من بالوعة القاهرة إلى مزارع بئر العبد.. هكذا تسير مياه الصرف نحو أراضي سيناء

بضع حبات من الليمون والزيتون والبلح، لا تحمل ملامحها ما يميزها عن غيرها من الثمار الناضجة، كنا نلتقطها والشمس تنعكس فوق قشرتها، بينما نخوض غمار الجولة التفقدية التي قامت بها فرق من وزارة الصحة ووزارة الزراعة لتفقد مزرعة الجبل الأصفر التابعة لمحطة معالجة مياه الصرف الصحي، بضع حبات ناصعة لا تختلف عن مثيلاتها في شيء إلا في طريق ريها بالمياه المعالجة.

بدت الثمار، وهي في طريقها إلى التحليل للوقوف على مدى مطابقتها للاشتراطات، مماثلة لنظيراتها التي تُروى بمياه الري العادية من حيث اللون والحجم والرائحة، فيما تتدفق مياه الصرف الصحي المعالجة ثنائيًا في رحلتها من محطة الجبل الأصفر إلى محطة بحر البقر، لتخضع للمعالجة الثلاثية قبل توجهها نحو أراضي شمال سيناء، وتدخل بعدها في منظومة الري المخصصة لمشروعات تنمية واستصلاح الأراضي هناك.

هذه المزرعة التجريبية، التي تمتد على مساحة 300 فدان، أُنشئت لاختبار استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة في المحطة لري الزراعات، وتضم عددًا من الأشجار والنباتات، من بينها الليمون والزيتون والبيكان، إلى جانب الجوجوبا والجاتروفا المستخدمتين في إنتاج الزيوت والوقود الحيوي.

وبين صورة الثمار ومسار تدفق مياه ريها المعالجة ثنائيًا، والمسار الآخر الذي ستخوضه المياه بعد معالجتها ثلاثيًا لتروي المشروعات الزراعية التي تمتد مئات الآلاف من الأفدنة في شمال سيناء، ثمة أسئلة كثيرة عن أسباب معالجة مياه الصرف الصحي، وكمية المياه التي يتم معالجتها، ومدى إمكانية الاعتماد عليها في الزراعات المختلفة، وكيفية التأكد من جودة المحاصيل المنتجة، ومدى معرفة الجمهور وقابليته لذلك، ومدى اكتمال منظومة نقل المياه ووصولها إلى الأراضي المستهدفة، وحجم المساحات التي بدأت بالفعل في الاستفادة منها، وهي أسئلة تستدعي تتبع مسار المياه المعالجة من نقطة خروجها من محطة الجبل الأصفر كمرحلة أولى، مرورًا بمحطة بحر البقر، وصولًا إلى الأراضي الزراعية في شمال سيناء، ورصد ما تحقق على الأرض بعد استخدام هذه المياه، وما لا يزال ينتظر اكتمال المنظومة.

أسباب معالجة مياه الصرف الصحي

"في وقت يعيش فيه 36% من سكان العالم في مناطق تعاني من ندرة المياه، تُعد معالجة مياه الصرف الصحي لإعادة استخدامها جزءًا من حلول مشكلات ندرة المياه والتلوث"، هذا ما تؤكده جينيفر سارا، المديرة العالمية لقسم المياه في البنك الدولي. فبحسب تقديرات الأمم المتحدة سيعيش 1.8 مليار نسمة في بلدان أو مناطق تعاني من شح مطلق في المياه بحلول عام 2025، وتضم إفريقيا أكبر عدد من البلدان التي تعاني من الإجهاد المائي مقارنة بأي منطقة أخرى في العالم، فيما يُتوقع أن يزيد تغير المناخ من عدم القدرة على التنبؤ بتوافر إمدادات المياه العذبة وتقلبها.

من هنا يبرز إعادة استخدام مياه الصرف الصحي كأحد الخيارات المتاحة لمواجهة هذه الندرة، خصوصًا في المناطق القاحلة وشبه القاحلة، وهو ما تؤكده السفيرة شهيرة وهبي، رئيسة قسم استدامة الموارد الطبيعية والشراكات والحد من مخاطر الكوارث بجامعة الدول العربية، حين تصف المنطقة العربية بأنها "الأكثر ندرة في المياه بين جميع مناطق العالم"، موضحة أن 19 من بين 22 دولة عربية تقع في نطاق شح المياه، وأن 21 من 22 دولة عربية تحصل على مواردها المائية الأساسية من مياه عابرة للحدود. تصبح معالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها بهذا المعنى أحد الحلول غير التقليدية التي تملكها دول المنطقة لمجابهة شح مائي متزايد.

تتجسد هذه المعادلة بوضوح في عمل محطة الجبل الأصفر لمعالجة مياه الصرف الصحي، التي يصفها المهندس هشام زكي، مدير مشروع المحطة، بأنها تمثل المرحلة الأخيرة من المشروع العام للصرف الصحي بالضفة الشرقية لنهر النيل.

وتخدم المحطة، بحسب حديثه لـ"فكر تاني"، المناطق الممتدة من المعادي جنوب القاهرة مرورًا بعدد من أحياء العاصمة وصولًا إلى الجبل الأصفر جنوب شرق محافظة القليوبية، بكثافة سكانية تصل إلى 12.5 مليون نسمة، وذلك بطاقة إنتاجية تبلغ 2.5 مليون متر مكعب يوميًا، تكفي لري ما لا يقل عن 150 ألف فدان.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ يجري العمل حاليًا، وفق زكي، على تنفيذ المرحلة الثالثة لتوسعة المحطة، التي تستهدف رفع طاقتها الاستيعابية إلى 3.5 مليون متر مكعب يوميًا، بما يرفع عدد المستفيدين من خدماتها إلى نحو 17.5 مليون نسمة.

وتكشف بيانات حصلت عليها "فكر تاني" من بعثة الاتحاد الأوروبي بمصر أن تكلفة مشروع التوسعة تبلغ 510 ملايين يورو، تتوزع بين منحة أوروبية قدرها 10 ملايين يورو، ومنحة فرنسية تبلغ 1.5 مليون يورو، وقرضين من بنك التنمية الإفريقي بقيمة 110 ملايين يورو ومن الوكالة الفرنسية للتنمية بقيمة 50 مليون يورو، إضافة إلى تمويل من الحكومة المصرية بنحو 338.5 مليون يورو.

بداية الرحلة وكمية المياه المعالجة

يبدأ مصير هذه المياه المعالجة بعد خروجها من المحطة في مصرف الجبل الأصفر، الذي يستقبل بدوره المياه المعالجة ثنائيًا من محطة البركة بحي السلام، لتتجه بعدها إلى مصرف بلبيس ومنه إلى مصرف بحر البقر، "الذي يُعد أكبر مصرف مياه في العالم"، والذي يصب في بحيرة المنزلة شمال الجمهورية، فيما ينتهي صرف المياه المعالجة بمحطة بلقس إلى مصرف بحر البقر أيضًا.

وتكشف بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء زيادة مستمرة في كمية مياه الصرف الصحي المعالجة وعدد محطات المعالجة خلال السنوات الخمس الأخيرة، إذ ارتفعت كمية الصرف المعالج من 5.135 مليار متر مكعب في 2019 إلى 5.608 مليار متر مكعب في 2024، بزيادة تقارب 472.2 مليون متر مكعب، أي نحو 9.2% خلال خمس سنوات، بينما ارتفع عدد محطات المعالجة في الفترة نفسها من 455 إلى 518 محطة، بزيادة قدرها 63 محطة، أي نحو 13.8%.

رسم بياني يوضح كمية مياه الصرف الصحي المعالجة خلال السنوات الخمسة الأخيرة

ولم تقتصر هذه الزيادة على عدد المحطات أو كمية المياه المعالجة فحسب، فقد ارتفعت أيضًا نسبة المياه المعالجة من إجمالي مياه الصرف الصحي من 74.3% في 2019 إلى 89.3% في 2024، بما يعني أن الفارق بين إجمالي مياه الصرف وكمية المياه المعالجة تقلص بصورة واضحة خلال تلك الفترة.

رسم بياني يوضح: عدد محطات معالجة مياه الصرف الصحى خلال السنوات الخمسة الماضية

ري الأراضي بالمياه المعالجة

يفيد مصدر مسؤول بقطاع الموارد المائية والري في شمال سيناء بأن مشروع تنمية شمال سيناء واستصلاح 456.1 ألف فدان يعتمد بشكل أساسي على مصدرين لتوفير مياه الري، هما محطة معالجة مياه مصرف بحر البقر وترعة السلام.

ويوضح المصدر، الذي تحفظ على نشر اسمه لـ"فكر تاني"، أن إجمالي الاحتياجات المائية للمشروع يقدر بنحو 7.6 مليون متر مكعب يوميًا، منها 5.6 مليون متر مكعب يوميًا توفرها محطة معالجة مصرف بحر البقر، بينما توفر ترعة السلام نحو مليوني متر مكعب يوميًا، عبر مياه تختلط فيها مياه النيل بمياه الصرف الزراعي بنسبة 1 إلى 1.

تعبر هذه المياه أسفل قناة السويس عبر "أنفاق سحارة ترعة السلام" عند الكيلو 27.800، لتلتقي بمياه محطة المعالجة عند الكيلو 1.330 على ترعة الشيخ جابر، ثم تتجه إلى محطة السلام 4 التي تتولى رفع المياه وضخها في ترعة الشيخ جابر الممتدة بطول 86.5 كيلومترًا حتى منطقة بئر العبد.
أما على صعيد الموقف التنفيذي للزراعات ومناطق توزيع المياه، فيشهد سهل الطينة وجنوب القنطرة حاليًا أعمال ري وزراعة تغطي نحو 100 ألف فدان، تشمل الزراعات الصيفية الأرز والقطن والذرة، إلى جانب الموالح والمانجو والزيتون في جنوب القنطرة، بينما تضم الزراعات الشتوية القمح وبنجر السكر والبرسيم والشعير.

وتبلغ مساحة منطقة رابعة وبئر العبد 150 ألف فدان إداريًا و125 ألف فدان زراعيًا، وقد نُفذ 22 مأخذًا من أصل 24 مأخذًا ضمن شبكة الري العامة، فيما بلغت المساحات الجاهزة للزراعة نحو 113 ألف فدان.

وفي وسط سيناء، يعتمد المشروع على مسارين ناقلين لخدمة نحو 260 ألف فدان، بنسبة تنفيذ إجمالية بلغت 90.5%. يخدم المسار الأول، القائم على مواسير و15 محطة طلمبات، نحو 200 ألف فدان، مع جاهزية نحو 55 ألف فدان للمرحلة الأولى، بينما يخدم المسار الثاني، وهو مسار مكشوف مزود بمحطة طلمبات واحدة، نحو 60 ألف فدان، تبلغ مساحاته الجاهزة نحو 13 ألف فدان.
صلاحية المياه المعالجة والتأكد من جودة المحاصيل

تظهر نتائج تحليل عينات ثمار المزرعة التجريبية بمحطة الجبل الأصفر، الصادرة عن المعمل المركزي لتحليل متبقيات المبيدات والعناصر الثقيلة في الأغذية التابع لمركز البحوث الزراعية بوزارة الزراعة، التي جرى فحصها على مدار ثلاثة مواسم متتالية في أعوام 2023 و2024 و2025، وحصلت "فكر تاني" على نسخة منها، تفاوتًا في تركيزات العناصر الثقيلة بحسب نوع المحصول والعينة.

وشملت التحاليل ثمارًا من بينها الزيتون والليمون والتمر والبيكان والمانجو، باستخدام تقنية التحليل بالطيف الكتلي للبلازما المقترنة حثيًا (ICP-MS).

وبحسب هذه النتائج خلال السنوات الثلاث، جاءت عناصر الرصاص والزرنيخ والكادميوم والقصدير والزئبق والنيكل والكوبالت والكروم والأنتيمون في عدد من العينات إما غير مكتشفة أو أقل من حد القياس الكمي، في حين ظهرت عناصر أخرى بتركيزات قابلة للقياس، من بينها الحديد والزنك والنحاس والمنجنيز.

وسجلت عينة زيتون من مساحة 26 فدانًا رصاصًا أقل من حد القياس الكمي، مقابل 3 ملجم/كجم من الزنك و9.3 ملجم/كجم من الحديد، فيما سجلت عينة تمر 0.038 ملجم/كجم من الرصاص، وهي فوارق تكشفها شهادات التحليل بين العينات والمواسم دون تطابق كامل في تركيزات العناصر.

ويوضح المهندس هشام زكي أن المحطة تعتمد على نظام منتظم لأخذ عينات من المحاصيل المزروعة في مزرعتها التجريبية، إذ تحصل وزارة الصحة على عينات من المحصول سنويًا بحضور الجهات المعنية، ويؤكد أن المياه تخضع لتحاليل وقياسات قبل استخدامها في الري وفق اشتراطات تتعلق بطبيعة المحاصيل المزروعة، بحيث تقتصر على الأنواع التي تنمو ثمارها فوق سطح الأرض ولا تؤكل نيئة، فضلًا عن خضوع المحاصيل الناتجة عن المزرعة للمتابعة والرقابة من الجهات المختصة للتأكد من مطابقتها للمواصفات البيئية والصحية.

ولا تستخدم المزرعة سوى جزء محدود من المياه الخارجة من المحطة، بينما يتجه الجزء الأكبر منها إلى محطة المعالجة الثلاثية ببحر البقر، حيث يخضع لمرحلة إضافية من التنقية قبل استخدامه في ري مختلف المحاصيل ضمن مشروعات التنمية الزراعية في سيناء.

ويؤكد الدكتور تامر حسن، وكيل وزارة الزراعة بشمال سيناء، هذا المسار ذاته، موضحًا أن مياه الصرف المعالجة الخارجة من محطة الجبل الأصفر تُنقل وتُضخ عبر المصارف إلى محطة بحر البقر، حيث تخضع للمعالجة الثلاثية قبل استخدامها في ري الأراضي الزراعية. ويكشف في حديثه لـ"فكر تاني" أن هذه المياه المعالجة تُنقل عبر مسارات تمتد أسفل قناة السويس لمسافة تصل إلى نحو 100 كيلومتر، وصولًا إلى منطقة بئر العبد، لتغذي مساحة تقدر بنحو 186 ألف فدان، عبر 25 مأخذًا يتم الحصول منها على المياه من الترع. وتتركز نسبة كبيرة من الزراعات في هذه الأراضي على أشجار الزيتون، إلى جانب زراعات أخرى بمساحات محدودة، لا تتجاوز في بعض الحالات 100 أو 150 فدان.

ويعود مشروع ترعة السلام، بحسب ما يذكره حسن، إلى عام 2000 تقريبًا حين طُرح لاستهداف ري 400 ألف فدان، غير أن المساحة المستفادة حاليًا من مياه الترع لا تتجاوز 21 ألف فدان تقريبًا، مع استمرار العمل في أجزاء من المشروع، فثمة مناطق وصلت إليها المياه وأخرى لم تصل إليها حتى الآن.

وتخضع المياه الخارجة من محطة بحر البقر لرقابة الجهات المعنية، إذ تتولى وزارة الري الجانب الأكبر من هذه المسؤولية، بينما تضطلع وزارة الصحة بدورها الرقابي، وتُعنى وزارة الزراعة بالزراعات والأراضي الزراعية ذاتها، وهو دور تترجمه عمليًا حملات إرشادية مستمرة تقدمها الوزارة للمزارعين، تشمل توجيهات خاصة بزراعة النخيل والزيتون إلى جانب دورها في حماية الأراضي، كما توفر التقاوي للمزارعين بنصف السعر لبعض المحاصيل، وأحيانًا بصورة مجانية للحقول الإرشادية.

ويستهدف المشروع زراعات بعينها تتناسب مع طبيعة شمال سيناء، وفي مقدمتها الزيتون، إلى جانب بعض البساتين والخضروات كالطماطم والخيار والباذنجان، فضلًا عن البرسيم الحجازي والقمح والشعير. ويتوقع حسن حدوث طفرة زراعية في شمال سيناء خلال الفترة المقبلة مع وصول المياه إلى أغلب أجزاء المشروع، معتبرًا أن سيناء يمكن أن تصبح "سلة مصر الزراعية"، ويوضح أن هذه الأراضي انتقلت من تبعية وزارة الزراعة إلى جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، الذي أصبح صاحب الولاية عليها وفقًا لقرار صادر عن رئيس الجمهورية. وتنتشر في مناطق الحسنة ونخل تجمعات تنموية عدة، من بينها النسيلة 1 والنسيلة 2 والديفيدف وخشم الجاد، تمثل بحسبه جزءًا من التجمعات القائمة في شمال سيناء.

المشروعات القائمة وقابلية الجمهور

يكشف استطلاع محدود أجرته "فكر تاني" شارك فيه 100 شخص عن فجوة واضحة بين معرفة الجمهور بمياه الصرف الصحي ومواقفه من إعادة استخدامها، خاصة في مجالي الزراعة والشرب.

وقال 70% من المشاركين إنهم لا يعرفون إلى أين تذهب مياه الصرف في مناطقهم، بينما أفاد 70% بمعرفتهم بوجود محطات معالجة دون معرفة كيفية عملها، مقابل 10% فقط لديهم معرفة عامة بمراحل المعالجة.

ورغم هذه المعرفة المحدودة، يدرك 63.3% إمكانية معالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها، دون أن يعرفوا تفاصيل العملية. وفي الزراعة تحديدًا، أبدى 46.7% موافقة مشروطة على استخدام المياه المعالجة، مقابل 36.7% رفضوا استخدامها، و16.7% وافقوا عليها. وعند اشتراط مطابقة المياه للمعايير الصحية، قبل 40% تناول المحاصيل المزروعة بها، بينما تردد 30% ورفض 30% آخرون.

وتصدرت الثقة في جودة المعالجة مصادر القلق، إذ ذكرها 50% سببًا محتملًا لرفض المحاصيل، تلاها الخوف من انتقال الأمراض بنسبة 23.3%، في حين رأى 66.7% أن المياه المعالجة يمكن أن تساعد إلى حد ما في مواجهة نقص المياه. أما استخدامها للشرب فقوبل برفض واسع، إذ رفض 90% شربها حتى بعد المعالجة، كما أظهرت النتائج ضعف الثقة في كفاءة محطات المعالجة، مقابل رغبة 70% في معرفة آليات الرقابة عليها. وبشكل عام أيد 46.7% إعادة استخدامها وفق المعايير والرقابة، بما يعكس أن الثقة في جودة المعالجة والرقابة تمثل العامل الأبرز في تشكيل موقف الجمهور.

من موقعه كأحد المستثمرين في الأراضي المخصصة ضمن مشروع التنمية بشمال سيناء، يروي الدكتور محمد الشيخ، رئيس مجلس إدارة شركة "مراعي الفرمة للإنتاج الحيواني والتنمية الزراعية" بمنطقة سهل الطينة وبئر العبد، تجربة أقرب إلى الأرض من الاستطلاع.

وتملك الشركة، بحسب حديثه، نحو 200 فدان في سهل الطينة، تُزرع حاليًا بالقمح والذرة وبنجر السكر والشعير، إلى جانب مشاتل لأشجار المانجو والليمون والأفوكادو والتين البرشومي والزيتون، على الحدود بين محافظتي شمال سيناء وبورسعيد، فضلًا عن جزء آخر في منطقة بئر العبد ضمن قطاع التنمية بشمال سيناء، حصلت عليه عبر مزاد طرحته هيئة التعمير والتنمية الزراعية عام 2017، ومن المقرر زراعته بأشجار النخيل والزيتون.

يشير الشيخ إلى أن جزءًا من البنية التحتية أُنجز بالفعل، من بينها مآخذ المياه وبعض الطرق، غير أن أجزاء أخرى منها لا تزال غير ممهدة، ما يجعل الشركة في انتظار استكمالها وبدء إمداد الأراضي بالمياه للبدء في الزراعة بمنطقة بئر العبد.

وحول مصدر هذه المياه، يوضح أن المشروع يعتمد على مياه معالجة وصلت بالفعل إلى ترعة الشيخ جابر المتفرعة من ترعة السلام، لكن لا يُسمح للمستخدمين بالحصول عليها بشكل كامل، إذ توجد بعض البوابات المفتوحة في سهل الطينة، بينما لم تمتد المياه بعد إلى بئر العبد.

ويعتمد بعض الأهالي في المنطقة على الآبار الجوفية في الوقت نفسه، غير أن ارتفاع نسبة الملوحة يمثل عائقًا أمامهم، خصوصًا لقرب المنطقة من البحر المتوسط، فالآبار محدودة القدرة مقارنة بالمساحات الزراعية الكبيرة التي تحتاج كميات أكبر من المياه، ما يجعلهم في انتظار وصول المياه إلى أراضيهم ليبدأوا الزراعة هناك.

من الجبل الأصفر إلى بحر البقر ثم أراضي شمال سيناء، تتحول مياه الصرف الصحي المعالجة من مخلف إلى مورد يُستهدف توظيفه في التوسع الزراعي ومواجهة ندرة المياه.

وتكشف نتائج التحاليل والتجربة الزراعية إمكانية الاستفادة من هذا المورد، غير أن اكتمال التجربة لا يرتبط بالمعالجة وحدها، وإنما بمدى وصول المياه إلى الأراضي المستهدفة، واستمرار الرقابة على جودتها، والالتزام بالاشتراطات المنظمة لاستخدامها.

ومع توسع مشروعات إعادة الاستخدام، تبقى ثقة الجمهور أحد التحديات الأساسية، وهو ما يجعل الشفافية في نتائج التحاليل والرقابة المستمرة على المياه والمحاصيل عنصرًا حاسمًا لضمان سلامة التجربة واستدامتها.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة