المرتب مبيكفيش| كم ساعة عمل تحتاجها لشراء "بيضة"؟ مقارنة بين مصر والبرازيل وفرنسا

على مدى خمس سنوات متتالية، لم يتوقف الحد الأدنى للأجور في مصر عن الارتفاع، فمن 2400 جنيه في يوليو 2021، قفز الرقم مرة تلو الأخرى حتى بلغ 8000 جنيه مع بداية الشهر الجاري، بزيادة إجمالية تناهز 233%، وهو رقم يبدو للوهلة الأولى إنجازًا لا يحتاج إلى تفسير، فراتب تضاعف أكثر من ثلاث مرات يوحي بتحسن موازٍ في حياة من يتقاضونه، غير أن الأرقام وحدها، مهما بدت مبهرة، لا تملك الإجابة الكاملة، فثمة سؤال أكثر إلحاحًا يظل معلقًا خلف كل زيادة جديدة، هل يعني ارتفاع الرقم المكتوب في كشف الراتب أن العامل أصبح فعلًا قادرًا على العيش بصورة أفضل؟ أم أن الزيادة الاسمية تسير في مسار منفصل تمامًا عما يجري في الأسواق من حوله؟

فالقيمة الحقيقية للأجر لا تُقاس بحجم الراتب فقط، وإنما بقدرته على توفير الاحتياجات الأساسية، وعدد ساعات العمل التي يبذلها العامل للحصول عليه، وهي مؤشرات تعكس بصورة أكثر دقة مستوى المعيشة والقوة الشرائية، ومن هنا تحديدًا، وليس من رقم الزيادة وحده، ننطلق في هذه المقارنة بين الحد الأدنى في مصر والبرازيل وفرنسا للوقوف على مستوى معيشة كل منها، حيث يصنف البنك الدولي اقتصادات العالم إلى أربع مجموعات دخل، منخفض ومتوسط أدنى ومتوسط أعلى ومرتفع، وتقع مصر في فئة الدخل المتوسط الأدنى، بينما تقع البرازيل في فئة الدخل المتوسط الأعلى، وتقع فرنسا في فئة الدخل المرتفع، ولا تهدف هذه المقارنة بين الدول الثلاث إلى المفاضلة بين اقتصاداتها أو قياس مستويات التنمية فيها، وإنما إلى تقديم قراءة موضوعية لما يوفره الحد الأدنى للأجور من قدرة شرائية في كل دولة، بالاعتماد على مجموعة من المؤشرات الاقتصادية المتكاملة.

وتشمل المقارنة قيمة الحد الأدنى للأجور، ومتوسط ساعات العمل الأسبوعية، وأجر الساعة، وأسعار عدد من السلع الغذائية الأساسية، إلى جانب الكميات التي يستطيع العامل شراءها من هذه السلع مقابل شهر كامل من العمل، خاصة أن الاعتماد على قيمة الراتب وحده قد يقود إلى قراءة غير مكتملة، إذ إن مستوى المعيشة يرتبط بعلاقة بين الدخل والأسعار وساعات العمل، وليس بحجم الراتب فقط.

رسم بياني يوضح: الزيادة في الحد الأدنى للأجور في مصر خلال السنوات الخمس الماضية

كيف تختلف قيمة الحد الأدنى للأجور؟

توضح البيانات أن الحد الأدنى للأجور في مصر يبلغ 8000 جنيه شهريًا، وهو ما يعادل نحو 158 دولارًا أمريكيًا، وفي البرازيل يبلغ الحد الأدنى 1621 ريالًا برازيليًا شهريًا، بما يعادل نحو 295 دولارًا أمريكيًا، أما في فرنسا فيبلغ الحد الأدنى للأجور 1823 يورو شهريًا، بما يعادل نحو 2086 دولارًا أمريكيًا، وبالمقارنة بالدولار، يتضح أن الحد الأدنى للأجور في البرازيل يزيد بنحو 87% عن نظيره في مصر، بينما يزيد الحد الأدنى في فرنسا بنحو 14 مرة عن الحد الأدنى المصري، وتوضح هذه الفروق حجم التباين في مستويات الدخل الاسمي بين الدول الثلاث، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على مستوى المعيشة، فبحسب قانون العمل، يعمل العامل في مصر في المتوسط 48 ساعة أسبوعيًا، وهو أعلى من البرازيل التي يبلغ متوسط العمل فيها 44 ساعة أسبوعيًا، ومن فرنسا التي تبلغ فيها ساعات العمل 35 ساعة أسبوعيًا، وعند احتساب قيمة ساعة العمل، يحصل العامل المصري على نحو 0.82 دولار للساعة، مقابل نحو 1.7 دولار للعامل البرازيلي، بينما يصل أجر الساعة في فرنسا إلى نحو 14.9 دولارًا.

وبذلك يحصل العامل البرازيلي على أجر ساعة يزيد بنحو ضعفين تقريبًا عن العامل المصري، بينما يحصل العامل الفرنسي على أجر ساعة يزيد بنحو 18 ضعفًا تقريبًا عن العامل المصري، وتكشف هذه المقارنة أن الفارق لا يرتبط فقط بحجم الدخل الشهري، وإنما أيضًا بعدد الساعات المطلوبة للحصول على هذا الدخل.

رسم بياني يوضح: عدد ساعات العمل أسبوعيًا في الدول الثلاث

ماذا يستطيع الحد الأدنى للأجور أن يشتري؟

توضح أسعار السلع الأساسية جانبًا آخر من المقارنة، إذ تختلف تكلفة المنتجات بين الدول الثلاث، غير أن تأثير هذه الأسعار يرتبط بمستوى دخل المواطن، وتكشف مقارنة أسعار أربع من السلع الأساسية أن ارتفاع الأسعار الاسمية لا يعكس بالضرورة انخفاض القدرة الشرائية، إذ يرتبط تأثير الأسعار بحجم الدخل المتاح للعامل، ففي مصر يبلغ متوسط سعر كيلو اللحم 400 جنيه، مقابل 52.5 ريالًا في البرازيل و21.5 يورو في فرنسا.

وعند ربط هذه الأسعار بالحد الأدنى للأجور، تتضح الفروق في القوة الشرائية بصورة أكبر، فالعامل الذي يتقاضى الحد الأدنى للأجر يستطيع شراء نحو 20 كيلوجرامًا من اللحم في مصر، مقابل 30.9 كيلوجرامًا في البرازيل و84.8 كيلوجرامًا في فرنسا، أي أن القدرة الشرائية لشراء اللحم تزيد بنحو 1.5 مرة في البرازيل، وبنحو 4.2 مرات في فرنسا مقارنة بمصر.

وبالنسبة للبيض، مثلًا، فيبلغ سعر 12 بيضة 36 جنيهًا في مصر، و15 ريالًا في البرازيل، و4.5 يورو في فرنسا، يستطيع العامل شراء نحو 222 طبقًا في مصر (طبق مكون من 12 بيضة)، مقابل 108 أطباق في البرازيل و405 أطباق في فرنسا، ويعكس ذلك انخفاض سعر البيض نسبيًا في السوق المصرية خلال الأيام الماضية مقارنة بالحد الأدنى للأجر، إذ تزيد القدرة الشرائية في مصر إلى أكثر من ضعفي البرازيل، بينما تظل فرنسا الأعلى بنحو 1.8 مرة مقارنة بمصر.

أما اللبن، فيبلغ متوسط سعر اللتر 35 جنيهًا في مصر، مقابل 6 ريالات في البرازيل و1.5 يورو في فرنسا، فيستطيع العامل شراء نحو 229 لترًا في مصر، مقابل 270 لترًا في البرازيل و1215 لترًا في فرنسا، ما يعني أن القدرة الشرائية للبن في البرازيل تزيد بنحو 18% عن مصر، بينما ترتفع في فرنسا إلى أكثر من 5.3 مرات.

وبالنسبة للأرز، يبلغ سعر الكيلو 30 جنيهًا في مصر، و8.35 ريال في البرازيل، و2.44 يورو في فرنسا، ويستطيع العامل شراء نحو 267 كيلوجرامًا في مصر، مقابل 194 كيلوجرامًا في البرازيل و747 كيلوجرامًا في فرنسا، وتشير هذه الأرقام إلى أن انخفاض سعر الأرز في السوق المصرية يجعل القدرة الشرائية لهذه السلعة أعلى بنحو 37% من البرازيل، بينما تحتفظ فرنسا بفارق كبير يصل إلى نحو 2.8 مرة مقارنة بمصر.

وتؤكد هذه النتائج أن القوة الشرائية تختلف من سلعة إلى أخرى، وأن الاعتماد على سعر سلعة واحدة أو على قيمة الراتب وحدها قد يقود إلى استنتاجات مضللة، فبينما تتفوق مصر في القدرة على شراء بعض السلع مثل البيض والأرز، تتفوق البرازيل في اللحوم واللبن، في حين تحافظ فرنسا على أعلى قوة شرائية في جميع المؤشرات تقريبًا بفضل ارتفاع الحد الأدنى للأجور مقارنة بتكلفة السلع الأساسية.

ورغم ارتفاع الأسعار لبعض السلع في فرنسا مقارنة بالدول الأخرى، فإن ارتفاع مستوى الأجور يجعل تكلفة هذه السلع تمثل نسبة أقل من دخل العامل، وهو ما يجعل قياس القوة الشرائية أكثر دلالة من مقارنة الأسعار منفردة، وهذا يوضح أهمية عدم الاعتماد على سلعة واحدة عند قياس مستوى المعيشة، وإنما استخدام سلة من الاحتياجات الأساسية.

كم ساعة يحتاج العامل لشراء السلع الأساسية؟

من الطرق الأكثر دقة لقياس القوة الشرائية حساب عدد ساعات العمل اللازمة لشراء كل سلعة، وتكشف هذه البيانات أن الفارق الحقيقي يظهر في العلاقة بين الوقت المبذول في العمل والسلع التي يمكن الحصول عليها مقابل هذا الوقت، وتكشف البيانات أن العامل في مصر يحتاج إلى نحو 10 ساعات و24 دقيقة من العمل لشراء كيلو لحم، مقابل 6 ساعات و11 دقيقة في البرازيل، وساعة و47 دقيقة فقط في فرنسا.

ولشراء 12 بيضة، يحتاج العامل المصري إلى أقل من ساعة عمل (56 دقيقة) مقابل ساعة و46 دقيقة في البرازيل، و22 دقيقة في فرنسا.

بينما يحتاج العامل المصري إلى 55 دقيقة لشراء لتر لبن، مقارنة بـ42 دقيقة في البرازيل، و7 دقائق ونصف في فرنسا، أما كيلو الأرز، فيستغرق شراؤه 47 دقيقة من العمل في مصر، مقابل 59 دقيقة في البرازيل، و12 دقيقة في فرنسا.

فالعامل المصري يحتاج إلى وقت أطول لشراء معظم السلع الأساسية مقارنة بالعامل البرازيلي والفرنسي، بينما يستطيع العامل الفرنسي الحصول على هذه السلع خلال وقت عمل أقل بكثير.

أين تظهر الفجوة في القوة الشرائية؟

تكشف المقارنة أن الفجوة بين الدول الثلاث لا ترتبط فقط بقيمة الأجور، وإنما بما يوفره هذا الأجر من احتياجات يومية، وما يستطيع العامل شراءه مقابل شهر من العمل، والوقت الذي يستغرقه للحصول على احتياجاته الأساسية، ففي حين يبلغ الحد الأدنى للأجور في البرازيل أقل بكثير من فرنسا، فإن العامل البرازيلي يمتلك قدرة شرائية أعلى من العامل المصري في عدد من السلع الأساسية، خاصة اللحوم والبيض واللبن.

أما العامل الفرنسي فيحتفظ بفارق كبير في القوة الشرائية نتيجة اجتماع ثلاثة عوامل، ارتفاع الأجر، وانخفاض عدد ساعات العمل، وارتفاع القدرة على شراء السلع الأساسية مقارنة بالدخل، حيث يستطيع العامل الفرنسي شراء نحو 84.8 كيلوجرامًا من اللحم، و405 أطباق من البيض، و1215 لترًا من اللبن، و747 كيلوجرامًا من الأرز من الحد الأدنى للأجر، كما يحتاج إلى ساعة و47 دقيقة فقط لشراء كيلو لحم، و22 دقيقة لشراء 12 بيضة، و7 دقائق ونصف لشراء لتر لبن، و12 دقيقة لشراء كيلو أرز.

رسوم: سلمى الطوبجي- فكر تاني

أما المقارنة بين مصر والبرازيل، فتكشف أن الفجوة في القوة الشرائية ليست ثابتة، وإنما تختلف باختلاف السلعة، فعلى الرغم من أن الحد الأدنى للأجور في البرازيل يزيد بنحو 87% عن نظيره في مصر، فإن هذه الزيادة تنعكس بوضوح في القدرة على شراء اللحوم واللبن، إذ يستطيع العامل البرازيلي شراء نحو 30.9 كيلوجرامًا من اللحم مقابل 20 كيلوجرامًا للعامل المصري، ونحو 270 لترًا من اللبن مقابل 229 لترًا في مصر، كما يحتاج إلى ساعات عمل أقل للحصول على هاتين السلعتين.

في المقابل، تمنح الأسعار المنخفضة نسبيًا لبعض السلع في السوق المصرية العامل قدرة شرائية أعلى في البيض والأرز، إذ يستطيع شراء نحو 222 طبقًا من البيض مقابل 108 أطباق في البرازيل، ونحو 267 كيلوجرامًا من الأرز مقابل 194 كيلوجرامًا، كما يحتاج إلى وقت أقل لشراء هاتين السلعتين مقارنة بالعامل البرازيلي.

وتؤكد هذه النتائج أن القوة الشرائية لا تُقاس بحجم الراتب فقط، وإنما بالعلاقة بين الدخل، وساعات العمل، وأسعار السلع الأساسية، فكلما ارتفعت قيمة أجر الساعة وانخفضت تكلفة السلع مقارنة بالدخل، اتسعت القدرة الشرائية وتحسن مستوى المعيشة، وهو ما يظهر بوضوح في حالة فرنسا، بينما تعكس المقارنة بين مصر والبرازيل اختلافًا في القوة الشرائية من سلعة إلى أخرى، وليس تفوقًا مطلقًا لإحدى الدولتين في جميع المؤشرات.

ماذا تقول البيانات عن مستوى المعيشة؟

تشير المقارنة إلى أن تقييم مستوى المعيشة لا يمكن أن يعتمد على الحد الأدنى للأجور وحده، وإنما يجب النظر إلى مجموعة من المؤشرات مجتمعة تشمل قيمة الأجر، وساعات العمل، وأجر الساعة، وأسعار السلع الأساسية، والقوة الشرائية.

وتوضح البيانات أن رفع الحد الأدنى للأجور في مصر يمثل تحسنًا في الدخل الاسمي، غير أن مستوى المعيشة يظل مرتبطًا بمدى قدرة هذا الدخل على تغطية الاحتياجات الأساسية، وهو ما يعتمد في النهاية على تطور الأسعار، ومعدلات التضخم، وإنتاجية سوق العمل، وليس على قيمة الراتب وحدها، وبذلك تكشف المقارنة أن القوة الشرائية، وليس الراتب الاسمي، هي المؤشر الأكثر دقة للحكم على مستوى المعيشة، وأن الفارق الحقيقي بين الدول الثلاث يظهر بوضوح عند قياس ما يستطيع العامل شراءه مقابل شهر من العمل، وليس عند مقارنة قيمة الرواتب فقط.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة