183 يومًا دراسيًا من القلق، تنتظر أهالي عزبة صليبة العُدر بمركز أسيوط، فما زالت رحلة أكتوبر الماضي محفورة في أذهانهم، وقتها لم تنتهِ الرحلة عند باب المدرسة، إذ سقط التروسيكل واستقر في المصرف، ووصل معه ستة صغار إلى محطتهم الأخيرة، وتبدلت مرايل المدرسة إلى أكفان تحضن أجسادهم الصغيرة.
مع كل صباح، يخرج أبناء عزبة صليبة العُدر من منازلهم إلى مدارسهم، فالعزبة التي لا توجد بها أي مدرسة يضطر أطفالها لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مدارس القرى المجاورة، وهو ما حدث في رحلة الموت، عندما سقط التروسيكل الذي يقلهم مجانًا في مصرف الحواس، قبل الوصول إلى مدرسة أحمد عرابي في قرية منقباد التي تبعد عن صليبة العُدر نحو 4 كيلومترات.
قد تبدو المسافة مقبولة للوهلة الأولى، لكن ربطها بأعمار الأطفال، واحتياجات العزبة المحرومة من المدارس والوحدات الصحية والطرق الممهدة ووسائل الانتقال الآمنة، يجعلك تدرك صعوبتها وخطورتها.
في هذه الرحلة، فقد ستة طلاب حياتهم، وأُحيل السائق الذي كان ينقلهم بصحبة أبنائه مجانًا للتحقيق، وخضع لتحليل المخدرات، فيما أهدت الإدارة التعليمية الطلاب الناجحين كتبًا جديدة بديلًا عن كتبهم المفقودة في المصرف.
حينها، تبرع أحد أبناء قرية بهيج المجاورة لعزبة صليبة العُدر بقطعة أرض لإنشاء مدرسة، في مبادرة أطلقها الأهالي تحت شعار "مش هنستنى عيال تاني تموت"، وحسب المنشور في الصحف وقتها، رحب المحافظ بالمبادرة، لكنه لم يعلن عن أي خطوة عملية لتنفيذها، حتى بعد لقائه وزير التربية والتعليم الذي زار المحافظة لاحقًا لتفقد المدارس الجديدة، لكنه لم يُدرج مدرسة العزبة ضمن خطط التنفيذ.
مرت عدة أشهر، ونستعد لعام دراسي جديد، وما زالت صليبة العُدر بدون مدرسة تستوعب أطفالها، بينما يتحفنا وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف بمخططاته التي "تواكب المعايير العالمية"، وفي مقدمتها إطالة زمن العام الدراسي مرة أخرى، وهذه ليست المرة الأولى التي تعلن فيها الوزارة إطالة مدة العام الدراسي، الذي كان يصل إلى 116 يومًا فقط، ورفعته الوزارة عدة مرات حتى تجاوز العام الماضي 170 يومًا، بينما يصل هذا العام إلى 183 يومًا.
صليبة العُدر ليست حالة منفصلة في بلد يقدر فيه عدد طلاب التعليم قبل الجامعي بنحو 29 مليون طالب، ويتجاوز عدد طلاب مرحلة التعليم الابتدائي 15 مليون طالب، بينما صرح الوزير نفسه بأن 87% من طلاب مصر يتلقون تعليمهم في التعليم الحكومي، مقابل 13% في التعليم الخاص والدولي والتعليم الحكومي بمصروفات.
مغامرة نقل الأطفال بتروسيكل إلى مدرسة، في طرق غير آمنة، ستتجدد وتطول هذا العام، ليس في صليبة العُدر فقط، لكن في عشرات، وربما مئات، المناطق المشابهة على مستوى الجمهورية، بينما الوزير مشغول بتطبيق معايير "عالمية" لم يتوقف أمام معايير "الضرورة"، وفي مقدمتها تناسب عدد المدارس والفصول والمعلمين مع عدد الأطفال ومحيط سكنهم.
تحت لهيب الشمس
لا يتطلب فهم الواقع الذهاب إلى أسيوط أو غيرها من المحافظات البعيدة، ففي العاصمة ومحيطها ما يكشف المفارقة بين خطاب الوزير وخططه والمعايير العالمية، والواقع ومخاطره.
اضطرتني ظروف خاصة لزيارة منطقة حدائق أكتوبر، في أطراف الجيزة، مررتُ على الكومباوندات، وسرتُ بجوار الجبال تارة، والعمارات والتجمعات السكنية تارة أخرى، حتى وصلت بجوار مدرسة ثانوية ومنطقة تجارية، تحت حرارة الشمس، في منطقة يغلب عليها الطابع الصحراوي، تغيب فيها الأشجار الكثيفة التي ترمي ظلالها على الأرصفة والطريق.
تذكرتُ هذه الزيارة وشكل الشوارع تحت وطأة الشمس، خلال قراءة أخبار مؤتمر وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف، الذي بشر فيه ببداية العام الدراسي في 12 سبتمبر، معلنًا تطبيق المعايير العالمية حتى يتساوى الطالب المصري مع غيره في فترة التعليم والمناهج.
يحتذي الوزير بمعايير "عالمية" من حيث الشكل، ولا يتوقف أمام خطورة مد العام الدراسي على الأطفال، سواء من الناحية الصحية أو المادية، فيبدو أن الرجل الذي جاء لمنصبه من عالم "بيزنس" التعليم لم يسمع عن تكدس الطلاب في الفصول، أو شحنهم بأعداد كبيرة في وسائل نقل مختلفة، فـطلاب المدارس الخاصة والرسمية والحكومية يضطرون في كثير من الأحيان للجوء إلى دورات المدارس، في سيارات ملاكي أو سيارات "الفان" التي تتسع بحد أقصى لثمانية أفراد، لكن الطلاب ينتقلون فيها بضعف العدد تقريبًا.
لا تقتصر المخاطر التي يتعرض لها الطلاب على وسائل الانتقال، فيضطر قطاع منهم للسير مسافات طويلة لتوفير الانتقالات تحت حرارة الشمس، فيكون الطلاب عرضة في الفصول لانتشار أمراض وعدوى وإجهاد حراري، وضربات شمس في الطرق، خاصة في رحلة العودة خلال الظهيرة.
فخ المحاكاة العمياء
يقع الوزير في فخ المحاكاة العمياء، عندما يطيل مدة العام الدراسي إلى 183 يومًا، ويشير إلى المعايير العالمية التي تمتد فيها الدراسة إلى 200 يوم، بينما لا يتوقف أمام كثير من الفوارق الأكثر تأثيرًا بين عالمنا وعالم "المعايير العالمية".
الوزير الذي حصل على دكتوراه فخرية من اليابان مؤخرًا يتحدث عن المعايير العالمية، ويتطلع لكثافة فصول لا تزيد على 50 طفلًا في الفصل الواحد، بينما يبلغ متوسط حجم الفصل في التعليم الابتدائي بدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نحو 21 طالبًا، ورغم الجهود التي بذلتها الوزارة خلال العام الدراسي السابق لتقليل كثافة الفصول، ما زالت لم ترقَ إلى متوسطات المعايير العالمية، في الوقت الذي تؤكد فيه الدراسات العلمية تأثير كثافة الفصول على تحصيل الطلاب، لا سيما في الصفوف الدراسية المبكرة، ولدى الطلاب الأكثر احتياجًا، الذين يجدون صعوبات في التركيز أو لديهم ضعف في المهارات النمائية وعسر القراءة والكتابة.
المشكلة ليست في طموح الوزير ورغبته في تطبيق المعايير العالمية في مصر، بقدر ما هي في الانتقائية في تطبيق المعايير، فالتطور ليس في استيراد المناهج، ومعه عدد أيام الدراسة، لكنه يتطلب توفير بيئة تعليمية مناسبة وملائمة للطلاب، تبدأ من رحلتهم إلى المدرسة، وحمايتهم من خطر الطرق أو حرارة الشمس، فضلًا عن فصول مجهزة، ومعلم قادر على أداء عمله بحب.
قبل أن نطالب أطفال صليبة العُدر وغيرهم بـ183 يومًا من الدراسة، علينا أن نبني لهم المدرسة أولًا، ونضمن لهم بيئة آمنة، ورحلة ذهاب وعودة سالمة.