يوميات صحفية برلمانية| قانون حماية البيانات.. آن الأوان للخروج من "النيش"

خلال جولة بأحد المولات الشهيرة في مدينة 6 أكتوبر، استجابت شيماء لإلحاح طفلها، ووافقت على سداد 450 جنيهًا لـتأجير سيارة لعبة لمدة ساعة، لكن شرط ترك البطاقة الشخصية ضمانة أنهى الموقف بمغادرة الأسرة المكان، وخروج الطفل باكيًا.

رفضت شيماء بحزم منح بطاقتها للفتاة المسؤولة عن تأجير سيارات الأطفال، "لا طبعًا، مش هديكي بطاقتي، إنتِ مش شايفة اللي بيحصل؟"، فتستعجب الفتاة، "يعني هنعمل بها إيه؟".

هذا الموقف العفوي ليس حالة فردية، وإنما يأتي مع تصاعد الأسئلة والمخاوف المشروعة لدى قطاعات واسعة من المواطنين، بعد اكتشاف وجود خطوط اتصالات مسجلة بأسماء وأرقام بطاقات هوية من دون علم أصحابها، وظهور واقعة تمويل قروض استهلاكية بأسماء أولياء أمور إحدى المدارس دون علمهم.

مع هذه الوقائع المتتالية، تنكشف هشاشة منظومة حماية البيانات الشخصية للمواطنين، رغم صدور القانون المنظم لها منذ عام 2020، لكن يبدو أن حماية بياناتنا الشخصية لم تكن يومًا على أجندة الحكومة، وكأن وجود القانون هدفه فقط وضعه في سجل الإنجازات التشريعية، فالحكومة تأخرت خمس سنوات في إصدار اللائحة التنفيذية، ويبدو أنها تفتقد وضع منظومة رقابة محكمة على بياناتنا.

والطريف أنه خلال مناقشة مشروع القانون قبل ست سنوات، كان أقصى ما يزعجنا أرقام هواتفنا المباحة للجميع، والشركات التي تمطرنا برسائلها الدعائية، مرة من الشركة الألمانية للحشرات، وأخرى من شركات التطوير العقاري للترويج لشاليهات الساحل الشمالي والعاصمة الإدارية.

بيانات مكشوفة.. هل نعطيهم الأخطر؟

على غير العادة، حالفني الحظ هذه المرة، عندما كشفت على رقمي القومي فلم أجد أرقامًا مجهولة مسجلة باسمي، على عكس عشرات الأصدقاء والمعارف الذين اكتشفوا وجود عدة خطوط اتصالات مسجلة بأسمائهم من دون علمهم.

كان هذا الترند على السوشيال ميديا وبرامج التوك شو في مطلع الشهر الجاري، وتفاعل معه سريعًا نواب لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، الذين ذهبوا لـاجتماع مع وزير الاتصالات رأفت هندي في مقر الوزارة، وأكد الوزير والنواب ضرورة حماية بيانات المواطنين وتشديد ضوابط بيع الخطوط، مع التوسع في تطبيق المعايير "البيومترية" المتعلقة ببصمة الوجه.

هنا، استجد القلق مرةً أخرى، "هل حمت الجهات المسؤولة بيانات بطاقات هويتنا؟ كيف تحمي بياناتنا البيومترية؟"، خاصة أن قانون حماية البيانات الشخصية يضع البيانات البيومترية ضمن البيانات الشخصية الحساسة التي تتمكن الأجهزة من خلالها من قياس خصائصنا الجسدية والفسيولوجية والسلوكية، من خلال بعض المعالجات.

حددت الوزارة والجهاز القومي للاتصالات، ومعهم نواب اللجنة، سبل الحل والمواجهة قبل أن تضع يدها على سبب الأزمة بعد، رغم اتخاذ إجراءات قانونية ضد شركات الاتصالات وإجراء تحقيقات، لكن التوصية باشتراط الحصول على بيانات أكثر حساسية دون معرفة سبب الأزمة وحلها، وتفعيل الرقابة، وحماية البيانات الشخصية الأقل خصوصية، يثير التساؤلات والقلق.

