الأمر، سعت "فكر تاني" للتواصل مع الجهاز عبر أرقامه المعلنة على موقعه الإلكتروني وكذا مختلف وسائل الاتصال المتاحة عبر السوشيال ميديا، لمعرفة أسباب حجب بيانات الفقر، لكنها لم تتلق أي تعقيب على هذه الأسئلة حتى لحظة كتابة التقرير.

لماذا غابت الأرقام في لحظة الحاجة؟

رغم هذا الغياب الملحوظ لبيانات الفقر، استمر الجهاز في إصدار دوريات شهرية وسنوية أخرى تتضمن إحصاءات اجتماعية واقتصادية مهمة، وهذا التناقض دفع النائبة أميرة العادلي إلى تقديم طلب إحاطة في شهر فبراير الماضي، للمطالبة بالكشف عن بيانات بحوث الدخل والإنفاق المتوقفة، معتبرة أن هذا الحجب يخالف المادة 68 من الدستور المصري.

وتنص هذه المادة بوضوح على أن المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، وأن الإفصاح عنها من مصادرها المختلفة حق تكفله الدولة لكل مواطن بشفافية، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وعقوبات حجبها أو تقديم معلومات مغلوطة عمدًا، كما تلزم المادة مؤسسات الدولة بإيداع الوثائق بدار الوثائق القومية وحمايتها ورقمنتها.

وقد أوضحت النائبة في طلبها أن آخر بحث متاح نُشر في سبتمبر 2021 ليغطي عامي 2019 و2020، رغم أن إصداره كان يتم بانتظام كل عامين منذ عام 2008، ولم تصدر أي تقارير عن سنوات 2021 و2022 أو 2023 و2024 حتى تاريخ تقديم طلب الإحاطة، مما تسبب في فجوة معلوماتية تمس مؤشرات حيوية، وتؤثر سلبًا على متابعة برامج الحماية الاجتماعية مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، مطالبة بتوضيح ما إذا كانت هناك معوقات منهجية أو تمويلية أو إجرائية وراء هذا التأخير.

وفي محاولة لتفسير هذا التوقف، يطرح الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني عدة احتمالات يتداولها مجتمع الباحثين، لعل أبرزها صعوبة إجراء البحوث الميدانية إبان جائحة كورونا، ثم اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية جراء الحرب الروسية الأوكرانية، التي دفعت معدلات التضخم إلى مستويات قياسية.

ويوضح الميرغني، تأثير ذلك، قائلًا "ارتفاع معدلات التضخم، التي تجاوزت 30% في بعض الفترات، إلى جانب الزيادات الكبيرة والسريعة في أسعار الغذاء، يؤثر بشكل مباشر على نتائج قياس الفقر، ما يجعل عملية التحديث أكثر تعقيدًا، لأن أي تغيير في منهجية القياس أو توقيت المسح يؤدي إلى نتائج مختلفة بشكل كبير".

ورغم وجاهة هذه المبررات، فإنها تبدو أقل إقناعًا عند ربطها بتأخير نشر بيانات يُفترض أن تزداد أهميتها في أوقات الأزمات لتوجيه بوصلة الدولة، ولا يتراجع دورها بسببها.

ويضيف الميرغني، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن استمرار حجب هذه التفاصيل الدقيقة منذ خمس سنوات يطرح تساؤلات أعمق حول ما إذا كانت المشكلة تتعلق حقًا بصعوبة جمع البيانات، أم أن هناك قرارًا بتأجيل النشر. ويرى أن هناك سياقًا آخر يتعلق بالسياسات الاقتصادية، خاصة في ظل برامج الإصلاح الاقتصادي والتعاون مع صندوق النقد الدولي، وما يصاحبها من إعادة هيكلة للدعم وتحرير للأسعار، وهي سياسات تؤدي بطبيعتها إلى زيادة معدلات الفقر على المدى القصير، مما يجعل إعلان الأرقام مسألة بالغة الحساسية سياسيًا واقتصاديًا.

ويشدد الميرغني في الوقت ذاته على ضرورة استناد أي تحليل في هذا الاتجاه إلى بيانات موثوقة بعيدًا عن التكهنات، محذرًا من أن غياب الأرقام الرسمية أدى إلى ظهور أرقام غير مؤكدة تشير إلى وصول نسبة الفقر في مصر إلى 36% دون تأكيد أو نفي رسمي، وهو ما يفتح الباب أمام تضارب الروايات ويخلخل الثقة في منظومة الإحصاء بأكملها.

ومن زاوية أخرى، يرى الباحث الاقتصادي حسن بربري، أن المشكلة لا تتوقف عند حدود حجب تقرير بعينه، وإنما تمتد لتلامس إشكالية أعمق تتعلق بمدى إتاحة المعلومات بشكل عام، موضحًا أن البيانات التي تُنتج داخل الدوائر الأكاديمية أو البحثية تواجه غالبًا صعوبات في النشر أو التداول، مما يخلق فجوة واسعة بين المعرفة المتاحة داخل المؤسسات وما يصل إلى الرأي العام، فضلاً عن حالة الضبابية وصعوبة التحقق الناتجة عن تداول بيانات مجتزأة من جهات متعددة وتجاهل مجتمع يحتاج إلى فهم دقيق لواقعه الاقتصادي.

ويتوافق الباحث في علم الاجتماع عصام فوزي مع هذا الرأي، حيث يطالب في حديثه "بضرورة وجود آلية متكاملة وواضحة، لتطوير منظومة جمع البيانات ونشرها بصورة منتظمة وشفافة، لدعم البحث العلمي والإعلام، ما يسهم في تعزيز قدرة المجتمع على فهم قضاياه الاقتصادية والاجتماعية، والمشاركة في صنع مستقبلهم وحل مشكلاتهم".

وأمام هذا الشح المعلوماتي، تضطر بعض المؤسسات الدولية مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى الاستعانة بمؤشرات بديلة كالفقر متعدد الأبعاد أو خط الفقر الدولي، وفي هذا الصدد، يؤكد عصام فوزي أن هذه الأدوات، على أهميتها، لا يمكن أن تحل محل المسوح الوطنية الدقيقة، نظرًا لاعتماد المؤسسات الدولية على نماذج تقديرية عوضًا عن البيانات الميدانية المباشرة.

العلاقة بين االدولة والمواطن

إن حجب البيانات الحديثة لا يمثل مجرد خلل تقني، وإنما يمتد بأثره العميق ليشمل السياسات العامة والبحث العلمي، ويطال حتى الثقة المجتمعية، فـالإحصاءات ليست مجرد أرقام، وإنما تمثل العصب المحرك وراء اتخاذ القرار. وتتطلب أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية، بدءًا من الدعم النقدي وصولاً إلى برامج الحماية الاجتماعية، استنادًا وثيقًا إلى فهم دقيق لمن هم الفقراء، وأين يعيشون، وما هي احتياجاتهم، ومن دون هذه المعطيات، تتسم السياسات بالارتباك، وقد تُوجه الموارد إلى مناطق لا تحتاجها بالقدر الكافي بينما تُهمل مناطق أخرى أشد احتياجًا، كما يصعب تقييم فعالية البرامج الحكومية، ويدفع غياب البيانات الباحثين إلى الاعتماد على مصادر بديلة أو تقديرات تعرضهم لانتقادات تمس مصداقيتهم.

وإلى جانب ذلك، يتأثر القطاع الإعلامي والصحفيون المتخصصون في الشأن الاقتصادي والاجتماعي بشكل مباشر لاعتمادهم على البيانات لتقديم محتوى دقيق، ويعوق غياب الأرقام بناء سردية متماسكة عن الواقع، مما يفسح المجال لانتشار الشائعات والتفسيرات المتضاربة.

والأهم من ذلك كله، يرى فوزي أن تراجع مستويات الشفافية يهدد العلاقة والثقة بين الدولة والمجتمع، فالمعلومة في العصر الحديث أصبحت حقًا أصيلاً للمواطن وليست مجرد أداة إدارية، وغيابها يولد شعورًا بعدم اليقين قد يتطور إلى شك مؤسسي. ويتفق الميرغني مع هذا الطرح، مشددًا على اعتماد المؤسسات الدولية والإقليمية، مثل منظمة الوحدة العربية والهيئة العربية لضمان الاستثمار وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بشكل كبير على البيانات الوطنية، وفي حال حجبها تُستبدل بنماذج تقديرية تفتقر للدقة الميدانية. ولمزيد من التأصيل، يربط عصام فوزي بين ظهور الإحصاءات الاجتماعية والاقتصادية والصحية وتطور مهام الدولة الحديثة التي احتاجت إلى فهم دقيق لتركيبتها السكانية لإدارة الاقتصاد وتعظيم الإنتاج، ولم يكن الدافع حينها إنسانيًا بالضرورة. ويستطرد موضحًا أن الفقر لم يكن يُنظر إليه سابقًا كظاهرة تستحق الدراسة والمعالجة، وإنما كوصمة اجتماعية تُخفى أو تُعزل.

وفي السياق المصري، يتتبع فوزي بدايات هذا التحول منذ عصر محمد علي، الذي يقتبس عنه "أدرك أهمية البيانات في بناء دولة مركزية قوية، واحتاج إلى إحصاء السكان لتشكيل جيش حديث، وتشغيل المصانع، وتنظيم الموارد". وقد بلغ هذا الاهتمام ذروته في حقبة ثورة يوليو مع التوسع في تقديم الخدمات الاجتماعية وتأسيس كيانات متخصصة لجمع وتحليل البيانات، ولم يكن الهدف التوثيق فحسب، وإنما دعم التخطيط التنموي وتوجيه السياسات، حتى أصبحت الإحصاءات أداة حيوية لفهم المجتمع وإدارته. واليوم، يجد هذا الدور المحوري نفسه في قلب الأزمة نتيجة حجب أرقام الفقر.

ختامًا، يجمع الخبراء على أن مستقبل المنظومة الإحصائية مرهون بقدرتها على صون استقلاليتها الفنية وتحديث بياناتها بشفافية ودورية، مع التحذير من مغبة تحويل أي منصة رقمية أو جهة إدارية إلى بديل منقوص للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تجنبًا لضعف جودة القرارات الاقتصادية وتقويض قدرة الدولة على التخطيط السليم القائم على بيانات دقيقة وموثوقة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة