كلما اشتدت الأزمة الاقتصادية في مصر، عادت معها إلى الواجهة مقولة إن ما تعانيه البلاد اليوم هو الثمن الذي دفعته بسبب ثورة يناير، وإن خسائرها بلغت 450 مليار دولار، وهو رقم ورد في تصريحات رئاسية أكثر من مرة، وتحولت هذه المقولة إلى إجابة جاهزة عن كل سؤال يتعلق بالاقتصاد، حتى بدا وكأن حدثا وقع قبل خمسة عشر عاما يكفي وحده لتفسير كل ما جرى بعده.
لكن الاقتصاد لا يعمل بهذه الطريقة، فالأزمات الاقتصادية لا تنشأ دائما من حدث واحد، كما أن الصدمات السياسية أيضا لا تفسر وحدها مسار اقتصاد يمتد عبر سنوات طويلة، فقد تؤدي ثورة أو حرب إلى تراجع النمو أو هروب الاستثمارات أو انخفاض الاحتياطي النقدي، لكنها لا تفسر بمفردها استمرار الاختلالات إذا ظلت قائمة بعد سنوات من استعادة الاستقرار واتباع سياسات اقتصادية جديدة.
لهذا، لن نخوض في إثبات أو نفي الرقم المتداول بشأن خسائر ثورة يناير، لأن ذلك يتطلب منهجية حسابية معلنة لم تُنشر تفاصيلها حتى الآن، بدلا من ذلك سنطرح سؤالا أكثر أهمية: هل تؤيد المؤشرات الاقتصادية الرئيسية أن الأزمة التي تعيشها مصر اليوم بدأت مع ثورة يناير، أم أن جذورها كانت أقدم منها واستمرت بعدها تحت تأثير سياسات اقتصادية وصدمات خارجية متعاقبة؟
وللإجابة عن هذا السؤال، لن نعتمد على الانطباعات أو الخطابات السياسية، وإنما على أربعة مؤشرات رئيسية صدرت عن مؤسسات رسمية، هي الميزان التجاري، والدين الخارجي، والاحتياطي النقدي، وسعر الصرف، فهذه المؤشرات تكشف كيف تطور الهيكل الاقتصادي المصري قبل الثورة وبعدها، وما إذا كانت السنوات التي تلت استعادة الاستقرار نجحت في معالجة الاختلالات التي ظهرت أو ورثتها.
هل بدأ اختلال الميزان التجاري مع ثورة يناير؟
يُعد الميزان التجاري أول اختبار يمكن من خلاله قياس مدى صحة الادعاء بأن الأزمة الاقتصادية المصرية بدأت مع ثورة يناير، فإذا كانت الثورة هي نقطة البداية، فمن المفترض أن يظهر اقتصاد متوازن قبل عام 2011 ثم يبدأ الاختلال بعدها، أما إذا كان العجز قائما بالفعل قبل الثورة، فإن ذلك يعني أن يناير ربما فاقمت المشكلة، لكنها لم تنشئها.
وتكشف بيانات البنك المركزي المصري أن الاقتصاد المصري دخل عام 2011 وهو يعاني بالفعل من عجز تجاري كبير، ففي السنة المالية 2010/2011 بلغت قيمة الصادرات السلعية 26.99 مليار دولار، مقابل واردات بلغت 54.10 مليار دولار، ليسجل الميزان التجاري عجزا قدره 27.10 مليار دولار، بينما لم تتجاوز نسبة تغطية الصادرات للواردات 49.9%، بمعنى آخر، كانت مصر تستورد نحو دولارين مقابل كل دولار تحققه من الصادرات، وهو ما يعكس وجود اختلال هيكلي في التجارة الخارجية سبق ثورة يناير. الجدول (1)
تطور الميزان التجاري المصري
| نسبة تغطية الصادرات للواردات | العجز التجاري (مليار دولار) | الواردات السلعية (مليار دولار) | الصادرات السلعية (مليار دولار) | السنة المالية |
| 49.9% | 27.10 | 54.10 | 26.99 | 2010/2011 |
| 42.3% | 34.14 | 59.21 | 25.07 | 2011/2012 |
| 41.2% | 32.80 | 55.79 | 22.99 | 2016/2017 |
| 44.1% | 51.00 | 91.20 | 40.20 | 2024/2025 |
المصدر: البنك المركزي المصري – تقارير ميزان المدفوعات.
ومع اندلاع ثورة يناير، وما تبعها من اضطرابات سياسية وأمنية، اتسعت الفجوة التجارية بصورة ملحوظة، ففي السنة المالية 2011/2012 ارتفع العجز التجاري إلى 34.14 مليار دولار، بزيادة تقارب 7 مليارات دولار عن العام السابق، نتيجة تراجع الصادرات إلى 25.07 مليار دولار وارتفاع الواردات إلى 59.21 مليار دولار، لتنخفض نسبة تغطية الصادرات للواردات إلى 42.3%. وبعد خمس سنوات، ومع بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي وتحرير سعر الصرف في السنة المالية 2016/2017، لم يختف هذا الاختلال، إذ ظل العجز التجاري يدور حول أكثر من 30 مليار دولار، بما يعكس استمرار الفجوة بين الصادرات والواردات، رغم تغير السياسات الاقتصادية، ولم يكن ذلك ناتجا عن ضعف الصادرات وحده، وإنما أيضا عن استمرار اعتماد الاقتصاد على الواردات لتوفير مستلزمات الإنتاج والسلع الوسيطة والنهائية.
وبالانتقال إلى آخر سنة 2024/2025، يتضح أن قيمة الصادرات السلعية ارتفعت مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أن الواردات ارتفعت بوتيرة أكبر، ليتسع بذلك العجز التجاري إلى نحو 51 مليار دولار، وبذلك يكون العجز قد ارتفع بنحو 24 مليار دولار مقارنة بما كان عليه قبل ثورة يناير، وبنحو 17 مليار دولار مقارنة بالسنة المالية 2011/2012، وهو ما يعكس أن الفجوة التجارية لم تنجح السياسات الاقتصادية في احتوائها بصورة مستدامة.
ولا تعني هذه الأرقام أن ثورة يناير لم يكن لها أثر اقتصادي، فقد ساهمت حالة عدم الاستقرار التي أعقبتها في تعميق الضغوط على التجارة الخارجية، لكنها في الوقت نفسه تكشف أن العجز التجاري لم يبدأ مع الثورة، بل كان موجودا قبلها واستمر بعد بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي، بل اتسع بعد ما يقرب من عقد على تطبيقه.
كيف جرى تمويل الاختلالات الاقتصادية؟
في الظروف الطبيعية، تستطيع الدولة تمويل العجز التجاري من خلال زيادة الصادرات أو جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة أو تنمية مواردها من السياحة وقناة السويس وتحويلات العاملين بالخارج، لكن عندما لا تكفي هذه الموارد، يصبح الاقتراض الخارجي أحد أهم مصادر توفير النقد الأجنبي.
وتشير بيانات البنك المركزي المصري إلى أن الدين الخارجي لم يشهد قفزة كبيرة خلال العام الأول بعد ثورة يناير، ففي نهاية السنة المالية 2010/2011 بلغ رصيد الدين الخارجي نحو 34.7 مليار دولار، ثم سجل نحو 34.4 مليار دولار في نهاية السنة المالية 2011/2012، أي أنه ظل شبه مستقر رغم ما شهدته البلاد من اضطرابات سياسية واقتصادية.
تطور الدين الخارجي
| معدل الزيادة | الزيادة عن الفترة السابقة (مليار دولار) | رصيد الدين الخارجي (مليار دولار) | السنة المالية |
| ـــ | ـــ | 34.7 | 2010/2011 |
| -0.9% | -0.3 | 34.4 | 2011/2012 |
| +129.7% | +44.6 | 79.0 | 2016/2017 |
| +96.3% | +76.1 | 155.1 | 2024/2025 |
المصدر: البنك المركزي المصري – التقارير السنوية للدين الخارجي.
لكن الصورة تغيرت بصورة جذرية مع بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي، فبحلول نهاية السنة المالية 2016/2017 ارتفع الدين الخارجي إلى نحو 79 مليار دولار، أي بزيادة تجاوزت 44 مليار دولار مقارنة بعام 2011/2012، وهو ما يعادل أكثر من ضعف حجمه خلال خمس سنوات فقط.
ولم يتوقف هذا الاتجاه عند ذلك الحد، بل واصل الدين الخارجي ارتفاعه خلال السنوات التالية، حتى بلغ نحو 155.1 مليار دولار في نهاية السنة المالية 2024/2025، وبذلك يكون رصيد الدين الخارجي قد ارتفع بأكثر من 120 مليار دولار مقارنة بما كان عليه قبل ثورة يناير، ليصل إلى ما يزيد على أربعة أمثال مستواه في عام 2010/2011.
وتكمن أهمية هذا المؤشر في أن الاقتصاد المصري اتجه بصورة متزايدة إلى الاعتماد على التمويل الخارجي لتغطية احتياجاته من النقد الأجنبي، في وقت لم ينجح فيه في تقليص العجز التجاري بصورة مستدامة، وتتضح الصورة بشكل أكبر عند الربط بين المؤشرين الأول والثاني، فبينما ارتفع العجز التجاري من 27.1 مليار دولار قبل الثورة إلى نحو 51 مليار دولار في السنة المالية 2024/2025، ارتفع الدين الخارجي من 34.7 مليار دولار إلى أكثر من 155 مليار دولار خلال الفترة نفسها، ويعني ذلك أن جزءا مهما من الاختلالات الخارجية جرى تمويله من خلال التوسع في الاقتراض، وليس فقط من خلال زيادة الموارد الذاتية للاقتصاد.
وهذا المؤشر أيضا لا يشير إلى أن الأزمة الاقتصادية الحالية تعود إلى ثورة يناير، فالدين الخارجي لم يرتفع بصورة جوهرية خلال العام الأول بعد الثورة، بينما جاءت أكبر موجات الزيادة خلال السنوات اللاحقة، بالتزامن مع تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي واستمرار الحاجة إلى تمويل الفجوة بين موارد الدولة من النقد الأجنبي والتزاماتها الخارجية.
هل يعكس ارتفاع الاحتياطي النقدي تحسنا في الاقتصاد؟
يمثل الاحتياطي النقدي خط الدفاع الأول عن الاقتصاد، فمن خلاله تمول الدولة وارداتها الأساسية، وتفي بالتزاماتها الخارجية، وتدعم استقرار سوق الصرف، لذلك فإن تطوره عبر السنوات يعد أحد أهم المؤشرات على قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.
وتشير بيانات البنك المركزي المصري إلى أن صافي الاحتياطيات الدولية بلغ نحو 36 مليار دولار في نهاية السنة المالية 2010/2011، قبل أن يتراجع بصورة حادة إلى نحو 15.5 مليار دولار في نهاية السنة المالية 2011/2012، نتيجة الضغوط التي تعرض لها الاقتصاد عقب الثورة، وفي مقدمتها تراجع إيرادات السياحة والاستثمار الأجنبي وخروج جزء من رؤوس الأموال، وهو ما أدى إلى استنزاف جانب كبير من الاحتياطي للدفاع عن الجنيه، وتمويل احتياجات الاقتصاد من النقد الأجنبي.
تطور صافي الاحتياطيات الدولية
| التغير عن الفترة السابقة (مليار دولار) | صافي الاحتياطيات الدولية (مليار دولار) | السنة المالية |
| ـــ | 36.0 | 2010/2011 |
| -20.5 | 15.5 | 2011/2012 |
| +15.8 | 31.3 | 2016/2017 |
| +16.7 | أكثر من 48 | 2024/2025 |
المصدر: البنك المركزي المصري – النشرة الإحصائية الشهرية والتقارير السنوية.
لكن المشهد تغير بصورة واضحة بعد بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي وتحرير سعر الصرف في عام 2016، فقد بدأ الاحتياطي في التعافي تدريجيا حتى تجاوز 48 مليار دولار في السنة المالية 2024/2025، وهو أعلى مستوى يبلغه في تاريخه.
وقد يدفع هذا التطور البعض إلى الاستنتاج بأن أزمة النقد الأجنبي قد انتهت، إلا أن هذا الاستنتاج يحتاج إلى قدر من الحذر.
فالاحتياطي النقدي لا يعكس فقط ما نجح الاقتصاد في توليده من موارد ذاتية عبر الصادرات أو السياحة أو الاستثمار الأجنبي المباشر أو تحويلات العاملين بالخارج، وإنما يتكون أيضا من مكونات أخرى تدخل ضمن الاحتياطيات الدولية وفق المعايير المحاسبية الدولية، من بينها ودائع حصل عليها البنك المركزي من دول عربية في فترات مختلفة، إلى جانب تمويلات خارجية وأصول احتياطية أخرى، ومن ثم فإن ارتفاع الاحتياطي لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد أصبح أقل اعتمادا على التمويل الخارجي، بل قد يعكس أيضا أن الدولة استطاعت أن تدبر مصادر تمويل إضافية لتعزيز هذا الاحتياطي.
وتتضح الصورة بصورة أكبر عند الربط بين هذا المؤشر وما سبقه، ففي الوقت الذي ارتفع فيه الاحتياطي النقدي إلى أكثر من 48 مليار دولار، ارتفع الدين الخارجي أيضا إلى أكثر من 155 مليار دولار، بينما ظل العجز التجاري عند مستويات أعلى مما كان عليه قبل وأثناء ثورة يناير، ويشير ذلك إلى أن تحسن الاحتياطي لم يكن ناتجا فقط عن زيادة قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي، وإنما جاء مع توسع واضح في التمويل الخارجي.
ومن ثم، فإن هذا المؤشر لا ينفي حدوث تحسن في وضع الاحتياطي النقدي مقارنة بما كان عليه بعد ثورة يناير، لكنه في الوقت نفسه لا يقدم دليلا كافيا على أن الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد قد جرى تجاوزها، فالاحتياطي تعافى بالفعل، بينما ظل العجز التجاري مرتفعا واستمر الدين الخارجي في الزيادة، وهو ما يكشف أن معالجة أزمة النقد الأجنبي اعتمدت على الاقتراض وليس على نمو الموارد الإنتاجية وحدها.
ماذا يخبرنا تراجع قيمة الجنيه عن مسار الأزمة؟
بعد استعراض العجز التجاري والدين الخارجي والاحتياطي النقدي، يصبح السؤال: إذا كانت الدولة نجحت في إعادة بناء احتياطياتها من النقد الأجنبي، فلماذا استمرت قيمة الجنيه في التراجع؟ تكمن الإجابة في أن سعر الصرف لا يتحدد بحجم الاحتياطي وحده، وإنما يعكس في النهاية قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي بصورة مستدامة، ومدى التوازن بين الطلب على العملات الأجنبية والمعروض منها، ولذلك فإن تطور سعر الصرف يمثل خلاصة لتفاعل المؤشرات التي تناولناها في المحاور السابقة.
وتوضح بيانات البنك المركزي المصري أن سعر صرف الدولار في نهاية السنة المالية 2010/2011 بلغ نحو 5.95 جنيه، ثم ارتفع بصورة محدودة إلى ما يقرب من 6.06 جنيه في نهاية السنة المالية 2011/2012، رغم الضغوط التي تعرض لها الاقتصاد عقب الثورة.
تطور سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري
| أبرز التطورات | سعر الصرف في نهاية السنة المالية (جنيه/دولار) | السنة المالية |
| استقرار نسبي قبل الثورة | 5.95 | 2010/2011 |
| ضغوط على سوق النقد الأجنبي | 6.06 | 2011/2012 |
| تحرير سعر الصرف | نحو 18.00 | 2016/2017 |
| استمرار نظام سعر الصرف المرن | نحو 49–50 | 2024/2025 |
المصدر: البنك المركزي المصري – البيانات التاريخية لأسعار الصرف.
وتوضح هذه البيانات أن التراجع الأكبر في قيمة الجنيه لم يحدث خلال العام الأول بعد الثورة، وإنما بدأ مع قرار تحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016، عندما انتقل البنك المركزي إلى نظام أكثر مرونة في تحديد سعر العملة ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد، لكن السنوات التالية أظهرت أن استقرار سوق الصرف لا يعتمد على الاحتياطي وحده. فمع اندلاع الأزمات العالمية، وخروج جزء من استثمارات المحافظ الأجنبية، وارتفاع أسعار الفائدة عالميا، واستمرار العجز التجاري عند مستويات مرتفعة، تعرض الجنيه لموجات جديدة من الانخفاض في أعوام 2022 و2023 و2024، ليصل سعر الدولار إلى ما يقارب خمسين جنيها في نهاية السنة المالية 2024/2025.
وعند الربط بين هذا المؤشر وما سبقه، تتضح صورة أكثر اكتمالا، فالعجز التجاري ظل مرتفعا، والدين الخارجي تضاعف أكثر من أربع مرات، والاحتياطي النقدي تعافى، لكنه استند في جزء من تكوينه إلى تمويلات وودائع خارجية في فترات مختلفة، وفي ظل هذه المعطيات، لم يكن من الممكن الحفاظ على سعر صرف ثابت لفترة طويلة دون ضغوط متكررة.
ولم تتوقف آثار تراجع قيمة الجنيه عند سوق الصرف، بل امتدت إلى مختلف جوانب الاقتصاد، فمع ارتفاع تكلفة الواردات ارتفعت أسعار السلع والخدمات، وتسارعت معدلات التضخم، وتآكلت القوة الشرائية للأجور والدخول، وهو ما جعل أثر تغير سعر الصرف محسوسا بصورة مباشرة في الحياة اليومية للمواطنين.
وهكذا، فإن تطور سعر الصرف لا يقدم دليلا على أن الأزمة الاقتصادية الحالية تعود إلى حدث واحد وقع في عام 2011، بقدر ما يكشف أن قيمة العملة الوطنية كانت النتيجة النهائية لمسار طويل من الاختلالات الهيكلية والسياسات الاقتصادية والمتغيرات الدولية، وهي النتيجة نفسها التي قادت إليها المؤشرات السابقة، وإن اختلفت زاوية النظر إليها.
ماذا تقول المؤشرات مجتمعة؟
بعد استعراض المؤشرات الأربعة، يصبح من الممكن العودة إلى السؤال الذي بدأنا به: هل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها مصر اليوم هي نتيجة مباشرة لثورة يناير؟ تشير المؤشرات إلى أن الإجابة أكثر تعقيدا من مجرد تحميل حدث سياسي واحد مسؤولية ما جرى خلال خمسة عشر عاما.
مقارنة مجمعة للمؤشرات الاقتصادية الرئيسية
| 2024/2025 | 2016/2017 | 2011/2012 | 2010/2011 | المؤشر |
| 51.00 | 32.80 | 34.14 | 27.10 | العجز التجاري (مليار دولار) |
| 155.1 | 79.0 | 34.4 | 34.7 | الدين الخارجي (مليار دولار) |
| أكثر من 48 | 31.3 | 15.5 | 36.0 | صافي الاحتياطيات الدولية (مليار دولار) |
| 49–50 | 18.00 | 6.06 | 5.95 | سعر صرف الدولار (جنيه/دولار) |
المصدر: إعداد الباحث اعتمادا على بيانات البنك المركزي المصري.
فالميزان التجاري يبين أن الاقتصاد المصري كان يعاني من عجز هيكلي قبل عام 2011، واستمر هذا العجز بعد الثورة، ثم ظل قائما بعد بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي، بل اتسع في السنة المالية 2024/2025 مقارنة بجميع السنوات محل المقارنة.
ويكشف الدين الخارجي أن أكبر موجات التوسع في الاقتراض لم تحدث خلال العام الأول بعد الثورة، وإنما جاءت في السنوات التالية مع تزايد احتياجات الاقتصاد إلى التمويل الخارجي.
أما الاحتياطي النقدي، فلم يعتمد على نمو الموارد الذاتية للاقتصاد، بل دعمه ودائع حصل عليها البنك المركزي من بعض الدول العربية في فترات مختلفة، إلى جانب مكونات أخرى تدخل ضمن الاحتياطيات الدولية وفق المعايير المحاسبية المتبعة. ويوضح تطور سعر الصرف أن أكبر انخفاض في قيمة الجنيه لم يقع مباشرة بعد ثورة يناير، وإنما جاء مع تحرير سعر الصرف في عام 2016، ثم تكرر خلال السنوات التالية تحت تأثير استمرار الضغوط على سوق النقد الأجنبي، وتغير الأوضاع الاقتصادية والمالية العالمية.
وبذلك، لا تقدم المؤشرات الاقتصادية سندا كافيا لرد الأزمة الاقتصادية الحالية إلى ثورة يناير.