التقى وفد من البرلمان الأوروبي، بقيادة رئيس اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان منير ساتوري، خلال الأسبوع الجاري، بالمجلس القومي لحقوق الإنسان وعدد من الحقوقيين، في أول زيارة من نوعها منذ خمس سنوات، وهو ما يمنحها دلالات خاصة نظرًا لطبيعة الملف الذي يتابعه البرلماني الفرنسي ذو الأصول المغربية.
ساتوري، المهتم بملف حقوق الإنسان في مصر، سبق أن تحدث عن سجناء الرأي، ومنهم الناشط أحمد دومة، الذي صدر بحقه حكم جديد بالحبس لمدة عام بتهمة نشر أخبار كاذبة، كما شارك من قبل في تبني قرارات تسعى للدفع نحو تحسين حالة حقوق الإنسان في مصر.
وتأتي هذه الزيارة، بعد فترة طويلة من انقطاع الزيارات المشابهة، بحسب المدير التنفيذي لمؤسسة حرية الفكر والتعبير محمد عبد السلام، الذي يقول في تصريحات لـ"فكر تاني"، إن الزيارة "لم تحدث منذ فترة طويلة، على الأقل منذ الخمس سنوات الماضية، هذه أول زيارة مجمعة على هذا المستوى"، لافتًا إلى اهتمام رئيس اللجنة بأوضاع حقوق الإنسان في مصر، خاصة في ضوء الشراكة الاستراتيجية بين مصر والاتحاد الأوروبي.
وهذه الشراكة تحديدًا، بحسب عبد السلام، هي ما يمنح التوقيت أهميته، إذ يوضح أنها "تنص على احترام القانون وحقوق الإنسان، وهذه مناسبة للتأكيد على هذه القيم ووجود قضايا ملحة لتحسين حالة حقوق الإنسان في مصر"، مشيرًا بذلك إلى اتفاق الشراكة الاستراتيجية الموقع بين مصر والاتحاد الأوروبي في مارس 2024 للارتقاء بالعلاقات بين الطرفين، الذي تغطي استراتيجيته ستة محاور، هي العلاقات السياسية، والاستقرار الاقتصادي، والتجارة والاستثمار، والهجرة والتنقل، والأمن، ورأس المال البشري، إضافة إلى حزمة تمويلية بقيمة 7.4 مليار يورو تمتد بين عامي 2024 و2027.
وفي موازاة هذا اللقاء، استقبل المجلس القومي لحقوق الإنسان، برئاسة الدكتور أحمد إيهاب جمال الدين، الوفد الأوروبي في مقر المجلس، حيث حضر الجلسة محمد أنور السادات نائب رئيس المجلس، وعدد من أعضائه، الذين استعرضوا دور المجلس ورؤيته بشأن مواصلة جهود الإصلاح التشريعي والمؤسسي لتعزيز ضمانات حقوق الإنسان في مصر، لا سيما في مجالات حرية الرأي والتعبير والعدالة الجنائية، فضلًا عن الجهود الوطنية لمكافحة العنف ضد النساء والأطفال.
مكاشفة حقوقية
وخلال اللقاءات المختلفة التي جمعت ساتوري بالحقوقيين، استمع الوفد الأوروبي لرؤية المنظمات إزاء انتهاكات حقوق الإنسان، حيث استعرض مدير مكتب مصر بمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان محمد زارع الانتهاكات التي وقعت منذ توقيع الشراكة الاستراتيجية في 2024 وحتى الآن، ومنها القبض على رسام الكاريكاتير أشرف عمر، مؤكدًا في تصريحات خاصة لـ"فكر تاني" تصاعد انتهاكات حقوق الإنسان على مدار السنوات الماضية، وغياب أي التزام جدي باحترام حقوق الإنسان في اتفاقية الشراكة.
كما تطرق زارع في اللقاء إلى الانتهاكات التي يتعرض لها اللاجئون في مصر، وهو الملف نفسه الذي تحدثت عنه لبنى درويش، مديرة برنامج النساء والنوع الاجتماعي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، مشيرة إلى هجمة عنيفة ضد اللاجئين وملتمسي اللجوء منذ بداية العام الحالي، إذ تقول لـ"فكر تاني" إن الترحيلات تطال الجميع، "منهم ناس معها أوراق سارية من مفوضية اللاجئين، وحاصلين على صفة لجوء".

حرية الدين والمعتقد تتراجع
ورغم أن ملف اللجوء وحقوق اللاجئين كان من الملفات التي تعتبرها لبنى إيجابية في ملف مصر، فإن الحقوقيين سجلوا تراجعًا قويًا فيه مؤخرًا، كما تتراجع بقوة أيضًا حرية الدين والمعتقد، وهو ما تصفه لبنى بقولها "هذه الملفات كانت تشهد تحسنًا نسبيًا، ونتحدث عنها بشكل إيجابي، لكن فجأة حدث تراجع في الملفين".
وتضيف لبنى، التي التقت الوفد الأوروبي، أن "حاجة جديدة تحدث في مصر فيما يتعلق بحرية الدين والمعتقد، نرصد حملات تستهدف ناسًا في محافظات من خلفيات عقائدية مختلفة، ويبدو أنها منظمة"، مشيرة إلى القبض على لا دينيين ومسيحيين وشيعة مسلمين، وهو الملف نفسه الذي تناوله زارع خلال اللقاء.
قيود على المجتمع المدني
وكانت القيود المفروضة على المجتمع المدني محل نقاش خلال لقاء الحقوقيين مع ساتوري والوفد الأوروبي، إذ يقول المدير التنفيذي لمؤسسة حرية الفكر والتعبير إن "اللقاء الخاص بنا جاء بعد لقاء المجلس القومي لحقوق الإنسان، الذي أشار إلى وجود تحسينات وأن المجتمع المدني يعمل بحرية، وهذا ينافي الواقع".
ويشدد عبد السلام على أن "الوضع يتراجع"، لافتًا إلى أن الأمور لا تتوقف عند رفض مشروعات عدد من المنظمات الحقوقية، وإنما تمتد إلى قيود تشريعية وإدارية تحد من حرية المجتمع المدني، معتبرًا أن وزارة التضامن الاجتماعي "ترسل خطابات رفض المشروعات للمنظمات، لكن الرفض وراءه أجهزة تنفيذية أخرى لا تظهر في الصورة".
ويوضح عبد السلام أن قيود التمويل تضع المنظمات تحت ضغط كبير من ناحية مواردها وقدرتها على تنفيذ المشروعات الموجهة لخدمة المواطنين، مثل تدريبات رفع الوعي أو الدعم النفسي لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، مضيفًا أن "المشروعات تأثرت بشكل سلبي، وغير قادرين على إفادة المجتمع". وفي الوقت نفسه، يشير إلى الدور الإيجابي الذي تمارسه المنظمات الحقوقية لتحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية، لافتًا إلى طرحها أفكارًا وسياسات بديلة، لكنه يحذر من أن "الضغط على المنظمات وحرمانها من حرية الحركة يضرب قدرتها على المساهمة في تحقيق إصلاح سياسي واقتصادي"، مسترجعًا مساهمات المنظمات مع الحكومة والبرلمان والحوار الوطني في تقديم مقترحات وأفكار لمساعدة صناع القرار.
من جانبها، تشير لبنى درويش إلى "ممارسات انتقامية ضد العاملين في المجتمع المدني ونشطاء حقوق الإنسان"، مشيرة إلى استمرار منع بعضهم من السفر، وتجميد الأصول والأموال، أو وضع آخرين على قوائم الإرهاب.
قضايا التيك توك تثير دهشة ساتوري
ويبدو أن ساتوري والوفد الأوروبي اندهشا خلال سماع بعض الملاحظات الحقوقية بشأن أوضاع حرية الرأي والتعبير، خاصة بعدما تطرق عبد السلام إلى ظاهرة حبس النساء اللاتي يقدمن محتوى ترفيهيًا أو راقصًا على تيك توك، قائلًا "من المعتاد الحديث عن حبس سياسيين، لكن نساء ترقص على تيك توك هو أمر فج ويثير الدهشة".
ويشير مدير مؤسسة حرية الفكر إلى تكرار ملاحقة الفتيات بتهمة هدم القيم الأسرية، "وفي بعض الحالات توجيه اتهامات بالدعارة، بالمخالفة لأركان الجريمة الواردة في القانون، مثل التلبس وتلقي الأموال".
وبشأن العمل الإعلامي، استمع ساتوري إلى ملاحظات بشأن دور المجلس الأعلى للإعلام الذي تحول إلى "صدى صوت للسلطة التنفيذية"، بحسب تعبير عبد السلام، الذي استعرض القرارات الأخيرة للمجلس التي امتدت إلى فرض قيود على الإعلام الرياضي، وتقييد الأصوات التي وجهت انتقادات لمدرب الفريق القومي لكرة القدم، كذلك تناول عبد السلام في اللقاء السيطرة على أغلبية وسائل الإعلام من خلال ملكيتها لشركة واحدة، مشيرًا إلى تركز الملكية لدى الشركة المتحدة، وأثر ذلك في "سيطرة الصوت الواحد، وعدم وجود مكان لأي أصوات ناقدة".
خلاف على المشروطية
ومع أهمية ملف حقوق الإنسان ودور الحوار المصري الأوروبي، يتوقف مدير مكتب مصر لمركز القاهرة لحقوق الإنسان محمد زارع أمام ضعف اهتمام اتفاق الشراكة بحقوق الإنسان، قائلًا لـ"فكر تاني"، إن "الشراكة تتضمن مشروطية للإصلاح الاقتصادي، وفي المقابل لا توجد شروط تتعلق بحقوق الإنسان"، معتبرًا أن اتفاق الشراكة اكتفى بالنص على مصطلحات فضفاضة لا تتضمن شروطًا قابلة للمراجعة، موضحًا أن "الاتفاق تحدث بشكل عام، ولا توجد نقاط محددة تخضع لتقييم سنوي، ولا يوجد تقييم جاد نهائي فيما يخص احترام حقوق الإنسان والديمقراطية وحكم القانون".
وفي الوقت نفسه، تحدث زارع في لقائه مع ساتوري عن العلاقة بين الإصلاح الاقتصادي والسياسي، قائلًا إن "توجيه مساعدات اقتصادية مع إغفال الجانب السياسي لا يعالج أصل المشكلة، لأن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر مرتبطة بأزمة سياسية، مثل غياب المحاسبة والرقابة على الإنفاق، خاصة للمشروعات القومية"، ولافتًا إلى استمرار الاتجاه نحو إنشاء كيانات موازية في الدولة مع ضعف في الرقابة، مضيفًا "شهدنا مؤخرًا قانون جهاز مستقبل مصر".
من جانبها، تختلف مديرة برنامج النساء والنوع الاجتماعي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية لبنى درويش مع دعوات المشروطية وربط الشراكة بتحسين حالة حقوق الإنسان، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي تخلى عن الشروط المرتبطة بحقوق الإنسان في اتفاق الشراكة، واكتفى بالنص على اتخاذ خطوات ملموسة وذات مصداقية، في حين تمسك بـشروط اقتصادية لا تختلف كثيرًا عن شروط صندوق النقد الدولي، لافتة إلى تصالح الجميع مع الشروط الاقتصادية، إذ "لا يبدي أحد انزعاجه من وجود شروط اقتصادية"، على عكس حالة الترقب التي قد تحدث عند الحديث عن تحسين حالة حقوق الإنسان أو وجود شروط تتعلق بها. وفي المقابل، تشدد لبنى على العلاقات الوطيدة بين مصر والاتحاد الأوروبي، معتبرة أن هذه العلاقة تسمح لأوروبا بتقديم نصائحها للدولة المصرية، وتقول "لسنا معنيين بفكرة المشروطية، لكن في الشراكة كل طرف لديه مسؤولية".
ويعول الحقوقيون على صوت ساتوري ووفد لجنة حقوق الإنسان في البرلمان الأوروبي، وعلى تقريره بشأن زيارة مصر، في توصيل الصورة الحقيقية عن أوضاع حقوق الإنسان، والخروج بتوصيات، ورغم أن هذه التوصيات غير ملزمة للمفوضية الأوروبية، فإنها قد تبدو في رأي زارع ضغطًا سياسيًا وأدبيًا على الأوروبيين، كما يُتوقع أن يستخدم البرلمانيون الأوروبيون أدواتهم في الاستجواب والاستيضاح بشأن دور الشراكة في تعزيز حالة حقوق الإنسان في مصر.