في الـ76 من عمره، لم يخطر ببال أحمد* أنه سيضطر يومًا للاستدانة بالفائدة أو "الفايظ" كما يسميها الفلاحون في الريف المصري، لكن تأخر معاشه عن هيئة التأمينات منذ 4 أشهر لم يترك أمامه خيارًا آخر، فاقترض مبلغًا من المال مقابل فائدة قدرها 35% ليعيله حتى يصرف مستحقاته المتأخرة.
لم يعد للرجل الثمانيني دخل إضافي غير المعاش، فلا أطيان زراعية يملكها أو ودائع بنكية تدر عليه عائدًا، وبعد رحلة عمل طويلة وتزويج 3 بنات، لم يتبق له سوى 4 آلاف جنيه ينفق منها على نفسه وزوجته، فلما تأخر المعاش لجأ إلى الاقتراض من شخص في قريته يعمل في مجال تجهيزات العرائس، بوصولات أمانة وفائدة 35%.
ووفق هذا الاتفاق، يتوجب على أحمد أن يرد للمقرض 4 آلاف جنيه، تضاف إليها فائدة تصل إلى 1400 جنيه، وإن لم يُصرف له المعاش خلال الشهر الحالي، فسيجد نفسه مضطرًا لتكرار العملية، ليدفع حينها فوائد قدرها 2800 جنيه على مبلغ 8 آلاف جنيه، لم يكن بحاجة للاستدانة بها أصلًا لولا مشكلة ليس له فيها ناقة ولا جمل.
ولا تبتعد حكاية محمود كثيرًا عن حكاية أحمد، فهو أيضًا واحد من آلاف المتضررين الذين يعانون منذ تطبيق نظام المعاشات الجديد الذي تبنته هيئة التأمينات والمعاشات، وبدأت العمل به في 29 مارس الماضي، بوصفه أحد مكونات منظومة التحول الرقمي، بدعوى دمج الـ170 خدمة التي تقدمها الهيئة في نظام إلكتروني واحد لجميع المنتفعين.
ومنذ تطبيق "السيستم" الجديد، تعطل صرف المعاشات لأربعة أشهر متتالية، وهو ما ألحق الضرر بفئة معروف عنها انخفاض دخلها وإنفاق أغلبه على العلاج، كحال جمال أبو شامة، الذي خرج على المعاش منذ شهر يناير الماضي، ولا يزال حتى الآن ينتظر الفرج أو حلًا لمشكلات السيستم، دون أن يعرف كيف يتصرف حيال أزمته.
وتتنوع مشكلات المتضررين من السيستم، فمنهم من صرف معاش شهر يوليو، لكن لم يصرف معاشات أبريل ومايو ويونيو، كحال محمد محمود، الذي لا يعرف سبب المشكلة رغم توجهه لإدارة المعاشات في الإسماعيلية أكثر من مرة، وعبد الكريم حبيب، الذي تلقى على هاتفه رسالة من هيئة التأمينات تفيد بقبول طلبه، لكن معاشه متوقف منذ شهر يونيو دون سبب واضح أيضًا.
كوميديا سوداء
وتزداد الأزمة تعقيدًا مع أسر أصحاب المعاشات المتوفين، الذين توقفت مشروعات حياتهم فجأة، كحال علياء التي قدمت على منحة الزواج منذ شهر فبراير الماضي، ولم يُبت في أمرها بعد، رغم أن والدتها لا تستطيع الوفاء بأقساط لوازم التجهيز، ولا الالتزام بموعد الزفاف الذي حدده العريس.
ومنحة الزواج مبلغ مالي تمنحه الدولة للبنت أو الأخت في حالة قطع معاشهن للزواج، ويُصرف بما يعادل المعاش المستحق عن مدة سنة.
وبين هذه الحالات ما يشبه "كوميديا سوداء"، لا يعرف صاحبها هل يضحك أم يبكي، كحالة أرملة كانت تحصل على معاش زوجها كالمعتاد، حتى تقدمت ابنتها على منحة الزواج، فسجل السيستم خطأً أن الأرملة هي من تزوج لا ابنتها، فأُوقف المعاش على إثر ذلك.
وبعد كعب دائر بين المصالح الحكومية، ومطالبة بعضها بقسيمة الزواج الذي لم يحدث أصلًا، وشهادة ميلاد الزوج المتوفى، وشهادة وفاته، وخطاب من البنك الذي أوقف صرف المعاش، لم تحصل الابنة على منحة الزواج، ولم تصرف أمها الأرملة المعاش، ليزداد الطين بلة.
وثمة أرملة أخرى تعاني منذ شهور بسبب طلب أوراق لحسابات أولادها القصر الذين لم يبلغوا السن القانونية، ولا تعرف كيف تحصل عليها، فالبنك يقول إنها بعيدة عن مسؤوليته، والنيابة الحسبية تؤكد أنها لا تستخرجها، والتأمينات لا تشرح لها كيف تحل المشكلة.
آلاف الشكاوى أمام الحكومة
وأمام عجز أصحاب المعاشات عن الصرف، لم يجدوا أمامهم سوى منظومة الشكاوى الحكومية التابعة لمجلس الوزراء، التي تلقت 13.7 ألف شكوى وطلب واستفسار، وُجهت إلى الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي لفحصها والعمل على إزالة أسبابها والرد على أصحابها، وهو ما يتناقض مع تأكيد الهيئة أن جميع المنتفعين صرفوا المعاش باستثناء بضع مئات فقط.
ووسط هذه المآسي، ركزت الهيئة على عدم توصيف مشكلة المعاشات بالأزمة، معتبرة أن ذلك انتقاص من الجهود التي تقدمها لـ3730 حالة، منها 3008 حالات أُرسلت لها رسائل على الموبايل لاستكمال الأوراق، و725 حالة تحتاج لبيانات تاريخية يعدها مفتشو الهيئة للتأكد من أوراقها.
وقال اللواء جمال عوض، رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، إنه أُنهي صرف نحو 42254 حالة من المعاشات المتأخرة من أصل 54987 حالة، بنسبة إنجاز وصلت إلى 92%، مضيفًا أن الحالات المتبقية "محدودة" وتواجه بعض المشكلات الإدارية والفنية في عملية الصرف، وسط متابعة مستمرة لحلها.
ويرفض عوض تمامًا وصف الأمر بالأزمة، ويطالب بتوصيفه كتحدٍ ترتبط به هيئة تردد عليها 8 ملايين و625 ألف مواطن منذ بدء تطبيق النظام الجديد، من أصل 11.5 مليون مستفيد من المعاشات والمؤمن عليهم وأصحاب الأعمال الذين يسددون الاشتراكات، ورخص سيارات النقل والمقاولات.
وبحسب هيئة التأمينات، فإن النظام القديم كان يعاني من تقادم فني وتراكمات تشغيلية استوجبت الانتقال إلى منظومة رقمية جديدة، استقبلت أكثر من 6 مليارات سجل بيانات قديمة، جنبًا إلى جنب مع إدخال بيانات مستحقين جدد، وهو ما ترتبت عليه بعض التأثيرات التشغيلية في أداء السيستم.
ومع تطبيق السيستم الجديد، تبين أنه لا يخلو من المشكلات هو الآخر، بسبب حدوث أعطال تقنية وبطء في التشغيل وتكدس في المكاتب، وتعطل معاملات إدارية أخرى، كتحديث البيانات وإجراءات الورثة.
تضارب في أرقام المتضررين
وفي المقابل، يرفض النائب إيهاب منصور، عضو مجلس النواب، مبررات الهيئة، مؤكدًا أن أزمة المعاشات مستمرة، في ظل وجود آلاف لم يصرفوا مستحقاتهم منذ شهور، بل إن هناك حالات بالآلاف لم تصرف معاشها من العام الماضي، رغم تقديمها كل الأوراق المطلوبة منها.
ويضيف منصور، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن هناك تضاربًا في المواعيد التي حددتها الحكومة والهيئة لحل المشكلة، والتي حددت أول أغسطس موعدًا نهائيًا لها، وكذلك في أعداد المتضررين، الذين يُقدَّرون مرة بـ45 ألفًا، وأخرى بـ12790، لكن الثابت أن المشكلة قائمة، والكارثة أن الهيئة ترى أنه "ما فيش مشكلة، وأنه مجرد تحدٍ".
وكان رئيس الوزراء واللواء جمال عوض، رئيس هيئة التأمينات والمعاشات، قد تعهدا أمام لجنة القوى العاملة بمجلس النواب بإنهاء أزمة انقطاع صرف المعاشات عن آلاف المنتفعين بحلول أغسطس، غير أن رئيس الهيئة عاد وأكد في تصريحات تليفزيونية أن الكرة في ملعب المنتفعين الذين لم يوفروا الأوراق التي طلبتها مكاتب الهيئة حتى الآن.
ويؤكد منصور وجود حالات تثير التساؤلات، كتوقف صرف المعاش عن شخص بدعوى أنه ميت رغم أنه حي يرزق، مشددًا على أن حل المشكلة لا يكون بإنكارها، وأن الحل يبدأ بمنح الحكومة جميع المنتفعين الذين تأخر موعد صرف معاشهم دفعة تحت الحساب، تُخصم لاحقًا، ففيهم من لم يشترِ دواءه منذ شهور، وفيهم من يعيش على "الاستلاف من الآخرين".
هل السيستم المشكلة؟
ويطالب الدكتور باسل عادل، عضو مجلس الشيوخ، الحكومة والجهات المعنية بمصارحة المواطنين بحقيقة ما يحدث داخل منظومة التأمينات، وحجم الأعطال أو التحديات التي تواجه النظام الإلكتروني، والمدة الزمنية اللازمة للانتهاء من عملية التطوير، مضيفًا أن التحول الرقمي يجب أن يكون وسيلة لتسهيل حصول المواطن على حقوقه لا سببًا في تعطيلها.
ويضيف عادل، في تصريحات صحفية، أن أصحاب المعاشات ليسوا طرفًا في أي مشكلة تقنية أو إدارية، وأن حقهم في الحصول على معاشاتهم ومستحقاتهم في موعدها لا يحتمل التأجيل، مطالبًا الحكومة بسرعة التدخل، والإعلان بشفافية عن أسباب الأزمة، وخطة التعامل معها، والجدول الزمني النهائي لحلها، مع إعطاء الأولوية للحالات التي تعطلت مصالحها بالفعل.
وقبل تطبيق سيستم المعاشات الجديد، لم يُقيَّم مدى قدرته على التعامل مع أكبر قاعدة بيانات في الشرق الأوسط، تضم 49.5 مليون شخص، موزعين بين 12.5 مليون صاحب معاش، و37 مليون مواطن مؤمن عليه، فضلًا عن الآلاف من سائقي النقل وأصحاب سيارات النقل الثقيل، الذين يحصلون على شهادة مخالصة من التأمينات الاجتماعية تفيد بسداد المستحقات قبل تجديد الرخصة، وكذلك المقاولين والموردين الذين يُشترط حصولهم على شهادة التأمينات قبل صرف مستحقاتهم.
ولم تُجرَ اختبارات تجريبية قوية على نظام إدارة البيانات الجديد (CRM)، وجرت بشكل صوري، فضلًا عن نقل البيانات من النظام القديم إلى الجديد مرة واحدة، وحجمها يبلغ 7 مليارات سجل كما يقول رئيس الهيئة، وهي كمية فوق طاقة النظام الجديد، فكانت النتيجة الطبيعية هي سقوطه وبطؤه الشديد، حتى غدا الأمر أشبه بتحميل فيلم اتش دي على إنترنت شديد البطء.
ويقول كامل السيد، خبير التأمينات والمعاشات، إن الخبراء الذين استُطلعت آراؤهم أجمعوا على أن النظام الجديد غير قادر على تحمل بيانات ضخمة كالموجودة لدى هيئة التأمينات، وقد جُرِّب وثبت عدم قدرته، إذ لا يستطيع خدمة أكثر من 150 مستخدمًا في وقت واحد، وبالتالي فهو غير قادر على تلبية احتياجات المواطنين ومصالحهم، ويجب إيقافه بشجاعة.
ويطالب السيد بالعودة إلى النظام القديم الذي أثبت قدرته على تلبية مصالح المواطنين، مضيفًا: "الحديث عن أن النظام القديم لم يتعرض للتطوير منذ 40 عامًا غير صحيح، إذ أُنفق عليه 580 مليون جنيه طوال تاريخه، فلا يوجد نظام عمل يعمل بكفاءة طوال تلك الفترة دون تحديثات"، مشددًا على أن النظام القديم أثبت قدرته على خدمة جميع أطراف المنظومة، ويجب العودة إليه، فالرقمنة لا تعني وقف مصالح الناس.
وبينما تتقاذف الأطراف المعنية التهم، يظل الحساب الحقيقي معلقًا في جيوب من لا يملكون رفاهية الانتظار، فمعاش أحمد المتأخر لم يعد مجرد رقم في قاعدة بيانات تُعالج أعطالها بمرور الوقت، بل صار قرضًا بفائدة يتضاعف كل شهر يمر دون حل، وما ينطبق عليه ينطبق على آلاف غيره ممن تحولت حقوقهم المكفولة إلى ديون تُثقل كاهلهم بدلًا من أن تسندهم.
-
الأسماء مستعارة بناء على طلب المصدر.