وكانت النائبة أميرة العادلي، عضو مجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، التي اكتشفت وجود عدة خطوط اتصالات باسمها، في مقدمة المعترضين على الإجراء الذي أعلن الجهاز القومي للاتصالات اتخاذه، بشأن اشتراط الحصول على البيانات البيومترية لتفعيل خطوط الهواتف المحمولة.

واعتبرت أميرة أن معالجة المشكلة بهذه الطريقة لا تتناسب مع حجمها، فالبيانات البيومترية التي يعتبرها قانون حماية البيانات ذاته من أكثر البيانات حساسية، أصبح الحصول عليها في شركات الاتصالات شرطًا ملزمًا لتفعيل الخطوط، وقالت، "إننا نروح مباشرة لجمع بيانات بيومترية من كل مواطن، في كل تعامل مع خط تليفون، وهذا تدخل من درجة أعلى كثيرًا من حجم المشكلة المطروحة".

ولفتت إلى غياب الإجابة على عدد من التساؤلات، "من يخزن بياناتي البيومترية؟ ولمدة كم؟ وتحت أي رقابة مستقلة؟ وما آلية اعتراضي أو مسحها لو حصل خطأ؟"، مشيرة إلى تجارب عدد من الدول التي سبق واعتمدت استخدام البيانات البيومترية مع وجود رقابة وأطر مؤسسية واضحة لحماية البيانات.
أين نتائج التحقيقات؟

تلتقي مخاوف أميرة مع قلق حقوقي واسع من تطبيق هذا الإجراء، فأصدرت 19 منظمة حقوقية، من بينها مؤسسات متخصصة في الأمان الرقمي، بيانًا، توضح فيه رفض أي توجه يجعل تقديم صورة الوجه أو بصمة الإصبع أو غيرها من البيانات البيومترية شرطًا لتسجيل خطوط الهاتف المحمول أو إدارتها أو استعادتها، أو لاستخدام خدمة "أرقامي"، أو للاعتراض على تسجيل خطوط بأسماء أشخاص دون علمهم.

وتطالب الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بالتراجع عن أي توجيهات من شأنها فرض هذا النوع من التحقق على مستخدمي خدمات الاتصالات.

ولفت بيان المنظمات إلى أنه "حتى الآن، لم ينشر الجهاز عدد حالات التسجيل غير المصرح بها التي أثبتتها تحقيقاته، ولم يوضح المرحلة التي وقع فيها الخلل، أو الآلية التي أتاحت استخدام بيانات أشخاص لتسجيل خطوط دون علمهم. كما لم يعلن ما إذا كانت الوقائع ترتبط أساسًا بانتحال الهوية باستخدام بطاقة رقم قومي تخص شخصًا آخر عند نقطة البيع، أم بإساءة استخدام صلاحيات الموظفين أو الوكلاء، أم بالتلاعب بأجهزة التفعيل والحسابات أو السجلات الداخلية لشركات الاتصالات".
وشددت المنظمات على أنه "من دون تحديد موضع الخلل وسببه، لا توجد قاعدة يمكن الاستناد إليها للقول إن التحقق البيومتري يعالج المشكلة".

وأكد البيان أن الشركات التي ستتولى جمع البيانات البيومترية أو معالجتها أو التعامل معها هي الشركات نفسها التي وقعت داخل منظومة البيع والتسجيل والتفعيل التابعة لها حالات التسجيل غير المصرح به، التي أحالها الجهاز إلى النيابة العامة على خلفية تلك الوقائع، وهو ما يثير قلقًا إضافيًا بشأن حماية البيانات البيومترية.

وطالبت المنظمات بنشر نتائج التحقيق في حالات التسجيل غير المصرح به في صورة مجمعة تحمي البيانات الشخصية للمتضررين، مع توضيح عدد الحالات المثبتة، ومراحل وقوع الخلل، وأدوار منافذ البيع والموظفين والوكلاء وحسابات وأجهزة التفعيل المستخدمة، والإجراءات الرقابية التي اتُّخذت لمنع تكرار هذه الوقائع.
طمأنة من قلب المعارضة

على خلاف الهواجس التي عبرت عنها أميرة العادلي وبيان المنظمات، ترى النائبة مها عبد الناصر، عضوة مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، أن هذه المخاوف مبالغ فيها، وقالت وكيلة لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لـ"فكر تاني"، إن الهوية الرقمية التي يجري تطبيقها لا تعني منح بصمة وجوهنا لشركات الاتصالات.

وتوضح أن "بياناتنا البيومترية موجودة بالفعل في بيانات الرقم القومي في السجل المدني بوزارة الداخلية، وهذا نوع من التحقق مثل فتح الهواتف ببصمة الوجه، لكنها مسجلة بالفعل في وزارة الداخلية، وستكون هناك آلية للتحقق بدلًا من أن يُفحص البطاقة، إذ يجري التحقق فقط من خلال البيانات المسجلة بالفعل"

سيبدأ العمل بنظام البيانات البيومترية، وحتى الآن لم نعرف ماذا حدث وكيف حدث، رغم إحالة شركات المحمول الأربع إلى النيابة العامة منذ يوم 10 أغسطس.

قانون في النيش!

رغم أن قانون حماية البيانات صدر في 2020، فإن النائب محمد فريد، عضو مجلس النواب عن حزب الإصلاح والتنمية، شبّهه بأطقم الكاسات الموجودة في "النيش" المحظور على أهل البيت لمسها.

لم يكن التفريط في حماية بياناتنا الشخصية في أزمة شركات الاتصالات فقط، وإنما امتد لما هو أبعد، فحتى الآن تم الكشف عن وقائع تمويل استهلاكي باستخدام بطاقات الرقم القومي لأولياء أمور مدرسة جلوبال براديم دون علمهم، وكشف فحص هيئة الرقابة المالية عن وجود نحو 319 مليون جنيه من التمويلات، موزعة على 619 عميلًا و839 عقدًا تمويليًا، مع وجود أكثر من عقد للعميل الواحد في بعض الحالات.

هذه الواقعة التي استدعت تدخل الرئيس نفسه، أثارت مزيدًا من المخاوف لدى المواطنين بشأن استخدام بطاقات الرقم القومي المتاحة في كل مكان لدى المدارس أو الشركات المختلفة.

قدم النائب محمد فريد سؤالًا برلمانيًا للحكومة بشأن الفشل في حماية البيانات الشخصية، ويعود بنا إلى أصل الأزمة، فالمشكلة هنا ليست في جمع البيانات، وإنما في حماية بيانات موجودة بالفعل ومطلوبة في كثير من المعاملات، ويقول، "لمّا يكون أصل المشكلة إساءة استخدام بيانات موجودة بالفعل، يبقى غريبًا أن الحل كل مرة يكون جمع بيانات أكثر وأشد حساسيةً"، في إشارة إلى استسهال حل البيانات البيومترية لشركات الاتصالات.

ويتساءل، "هل نحتاج إلى جمع كل هذه البيانات؟ وهل هناك بديل أقل تدخلًا في خصوصية المواطن؟"، مشددًا على أن "مزيدًا من البيانات لا يعني أبدًا مزيدًا من الأمان"، ويحذر، "أوقاتًا كثيرةً يكون العكس، لذا قبل أن تطلب الحكومة من المواطن بيانات أكثر، من المفروض أن تعمل شيئًا أبسط كثيرًا، تُخرج قانون حماية البيانات من النيش".

اختارت شيماء أن تحرم ابنها من ساعة بعربية لعبة، مقابل ألا تترك بطاقتها الشخصية رهينةً، فهي لا تعرف أين يمكن أن تنتهي بياناتها وصورة بطاقتها، ولا من يملك حق استخدامها بعد ذلك.

قبل أن نطلب من شيماء وغيرها مزيدًا من البيانات، وقبل تطبيق البيانات البيومترية الأكثر خصوصيةً وحساسيةً، يجب أن نفهم كيف حدث كل هذا، ومن سيُحاسَب، وما سبل معالجة الخلل، سواء في شركات الاتصالات أو المدرسة أو قطاعات أخرى لم تنكشف بعد. ربما آن الأوان أن نُخرج قانون حماية البيانات من النيش.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة