نشرت رأيًا على فيسبوك عن إجبار الفتيات الصغيرات على ارتداء النقاب، فلم تمضِ إلا ساعات حتى تحول المنشور إلى ساحة هجوم مفتوحة، تعليقات تتهمني بالكفر، ورسائل تتضمن تهديدات صريحة بالقتل، وحسابات لا أعرف أصحابها تشارك في الهجوم بوتيرة متسارعة، وبينما كنت أحاول حذف التعليقات المسيئة والإبلاغ عنها، كان المنشور يواصل الانتشار، ومعه ارتفعت أرباح حسابي من برنامج تحقيق الدخل.
في تلك اللحظة لم يعد السؤال بالنسبة لي "لماذا يهاجمني هذا العدد من الأشخاص؟"، وإنما "كيف يمكن أن يتحول الغضب والسب والتهديد إلى قيمة اقتصادية؟"، وهل أصبحت خوارزميات السوشيال ميديا تكافئ المحتوى الذي يثير الجدل لأنه يُبقي المستخدمين وقتًا أطول داخل التطبيق؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمن يدفع الثمن؟
هذه التجربة الشخصية كانت نقطة البداية لهذا التحقيق، الذي يسعى إلى الإجابة عن أسئلة عديدة من خلال تتبع العلاقة بين اقتصاد المنصات الرقمية، وخوارزميات التفاعل، وتصاعد خطاب الكراهية والتنمر الإلكتروني، مستندًا إلى شهادات صناع محتوى وصحفيين وخبراء في الأمن السيبراني والاقتصاد والقانون، إلى جانب بيانات رسمية ودراسات دولية.
لماذا يشعر صناع المحتوى أنهم يواجهون التنمر فرادى؟
للإجابة عن هذا السؤال، تواصلت "فكر تاني" مع رسام الكاريكاتير وصانع المحتوى الدكتور أشرف حمدي، صاحب قناة إيجيبتون على يوتيوب -التي يتابعها أكثر من 3 ملايين مشترك- الذي يعمل في صناعة المحتوى منذ نحو 14 عامًا. يقول حمدي، إن "أول تجربة لي مع حملات التنمر المنظمة بدأت خلال فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين، بعد نشره فيديو ساخرًا تناول موضوعًا عن حزب النهضة، فوجئت وقتها بحملة ضخمة من البلاغات على القناة، وانتهى الأمر بإغلاقها بالكامل، تواصلت مع الإدارة الإقليمية ليوتيوب، وبعد مراجعة البلاغات اكتشفوا أنها صادرة عن حملة منسقة باستخدام حسابات ولجان إلكترونية، فأعادوا القناة مرة أخرى، لكن استعادة القناة لم تكن نهاية الأزمة".
استمرت حملات التحريض ضد حمدي على يوتيوب، ووصل الأمر بها إلى استخدام صوره الشخصية لتصميم كوميكس، واتهامه بـ"الشذوذ"، وشتمي بألفاظ صعبة، ومع ذلك لم يتدخل فيسبوك لحذف التعليقات المسيئة أو مواجهة الموضوع، يقول حمدي "كل ما حصل أنهم يتركونك في مواجهة التنمر وحدك دون أي أدوات حماية، في المقابل سيتركون محتواك ينتشر وأرباحه تزيد، وهذا ما جعلني في أوقات كثيرة أقفل التعليقات على المحتوى الذي أقدمه من خلال صفحتي الشخصية".
جريمة شرف
ما حدث معي ومع أشرف حمدي تكرر أيضًا مع الصحفية نادية مبروك، التي تعرضت لحملات إساءة ممنهجة على إثر مقال نشرته بعنوان "أنا أيضًا ابنة جريمة شرف"، كتبت في عن أمها التي قُتلت على يد أفراد عائلتها بسبب أنها تزوجت رجلًا من خارج القبيلة، تقول "كتبت القصة بعد سنوات طويلة أخفيتها فيها حتى عن أقرب المقربين لي، وشعرت أنني أرغب في مشاركتها في هذا الوقت بالذات، ونشرتها على منصة صحفية، وبعدها نشرت الرابط على فيسبوك، وفي اليوم التالي تفاجأت من حجم الانتشار والهجوم الذي حصل على حسابي الشخصي، رغم أنني أنشر مواضيع كثيرة، لكن هذه القصة انتشرت بشكل أكبر لأنها تستفز البعض من أنصار السلطة الذكورية المطلقة".
ومثل حمدي أيضًا لم تتلقَّ نادي أي دعم من فيسبوك، فلم يحذفوا أي تعليق أساء لها أو لعائلتها، بالعكس، كلما زادت التعليقات المسيئة على المنشور انتشر أكثر، و"هذا عرّضني لأزمة نفسية كبيرة استغرقت وقتًا طويلًا حتى استطعت تجاوزها"، تقول نادية
ولا تثبت هذه الشهادات وحدها أن خوارزميات السوشيال ميديا تمنح الأولوية للمحتوى المثير للجدل، لكنها تتوافق مع ما توصلت إليه دراسة صادرة عن منظمة اليونسكو عام 2024، شملت صناع محتوى في 45 دولة، وأظهرت أن 32.3% منهم تعرضوا لحملات استهداف أو إساءة عبر الإنترنت، وأن كثيرين اضطروا إلى حذف التعليقات أو تقليل تفاعلهم أو ممارسة رقابة ذاتية خوفًا من تصاعد الهجمات، وهذا يقودنا إلى سؤال جديد، ماذا تعني كلمة "خوارزميات" في الأساس؟
القبائل الإلكترونية
تقول نورهان ثروت استشارية الأمن الرقمي، إن الخوارزميات عبارة عن معادلات رياضية مصممة بطريقة تخدم توصية المحتوى، ولا تعمل بشكل واحد طوال الوقت، وإنما تعتمد على صيغ ومعادلات رياضية تحدد المحتوى الذي يظهر لكل مستخدم استنادًا إلى مجموعة من العوامل، ولا يقتصر الأمر على اهتمامات المستخدم نفسه، بل قد يتأثر أيضًا بما يتابعه أو يتفاعل معه أصدقاؤه، وما يحظى باهتمام مشترك داخل دوائرهم الاجتماعية.
وتضيف أن المستخدم قد يرى أحيانًا محتوى منتشرًا بين أصدقائه رغم أنه لا يتابعه أو يبحث عنه بنفسه، كما يمكن أن يتأثر المحتوى الظاهر له بما يحظى باهتمام لدى أصدقاء الأصدقاء الذين تجمعهم اهتمامات مشتركة، كذلك قد تلعب الجغرافيا دورًا في تحديد المحتوى، إذ يمكن أن تظهر للمستخدم موضوعات أو محتويات شائعة في المنطقة الجغرافية التي يوجد فيها، مثل مدينة بعينها.
وترى نورهان أن هذه الآلية تساعد في تفسير ظاهرة ما يُعرف بـ"القبائل الإلكترونية"، إذ يمكن أن يتجمع أفراد يشتركون في اهتمامات أو مواقف معينة حول محتوى يستفز مشاعرهم، وبسرعة شديدة، خصوصًا عندما يصل إليهم المحتوى عبر شبكاتهم الاجتماعية أو دوائر الاهتمام المشتركة، فإذا نشر أحد المستخدمين محتوى يثير غضب أو استياء فئة معينة، قد يبدأ أفراد هذه الفئة في التفاعل معه ومهاجمته بصورة جماعية، بما يجعل التفاعل يتسع ويتحول إلى موجة من الهجوم الرقمي.
وتشير نورهان، في تصريحاتها لـ"فكر تاني"، إلى أن المستخدم قد يجد نفسه داخل ما يشبه "فقاعة" رقمية تتشكل حوله عبر المنصات، فتتأثر تجربته في مشاهدة المحتوى بشبكة معقدة من الاهتمامات والتفاعلات والعلاقات الاجتماعية والموقع الجغرافي، وهو ما قد يساهم في سرعة تشكل التجمعات الرقمية وتضخيم ردود الفعل تجاه بعض المحتويات، وهذا بالتحديد ما تعتمد عليه اللجان الإلكترونية في عملها.
معادلات رياضية تنصف الكراهية
تثير هذه النتائج سؤالًا جديدًا، إذا كانت المنصات تعلن امتلاكها أدوات لحماية المستخدمين، فلماذا لا يزال هذا الحجم من الإساءة قادرًا على الانتشار؟
يرى المهندس رامي المليجي، وهو مبرمج وخبير أمن سيبراني، أن شركة ميتا التي تمتلك عدة تطبيقات مثل واتساب وإنستجرام وفيسبوك، تعتمد بشكل أساسي على بقاء المستخدم على التطبيق لمدة طويلة، وهذا مرتبط بنموذجها الإعلاني الذي يمثل المصدر الأكبر لإيرادات الشركة، فالمنصة، بحسبه، اكتشفت أن النقاشات الحادة والموضوعات الاجتماعية المثيرة للجدل تحافظ على تفاعل المستخدمين لفترة أطول، وهذا معناه عرض إعلانات أكثر، ما يجعل الالتزام الصارم بمعايير المجتمع ومنع كل أشكال التنمر والشتيمة أمرًا غير مربح وغير مفيد بالنسبة لهم.
ويقول المليجي إنه لهذه الأسباب "بقينا نشاهد تعليقات مسيئة تبقى دون إزالة أو إخفاء، لأن أدوات الحماية من التنمر والإساءة غير فعالة بنسبة كبيرة، ويمكننا أن نقول إن الخوارزميات لا تقدر دائمًا على فهم السياق الكامل للتعليق أيضًا، وكفاءتها تصل إلى 40% فقط، وهذا يؤدي إلى بقاء بعض المحتوى المسيء، ويجعل انتشار المادة التي استُهدف أصحابها بالتنمر أوسع، لأن الخوارزميات تظهرها للمهتمين بنفس الشأن وكأنها قسّمت الناس إلى قبائل إلكترونية، وتنادي على كل قبيلة عندما يُثار الموضوع الذي يمسها".
ما يقوله رامي المليجي يتوافق بشكل كبير مع التسريبات التي نشرتها فرانسيس هوجن الموظفة السابقة بشركة فيسبوك، التي أدلت فيما بعد بشهادة خطيرة أمام اللجنة الفرعية لحماية المستهلك التابعة للكونجرس الأمريكي في 5 أكتوبر عام 2021، وعلى إثرها غيرت الشركة اسمها إلى "ميتا" في محاولة لغسل سمعتها أمام العالم.
تضمنت تلك التسريبات وثائق سرية تثبت أن فيسبوك كان يواجه تعارضًا بين الأرباح وسلامة المستخدمين، وأنها رأت أن الشركة كانت تحسم هذا التعارض لصالح الأرباح، وقالت نصًا "إن نظامها كان يضخم الانقسام والتطرف والاستقطاب للحصول على أرباح أكثر"، وأنها تضع الأرباح في المقدمة على حساب الأمان الشخصي للمستخدمين.
وأظهرت الوثائق أن الخوارزميات بُرمجت لنشر تفاعلات الغضب التي كانت تحصل على انتشار أكبر من تفاعلات الحب والإعجاب، ما منح المحتوى المثير للغضب والانقسام فرصة أكبر للانتشار، كما كشفت أبحاث داخلية أن المحتوى الضار والمضلل كان قادرًا بشكل أكبر على إبقاء المستخدم على المنصة للتعليق والجدال الطويل، ما جعله أمرًا مربحًا أكثر لعرض الإعلانات.
كم جنت "ميتا" من الإعلانات؟
وفق التقرير السنوي الرسمي للشركة عام 2025، فقد حصلت ميتا على 196.175 مليار دولار تحت بند إيرادات الإعلانات، وذلك من إجمالي إيرادات وصل إلى 200.966 مليار دولار، وهو ما يعني أن الإعلانات تمثل حوالي 97.6% من إجمالي ما تحصل عليه ميتا سنويًا.
كما صرحت الشركة أن إيراداتها من الإعلانات قد ارتفعت في السنة الأخيرة بنسبة 22%، وذلك بسبب ارتفاع مرات ظهور الإعلانات إلى 12% عام 2025 نتيجة بقاء المستخدمين لوقت أطول للتفاعل والتعليق في هذا العام، وهذا يعيدنا إلى ما كشفته الوثائق التي سربتها "هوجن"، التي أكدت اهتمام ميتا بمحتوى "الكراهية" والتفاعل السلبي على حساب الأمان الشخصي للمستخدمين.
وإذا كانت الأرباح تبدو في ظاهرها مكسبًا مشتركًا بين المنصة وصانع المحتوى، فإن محمد أبو عاصي الخبير الاقتصادي يكشف أن هذا الظاهر يخفي وراءه ميزانًا مختلًا تمامًا، إذ يقول، إن "التفاعل السلبي يضمن بقاء المستخدم لوقت أطول، وهذا يجعل نسبة ظهور الإعلانات أكبر، ويزيد أرباح الشركة، لكنه لن يكون مفيدًا اقتصاديًا لصانع المحتوى نفسه أبدًا، لأن المستخدم الذي ينشر محتوى يجلب تفاعلًا سلبيًا فيحصل على أرباح وهمية تغريه بتقديم المزيد من نفس المحتوى، لكن في النهاية لن تُبنى عنده قاعدة جماهيرية موثوقة تضمن له النمو على المنصات، هذا غير أنه قد لا يحصل في النهاية على أي ربح، لأن شركة ميتا لم تضع أي معايير عادلة لحصول صناع المحتوى على أرباحهم، ودائمًا هناك نوع من التلاعب في الموضوع"، فالكراهية إذن ليست وقودًا لصانع المحتوى بقدر ما هي وقود لخزينة الشركة وحدها.
وهذا الانقسام الذي تصنعه الخوارزميات لم يبقَ حبيس النظرية، حيث يشير أبو عاصي إلى أننا نلمس أثره ماثلًا على أرض الواقع المصري نفسه، ويقول "في مصر حصل مؤخرًا ما يسمى بالقبائل الرقمية، يعني فئة محبي الكلاب، وفئة مشجعي القومية المصرية، وفئة مشجعي فريق كرة، وفئة تشجع فريقًا آخر، وهذا صنع انقسامًا كبيرًا ضمن مزيد من التفاعل على السوشيال ميديا في مصر، وهذا لن يكون مفيدًا أبدًا لمقدمي المحتوى، لأنه في النهاية لو نشر أحدهم شيئًا فمن المؤكد أنه سيتعرض للهجوم من فئة معينة من هؤلاء، والخوارزميات باتت تخدم فكرة القبلية الإلكترونية من خلال أنها تُظهر لك المحتوى الذي يستفز مشاعرك لتجبرك على التفاعل"، فصانع المحتوى هنا لا يجني من هذه القبلية سوى الهجوم، بينما تجني المنصة من ورائها التفاعل والأرباح.
كيف تحمي نفسك من الجرائم الإلكترونية والتنمر؟
إذا كانت المنصات لا تحمي مستخدميها، وكانت الخوارزميات نفسها تغذي الانقسام بدلًا من كبحه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في النهاية، هو كيف يحمي المستخدم نفسه إذن حين يتخلى عنه الطرف الذي يُفترض أن يحميه؟
للإجابة عن هذا السؤال تواصلت "فكر تاني" مع المحامية انتصار السعيد رئيس مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، التي تقول إنه "بعد انتشار ما يُسمى بالجرائم الإلكترونية في مصر بشكل كبير في السنوات الأخيرة، تم إصدار القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وبه عدة مواد تُستخدم في القضايا المتعلقة بالجرائم الإلكترونية، مثل المادة 25 التي تنص على معاقبة كل من اعتدى على المبادئ أو القيم الأسرية أو انتهك حرمة الحياة الخاصة أو نشر صورًا تنتهك خصوصية شخص دون رضاه".
ترى السعيد أن الحماية الفعلية تبدأ من خطوة يقوم بها المجني عليه نفسه قبل أي شيء آخر، فتضيف "أما عن المادة 309 مكرر ب من قانون العقوبات المصري، فهي تجرّم التنمر بشكل صريح سواء وقع في الواقع أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي إذا توافرت الأركان القانونية، لكن قبل الحديث عن المواد القانونية علينا أن نوضح أنه على المجني عليه حفظ الأدلة وتوثيقها من خلال الاحتفاظ بصورة للرسائل أو التعليقات المسيئة وتقديمها لمباحث الإنترنت، والتي بدورها تقوم باتخاذ الإجراءات القانونية".
لكن هذه الإجراءات، وما سبقها من مواد قانونية، لا تُغلق ملفًا بقدر ما تفتح سؤالًا أكبر، هو نفسه السؤال الذي طرحناه منذ بداية هذا التحقيق "من يدفع الثمن"؟ فالغضب الذي يُحسب أرباحًا في دفاتر ميتا، لا يُحسب خسائر في حياة من يُطارده. اليوم صرت أعرف الإجابة على السؤال الذي استيقظت عليه، فالشتائم التي انهالت على حسابي لم تكن غضبًا عابرًا من غرباء، وإنما وقودًا لآلة لا تربح إلا حين أخسر راحتي وأماني، والخوارزميات التي رأيت أثرها على منشوري لا تُصلح ما تفسده، والقوانين التي شرحتها انتصار السعيد لا تُلاحق كل ما يقع، وما تبقى لي وللكثيرين مثلي هو الوقوف وحيدين أمام آلة صممت لتربح من ضعفنا لا من حمايتنا.