ما فعله الفيدرالي الأمريكي بالجنيه والديون والاستثمار في مصر

قبل كل اجتماع للاحتياطي الفيدرالي، تدخل السوق المصرية في حالة ترقب تتجاوز أحيانًا نظيرتها الأمريكية، فتتجه الأنظار إلى الجنيه وأسعار الفائدة والنمو والديون، وتتصاعد التكهنات بشأن انعكاسات القرار الأمريكي على الاقتصاد المحلي. فلماذا يحظى قرار الفائدة الأمريكي بكل هذا الاهتمام في مصر؟

يرتبط السبب بطبيعة الاقتصاد المصري الأكثر انكشافًا على الخارج، مع الاعتماد الكبير على التمويل والموارد الخارجية، بالتوازي مع التزامات واسعة على الموازنة العامة من القروض والفوائد، فضلًا عن عجز كبير في الميزان التجاري. لذلك لا يبقى قرار صادر عن البنك المركزي الأمريكي في نطاق السياسة النقدية الأمريكية، وإنما تمتد تداعياته إلى أسواق المال والعملات والتمويل في مصر.

المال الساخن.. نقطة الضعف

ظهرت حساسية السوق سريعًا عقب قرار الاحتياطي الفيدرالي رفع الفائدة بـ25 نقطة، إذ سجلت تعاملات العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي المصري صافي بيع بقيمة 267.5 مليون دولار خلال ساعات من الإعلان.

وتكشف هذه الحركة عن أحد أكثر مسارات التأثر مباشرة، فالمستثمرون الأجانب الذين دخلوا السوق المصرية بحثًا عن العائد المرتفع قد يعيدون توجيه أموالهم إلى السوق الأمريكية كلما أصبحت الأصول المقومة بالدولار أكثر جذبًا.

وتزداد حساسية هذه المعادلة مع تحذير استراتيجيين في بنك أوف أمريكا من احتمال رفع الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الرئيسي إلى أكثر من 5%، مقارنة بنطاق يتراوح بين 3.75% و4%، في سيناريو يعيد إلى الأذهان ما جرى في 2022.

وتحضر تلك الذكرى بقوة في حسابات المستثمرين، بعدما شهدت مصر حينها تخارجًا مفاجئًا لنحو 22 مليار دولار من الأموال الساخنة تحت تأثير رفع الفائدة الأمريكية والحرب الروسية على أوكرانيا. وفي ذلك الوقت، قالت وزارة المالية إنها تعلمت الدرس، في إشارة إلى تكرار الأزمات التي أعقبت خروج هذه الأموال من السوق المصرية.

وتعمل الأموال الساخنة عبر دورة واضحة، إذ يدخل المستثمر الأجنبي بالدولار ثم يحوله إلى الجنيه لشراء أدوات الدين الحكومية، ويحصل على العائد بالجنيه، قبل أن يعيد تحويل أمواله إلى الدولار عند التخارج. وكلما اتسعت حركة الخروج، ارتفع الطلب على الدولار وازداد الضغط على الجنيه.
الدولار يضغط.. والجنيه يدفع الثمن

ظهر هذا الضغط في سوق الصرف خلال أسبوع رفع الفائدة، حين سجل الدولار أمام الجنيه أفضل أداء أسبوعي له في 3 أشهر، مرتفعًا بأكثر من جنيه كامل، ليصل الخميس الماضي إلى 52.10 جنيه للشراء و52.20 جنيه للبيع، مقابل 51.15 جنيه للشراء و51.15 جنيه للبيع في الأسبوع الذي سبقه، بزيادة بلغت 1.9%.

وتعيد هذه الحركة إلى الواجهة ما شهده الجنيه في 2022، حين فقد 60% من قيمته خلال موجة هبوط حادة، وانضم إلى قائمة أسوأ 10 عملات أداءً، مع هروب الأموال الساخنة من الأسواق الناشئة وصدمة الحرب الروسية الأوكرانية.

لكن مسؤولًا في البنك الأهلي قال في تصريحات لـ"فكر تاني"، إن المشهد الحالي يختلف عن 2022، مشيرًا إلى تماسك الجنيه عند مستوياته الراهنة، خاصة مع ارتفاع الاحتياطي النقدي إلى 57.2 مليار دولار حاليًا، مقابل 33.1 مليار دولار في 2022.

ويحذر الخبير الاقتصادي محمد الدشناوي من أن رفع الفيدرالي الأمريكي الفائدة بـ25 نقطة يفرض ضغوطًا جديدة على الاقتصاد المصري، عبر زيادة فاتورة خدمة الدين الخارجي، ورفع تكلفة الاستيراد، وزيادة الضغط على سعر الصرف، إلى جانب تراجع الأموال الساخنة.

ولا يتوقف الأمر عند حركة المستثمرين، إذ يؤدي ارتفاع عوائد الأصول الأمريكية إلى إعادة توزيع حركة رؤوس الأموال، مع اتساع جاذبية الأصول الأمريكية باعتبارها توفر عوائد أعلى ومخاطر أقل. وينعكس ذلك على تكلفة السندات والقروض الدولية المقومة بالدولار، كما يزيد أعباء إعادة التمويل وسداد الديون المستحقة أو تدويرها.

وفي المقابل، يرى د. مدحت الشريف، خبير الاقتصاد السياسي، أن قرار الاحتياطي الفيدرالي لن يقود إلى خروج كبير للأموال الساخنة من مصر، موضحًا أنه قد يدفع بعض المستثمرين إلى شراء السندات الأمريكية للاستفادة من ارتفاع العائد، بينما يظل أثر ذلك على التدفقات النقدية في مصر محدودًا.

ويضيف الشريف أن زيادة تكلفة الاقتراض قد تخفض معدلات الإقراض، فتضغط على الإنتاج والنمو، مع إمكانية انتقال الضغوط إلى الأسعار.

القطاع الخاص أمام كلفة أعلى

مع صعود الفائدة الأمريكية، قد تضطر البنوك المركزية، ومنها البنك المركزي المصري في غالبية الأحوال، إلى تحريك الفائدة محليًا للحفاظ على جاذبية أوراق الدين المحلية وتقليص حوافز تخارج الأموال الساخنة. غير أن هذا المسار يفتح بابًا آخر للضغوط، هذه المرة أمام الشركات والقطاع الخاص.

ويشير مؤشر مديري المشتريات (PMI) الصادر عن مؤسسة "ستاندرد آند بورز جلوبال" إلى أن القطاع الخاص غير النفطي سجل 49.6 نقطة في أغسطس، مقابل 46.8 نقطة في يوليو، ليظل في نطاق الانكماش.

ويظل مستوى 50 نقطة هو الحد الفاصل بين النمو والانكماش، فيما يواجه القطاع ضغوطًا من نقص المواد الخام ومستلزمات الإنتاج، واضطرابات الشحن وعوائق سلاسل الإمداد، إلى جانب ارتفاع تكاليف المشتريات والوقود والنقل، وهو ما يضغط على هوامش أرباح الشركات.

وتعزز نتائج "باروميتر" الأعمال الصادر عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية هذه الصورة، بعدما تراجع مؤشر أداء الأعمال إلى 51 نقطة خلال الربع الثاني من 2026، مقارنة بـ52 نقطة في الربع السابق.

ورغم التراجع، ظل المؤشر أعلى من النقطة المحايدة البالغة 50 نقطة، مدفوعًا بأداء القطاعات الخدمية والشركات الكبيرة، التي يسهل عليها تمرير ارتفاع التكاليف إلى الزبائن.

وبحسب المركز، يعكس انخفاض المؤشر استمرار الظروف غير المواتية التي تواجه مجتمع الأعمال، وهو ما ظهر في تراجع مؤشرات الإنتاج والمبيعات المحلية واستغلال الطاقة الإنتاجية خلال الفترة من أبريل إلى يونيو 2026، مقارنة بالربع السابق الممتد من يناير إلى مارس.

وفي الربع الثاني من العام الحالي، تصدر التضخم قائمة المعوقات أمام القطاع الخاص في مصر، تلاه ارتفاع تكاليف الطاقة والمياه، بينما واجهت 13% من الشركات الكبيرة و20% من الشركات الصغيرة صعوبة في الحصول على التمويل.

ويقول الشريف إن ارتفاع الفائدة قد يرتبط بحدوث انكماش اقتصادي نتيجة صعود تكلفة التمويل وتراجع الإقبال على الاقتراض والاستثمار، مشيرًا إلى أن تأثيرات السياسة النقدية التي يتولاها البنك المركزي تمتد إلى قطاعات متعددة من الاقتصاد.

أما الخبير المصرفي طارق متولي، فيرى أن البنك المركزي قد يضطر إلى رفع الفائدة محليًا للحفاظ على الأموال الساخنة، موضحًا أن القرار المصري لا يتحدد وفق تحركات الفيدرالي الأمريكي وحدها، وإنما يرتبط أيضًا بالمؤشرات المحلية، وفي مقدمتها التضخم وفوائد الدين العام على الموازنة.

الموازنة تحت ضغط الدولار والفائدة

كل هذه التحركات تصل في النهاية إلى وزارة المالية، التي تواجه أثرًا مباشرًا من تحرك سعر الصرف، إذ إن كل جنيه زيادة في سعر الدولار يكلفها نحو 5 مليارات جنيه إضافية في تكلفة خدمة الدين الخارجي.

وتتضاعف الضغوط مع الفائدة المحلية، فكل زيادة بنسبة 1% في أسعار الفائدة ترفع عجز الموازنة العامة للدولة بنحو 120 مليار جنيه إضافية.

وتأتي هذه الحسابات فيما تواجه المالية ضغطًا آخر من سوق النفط، مع ارتفاع العقود الآجلة لخام برنت، المعيار العالمي للأسعار، إلى 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ يوليو.

وكانت وزارة المالية قد افترضت في موازنة العام المالي الحالي 2025/2026 سعرًا يبلغ 75 دولارًا لبرميل النفط، ما يجعل الأسعار الحالية أعلى من التقديرات بنحو 25 دولارًا.

ويظهر أثر الضغوط الخارجية أيضًا في التجارة، إذ ارتفع عجز الميزان التجاري في مصر بنسبة 58.5% خلال يونيو الماضي إلى 7.5 مليار دولار، مقابل 4.7 مليار دولار في يونيو 2025، بزيادة قدرها 2.8 مليار دولار، مدفوعة بالعبء الكبير لاستيراد البترول من الخارج.

وخلال يونيو 2026، قفزت قيمة الواردات بنحو 50% لتسجل 12.4 مليار دولار، مقابل 8.3 مليار دولار خلال يونيو 2025، بزيادة بلغت 4.1 مليار دولار.

وفي الاتجاه المقابل، ارتفعت الصادرات بنسبة 37.4% إلى 5 مليارات دولار، مقارنة بـ3.6 مليار دولار خلال الشهر نفسه من 2025، بزيادة قدرها 1.4 مليار دولار.

ويشرح الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح جانبًا آخر من هذه المعادلة، موضحًا أن قوة الدولار عالميًا ترفع تكلفة تمويل الواردات وتضاعف حاجة الاقتصاد إلى تدفقات مستمرة من العملة الصعبة. فالنفط والقمح وغيرهما من السلع الأساسية تُسعر غالبًا بالدولار، ما يجعل ارتفاعه عاملًا إضافيًا في زيادة تكلفة استيرادها للدول التي تعتمد على الخارج.

وفي حالة مصر، يقول أبو الفتوح إن صعود الدولار قد يرفع فاتورة الاستيراد ويزيد الضغوط على أسعار السلع والتضخم، ما يجعل تقليل الاعتماد على الواردات وتضييق الفجوة التجارية أمرًا ضروريًا.

هنا تتضح حساسية الاقتصاد المصري تجاه قرار الفائدة الأمريكية، فالتأثير لا يتوقف عند حركة الأموال بين الأسواق، وإنما يمتد إلى سعر الصرف وتكلفة التمويل والإنتاج والموازنة والتجارة الخارجية، وصولًا إلى المواطن البسيط القابع في قلب الريف. وفي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات الخارج، يمكن لاضطراب في السياسة النقدية الأمريكية أن يتحول سريعًا إلى ضغط محسوس داخل السوق المصرية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة