في ظاهره، يبدو مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر، الذي وافقت عليه اللجنة المشتركة من لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب تمهيدًا لعرضه على الجلسة العامة، خطوة في اتجاه مدني. بصورة أوضح هذا جهاز كان يعمل تحت إدارة عسكرية مباشرة، يجري نقله إلى إطار قانوني مدني، له اختصاصات ومجلس إدارة ولوائح وصناديق وقواعد عمل. وهذه ليست مسألة شكلية. فإخراج مؤسسة اقتصادية كبيرة من مساحة الإدارة العسكرية المباشرة إلى إطار قانوني قابل للنقاش والمراجعة يمكن أن يمثل تطورًا مهمًا في علاقة الدولة بالاقتصاد.
لكن المفارقة أن الانتقال إلى الإطار المدني لا يعني تلقائيًا انتقالًا إلى رقابة أوسع أو منافسة أفضل. ففي الوقت الذي ينظم مشروع القانون بناءً قانونيًا أكثر وضوحًا للجهاز ، يمنحه صلاحيات واسعة في إدارة الأصول، وتأسيس الشركات، والتعامل مع مناطق التنمية المستدامة، والدخول في شراكات، وإنشاء صندوق سيادي، وآخر خدمي، من دون أن يقابل هذا الاتساع في السلطة اتساع رقابي مكافئ.
صحيح أن مناقشات اللجنة المشتركة أدخلت بعض الضمانات المهمة، خصوصًا ما يتعلق باشتراط موافقة مجلس النواب في جلسة عامة على إنشاء مناطق التنمية المستدامة، فضلًا عن تنظيم تقييم الأصول ورؤوس الأموال. وهذه تعديلات لا يمكن التقليل من أهميتها. لكنها لا تُنهي السؤال الأساسي، بل تنقله إلى مستوى أدق: هل تكفي الرقابة على لحظة إنشاء المنطقة أو تقييم الأصول، أم يحتاج القانون أيضًا إلى رقابة ممتدة على ما يجري بعد ذلك من تخصيص أراضٍ، واختيار شركاء، وتحديد رسوم، وإدارة عوائد؟
القانون يحمل فرصة. لكنه يحمل أيضًا خطرًا. وبين الفرصة والخطر تقف وظيفة البرلمان.
من الغموض إلى النص: الإيجابية الأولى
أول ما يمكن تسجيله لصالح المشروع أنه ينقل جهاز مستقبل مصر إلى إطار قانوني أوضح. وهذه ليست مسألة شكلية. فحين يصبح الكيان منظمًا بقانون، له اختصاصات محددة، ومجلس إدارة، وصناديق، وتقارير، ولوائح، فإن ذلك يفتح بابًا للنقاش العام والمراجعة والتعديل.
القواعد المكتوبة أفضل من القوة الغامضة؛ لا لأن الكتابة وحدها تضمن الرقابة، بل لأنها تجعل السلطة مرئية. وما يصبح مرئيًا يمكن مساءلته. أما ما يبقى في الظل، فيصعب حتى تحديد حدوده.
يغادر المشروع فكرة الإدارة العسكرية المباشرة للجهاز، وربما يعكس استجابة جزئية لضغوط ومطالب تتعلق بتوسيع الدور المدني في الاقتصاد. لكنه لا يغادر بالضرورة منطق هذه الإدارة بالكامل: سلطة كبيرة، ورقابة تحتاج إلى مزيد من التحديد.
لذلك يمكن اعتبار المشروع خطوة في اتجاه “مدننة” الإطار القانوني للجهاز، وإدخاله ضمن بنية أكثر وضوحًا، وأكثر قابلية للمساءلة بدل تركه في مساحة ملتبسة بين السيادي والإداري والاقتصادي.
وتزداد أهمية هذه الخطوة بعد موافقة اللجنة المشتركة على تعديلات تضيف حضورًا برلمانيًا في بعض المفاصل الحساسة، لا سيما في إنشاء مناطق التنمية المستدامة. غير أن وجود النص المدني والرقابة الأولى لا يعني أن البناء اكتمل؛ فالاختبار الحقيقي سيبقى في قدرة القانون على ضبط السلطة بعد تأسيسها، لا فقط في لحظة نقلها من إطار إلى آخر.
جهاز للتنسيق أم مركز فوق وزاري؟
يمنح المشروع الجهاز طبيعة خاصة، واستقلالًا فنيًا وماليًا وإداريًا، ويربطه مباشرة برئيس الجمهورية. كما يمنحه قدرة واسعة على التعامل مع مناطق التنمية المستدامة، وتأسيس الشركات، وإدارة الأصول، والدخول في شراكات، وإنشاء صندوق سيادي وصندوق خدمي.
هذا التصميم قد يساعد في حل مشكلة حقيقية: بطء البيروقراطية وتضارب الاختصاصات بين الجهات الحكومية. فالمشاريع كثيرًا ما تخسر وقتًا وفرصًا بسبب تعدد الجهات وتداخل السلطات. وفي قطاعات مثل الزراعة، والغذاء، والطاقة، والمياه، واللوجستيات، والتصنيع، قد يكون وجود جهة تنسيقية قوية أمرًا مفيدًا.
لكن القوة نفسها تخلق سؤالًا مقابلًا: هل سينسق الجهاز بين الوزارات، أم سيعلو عليها؟ هل سيختصر الطريق أمام المستثمرين، أم سيصبح هو الطريق الوحيد؟ هل سيحل التشابك الإداري، أم سيخلق طبقة جديدة فوق الإدارة القائمة؟
تعديلات اللجنة تعكس إدراكًا جزئيًا لهذه الحساسية، خصوصًا حين جعلت إنشاء مناطق التنمية المستدامة مرتبطًا بموافقة مجلس النواب في جلسة عامة. فالمناطق هنا ليست مجرد تقسيم إداري أو مساحة جغرافية جديدة، بل مدخل واسع لإعادة ترتيب علاقة الدولة بالأرض، والاستثمار والرسوم والشراكات. لذلك فإن وضع لحظة الإنشاء تحت رقابة البرلمان يخفف من خطر الانفراد التنفيذي، لكنه لا يلغي الحاجة إلى ضبط ما يحدث داخل هذه المناطق بعد إنشائها.
الفارق بين التنسيق والهيمنة دقيق، لكنه حاسم. التنسيق يجعل المؤسسات تعمل معًا. أما الهيمنة فتجعل المؤسسات تدور حول مركز واحد. وكل اقتصاد يدور حول مركز واحد، حتى لو بدا سريعًا في البداية، يواجه مع الوقت خطر الانغلاق والانتقائية وضعف المنافسة.
قوة الدولة مطلوبة.. لكن أي قوة؟
من الخطأ التعامل مع تدخل الدولة في الاقتصاد باعتباره مشكلة في ذاته. فالدول لا تُبنى بالانسحاب الكامل من الاقتصاد، خصوصًا في ملفات الأمن الغذائي، والمياه، والطاقة، والبنية الأساسية. السوق وحده لا يحل كل شيء، والقطاع الخاص لا يدخل دائمًا في المشروعات طويلة الأجل أو عالية المخاطر من دون دور تنظيمي وتمويلي من الدولة.
لكن قوة الدولة تصبح مفيدة حين تفتح السوق، لا حين تستبدله. وحين تخلق فرصًا، لا حين تحتكر التوزيع. وحين تجعل القطاع الخاص شريكًا تنافسيًا، لا تابعًا ينتظر القرب من مركز القرار.
المطلوب إذن ليس دولة غائبة، ولا دولة تبتلع المجال الاقتصادي كله، بل دولة قادرة على التخطيط، وتعبئة الموارد، وتقليل المخاطر، وحماية القطاعات الاستراتيجية، مع ترك مساحة حقيقية للمنافسة والمبادرة الفردية.
وهنا تحديدًا يجب أن يراجع البرلمان صياغة القانون عند عرضه على الجلسة العامة: هل يمنح الجهاز أدوات لتمكين التنمية، أم يمنحه أيضًا قدرة واسعة على أن يكون منظمًا ومستثمرًا وشريكًا ومتحكمًا في بوابات الدخول إلى السوق في الوقت نفسه؟
خطر احتكار البوابة
أخطر ما في المشروع ليس أنه قد ينشئ شركة عملاقة أو صندوقًا قويًا. الخطر الأعمق هو أن يتحكم الجهاز في بوابات الدخول إلى قطاعات استراتيجية: الأرض، والترخيص، ومناطق التنمية، والشراكات، والتمويل، والرسوم، وإدارة الأصول.
ولهذا تبدو موافقة اللجنة المشتركة على تعديل المادة (26) ذات أهمية خاصة. فبحسب التعديل، لا يتم إنشاء مناطق التنمية المستدامة إلا بقرار من رئيس الجمهورية، بعد موافقة مجلس إدارة الجهاز، وبناء على اقتراح رئيس الجهاز، وبعد موافقة مجلس النواب في جلسة عامة. وإذا صدر القرار في غير دور انعقاد المجلس، يُعرض على مكتب المجلس، ويُخطر به النواب في أول جلسة عامة.
هذا التعديل يضع قيدًا برلمانيًا على واحدة من أهم بوابات القانون. فهو لا يترك إنشاء مناطق التنمية المستدامة لقرار تنفيذي مغلق، بل يربطه بموافقة المجلس في جلسة عامة. كما أن النص المعدل يلزم قرار إنشاء المنطقة بتحديد غرضها وتصنيفها وموقعها ومساحتها وحدودها وإحداثياتها والنطاق النوعي لعمل الجهاز بها، مع أيلولة ملكية الأراضي والمنشآت المملوكة للدولة داخل تلك المناطق إلى الجهاز، وانتقال الحقوق والالتزامات المرتبطة بها.
لكن أهمية التعديل لا ينبغي أن تحجب السؤال التالي. فالرقابة على إنشاء المنطقة لا تعني بالضرورة رقابة كافية على إدارتها لاحقًا. هذا النوع من السيطرة لا ينتج احتكارًا تقليديًا فقط، بل ينتج ما يمكن تسميته “احتكار البوابة”. أي أن المنافسة لا تبدأ داخل السوق، بل قبل الوصول إليه: من يحصل على الأرض؟ من يدخل المشروع؟ من يصبح شريكًا؟ من يحصل على تسهيلات؟ من تُفتح له الأبواب بسرعة؟ ومن يبقى خارج الدائرة؟
إذا لم تُضبط هذه البوابات بقواعد شفافة، فقد يتحول الجهاز من أداة تنمية إلى نقطة تركيز اقتصادي. وعندها لن يكون الخطر في فشل المشروعات فقط، بل في خلق اقتصاد يدور حول علاقات القرب والاعتماد، لا حول الكفاءة والابتكار.
القطاع الخاص بين الشراكة والتبعية
يتحدث المشروع عن التعاون مع القطاع الخاص، وهذه نقطة مهمة. لكن “القطاع الخاص” ليس كتلة واحدة. هناك قطاع خاص تنافسي ينجح لأنه أكثر كفاءة وقدرة على الإنتاج والابتكار. وهناك قطاع خاص يحظى بالرضا أو يعرف كيف يتحرك داخل دوائر القرب من مركز القرار.
القانون الجيد يجب أن يحمي النموذج الأول من أن يبتلعه النموذج الثاني.
فالخوف ليس من شراكة الدولة مع القطاع الخاص، بل من أن تتحول الشراكة إلى شبكة مغلقة من المتعاملين الدائمين. حينها لا نكون أمام اقتصاد سوق، بل أمام اقتصاد تتحكم الدولة في فرصه ومخرجاته والفائزين به. لا يكفي أن تكون الشركة قادرة، بل يجب أن تكون مقبولة. ولا يكفي أن تملك فكرة، بل يجب أن تملك طريقًا إلى الباب الصحيح.
ولهذا تكتسب التعديلات الرقابية معناها الحقيقي فقط إذا امتدت إلى قواعد اختيار الشركاء داخل مناطق التنمية والمشروعات المرتبطة بالجهاز. فموافقة البرلمان على إنشاء المنطقة خطوة مهمة، لكنها لن تكفي إذا بقي اختيار المتعاملين داخلها مرهونًا بمعايير غير معلنة أو بشبكات دائمة من الشركاء.
لهذا ينبغي أن يضع البرلمان قواعد واضحة لاختيار الشركاء: منافسة معلنة، ومعايير منشورة، وأسباب مكتوبة للاختيار، وإفصاح عن نسب المساهمة، وضمانات ضد تضارب المصالح. فالثقة مهمة، لكنها لا تصلح بديلًا عن القواعد. والاقتصاد الذي يدار بالثقة وحدها ينتهي غالبًا إلى شبكة علاقات، لا إلى سوق مفتوحة.
الصندوق السيادي والصندوق الخدمي
ينشئ المشروع صندوقًا سياديًا باسم “أهرامات النيل”، وصندوقًا خدميًا باسم “داعم”. من حيث التصميم، هذا الفصل قد يكون إيجابيًا. فالصندوق السيادي يستهدف الاستثمار وتعظيم قيمة الأصول، بينما الصندوق الخدمي يستهدف دعم المشروعات الاجتماعية والخدمية والتنموية.
وقد أدخلت اللجنة تعديلًا على المادة (42) الخاصة بصندوق “مستقبل مصر للثروة السيادية – أهرامات النيل”، بحذف كلمة “المستقلة” من عبارة “الشخصية الاعتبارية المستقلة”، مع الإبقاء على تمتعه بالشخصية الاعتبارية، واستقلاله الفني والمالي والإداري، وتبعيته لجهاز مستقبل مصر.
هذا التعديل يبدو فنيًا في ظاهره، لكنه ليس بلا دلالة. فهو يؤكد أن الصندوق، رغم استقلاله الفني والمالي والإداري، ليس كيانًا منفصلًا تمامًا عن الجهاز، بل ذراع تابعة له. وهذا قد يساعد في منع تفكك المسؤولية بين الجهاز والصندوق، لكنه يجعل سؤال الرقابة على الجهاز أكثر إلحاحًا؛ لأن الصندوق السيادي، بما سيديره من أصول واستثمارات، سيظل مرتبطًا بمركز القرار نفسه.
لكن الفصل المؤسسي لا يكفي. يجب أن يقترن بفصل مالي ومحاسبي واضح. ما موارد كل صندوق؟ كيف تُدار؟ ما حدود التحويل بينهما؟ كيف تُقاس الأرباح في الصندوق السيادي؟ وكيف يُقاس الأثر الاجتماعي في الصندوق الخدمي؟ ومن يراجع ذلك؟
فالصندوق السيادي لا ينبغي أن يصبح وسيلة لإخراج الأصول من دائرة الرقابة العامة. والصندوق الخدمي لا ينبغي أن يتحول إلى واجهة اجتماعية تخفف حساسية مشروعات استثمارية لا يعرف الجمهور تفاصيلها.
وتتصل بهذه النقطة موافقة اللجنة على المادة (17) الخاصة بتنظيم رؤوس أموال الجهاز والصندوق السيادي والصندوق الخدمي، وآليات تقييم الأموال والأصول المنقولة إليها. فوفق ما انتهت إليه اللجنة، يحدد رأس مال كل من الجهاز والصندوقين بصافي قيمة الأموال والأصول المنقولة لكل منها، على أن يتم تقييمها وفقًا للقيمة السوقية، وبعد التحقق من صحة التقييم من خلال ثلاثة مقيمين ماليين معتمدين من الهيئة العامة للرقابة المالية أو البنك المركزي المصري، مع جواز الاستعانة ببيوت خبرة مصرية أو أجنبية.
هذه الإضافة مهمة لأنها تمس أحد أكثر الملفات حساسية: كيف تُقيّم الأصول قبل أن تنتقل إلى الجهاز أو الصناديق؟ فالأصل قد ينتقل بقيمة عادلة، وقد ينتقل بتقييم أقل أو أعلى من قيمته الحقيقية، وفي الحالتين تكون التكلفة عامة. لذلك فإن وجود مقيمين معتمدين وبيوت خبرة يوفر ضمانة أولية، لكنه يحتاج إلى إفصاح كافٍ عن منهجية التقييم ونتائجه العامة، حتى لا تتحول عملية نقل الأصول إلى شأن فني مغلق لا يعرف البرلمان ولا الرأي العام حدوده الأساسية.
التمييز بين الاستثمار والخدمة العامة مهم. لكنه لا يصبح ضمانة إلا إذا ظهر في الحسابات، وفي قواعد الإنفاق، وفي مؤشرات الأداء، وفي قدرة الجهات الرقابية والبرلمان على تتبع المال من لحظة دخوله إلى لحظة إنفاقه أو استثماره.
المساءلة ليست عائقًا أمام التنمية
هناك تصور شائع يرى أن الرقابة تبطئ الإنجاز. وهذا صحيح فقط حين تتحول الرقابة إلى بيروقراطية. أما الرقابة الذكية فهي جزء من الإنجاز؛ لأنها تمنع الأخطاء المكلفة، وتقلل الفساد، وتزيد ثقة المستثمرين، وتحمي الدولة من قرارات لا تظهر كلفتها إلا بعد سنوات.
مشروع بهذا الاتساع يحتاج إلى رقابة متعددة المستويات: مالية، وبرلمانية، وأدائية، ورقابة منافسة، وإفصاح عام لا يضر بالمصالح الاستراتيجية. فالسرية قد تُفهم في بعض الملفات، لكنها لا تصلح عباءة تغطي كل شيء.
بهذا المعنى، لم يكن حذف الفقرة الثانية من المادة 25 تراجعًا عن الرقابة، بل محاولة لتوسيع معناها: ألا يقتصر دور الجهاز المركزي للمحاسبات على تقارير أداء تُرفع إلى رئيس الجمهورية، بل أن تسري عليه القواعد العامة للرقابة على نحو أوسع. غير أن قوة هذه الضمانة ستظل مرهونة بما إذا كانت نتائج الرقابة ستبقى داخل الدائرة التنفيذية، أم ستتحول إلى أداة حقيقية للمساءلة أمام البرلمان والرأي العام.
والتعديلات التي وافقت عليها اللجنة يمكن أن تكون بداية في هذا الاتجاه، لا نهايته. فاشتراط موافقة مجلس النواب على إنشاء مناطق التنمية المستدامة يفتح بابًا مهمًا للرقابة البرلمانية، وتنظيم تقييم الأصول يضيف ضمانة أولية في ملف شديد الحساسية. لكن الرقابة لا ينبغي أن تقف عند لحظة الإنشاء أو التقييم الأولي؛ فالمناطق الاقتصادية والتنموية لا تُقاس فقط بقرار تأسيسها، بل بطريقة إدارتها، ومن يحصل على حق العمل داخلها، وكيف تُحدد الرسوم، وكيف تُدار الأراضي، وكيف تُختار الشركات والشركاء.
لا أحد يطلب نشر أسرار الدولة. لكن الاقتصاد ليس ملفًا أمنيًا خالصًا؛ إنه أصول عامة، وأموال متحركة، ومزايا قابلة للتوزيع، وشراكات يتعدد فيها المستفيدون. لذلك تصبح الشفافية أداة حماية، لا ترفًا نظريًا.
لا يجوز أن تتحول كل شراكة، وكل أصل، وكل تخصيص، وكل منطقة تنمية إلى ملف مغلق. بين الفوضى والسرية المطلقة توجد مساحة اسمها الحوكمة.
تعزيز الرقابة
بعد تعديلات اللجنة، لم يعد السؤال هو: هل توجد رقابة برلمانية أم لا؟ فقد أُدخلت رقابة مهمة على إنشاء مناطق التنمية المستدامة، وأُضيفت ضمانات تتعلق بتقييم الأصول. السؤال الآن هو: هل تمتد هذه الرقابة إلى ما بعد التأسيس؟ وهل تشمل التقارير الدورية، واختيار الشركاء، وتخصيص الأراضي، وتقييم الأثر الاقتصادي والاجتماعي؟
المطلوب من البرلمان ليس تعطيل القانون، بل تحسينه. وليس الدخول في مواجهة سياسية، بل تحويل النص إلى مؤسسة أكثر توازنًا. ويمكن أن يبدأ ذلك من أسئلة عملية: كيف تُختار مناطق التنمية المستدامة؟ ما معايير تخصيص الأراضي والأصول؟ هل تُدار الشراكات عبر منافسة معلنة؟ ما حدود الاستثناء من القواعد الحكومية؟ كيف تُمنع مزاحمة القطاع الخاص في الأنشطة العادية؟ ما الضمانات ضد تضارب المصالح؟ وهل تُنشر تقارير دورية عن المشروعات والشركاء والعوائد؟
هذه الأسئلة تحمي الدولة من تضخم أدواتها. فالمؤسسات القوية لا تخاف الأسئلة؛ تخاف فقط من الفراغ الذي يمنع المساءلة ويضعف المحاسبة.
نحو صياغة أكثر توازنًا
يمكن للبرلمان أن يطلب إضافة أو توضيح عدد من الضمانات داخل القانون أو لائحته التنفيذية.
أولًا، النص على أن الأصل في اختيار الشركاء والمستثمرين هو المنافسة والعلانية، وأن أي استثناء يجب أن يكون مسببًا ومحددًا بمدة وطبيعة المشروع.
ثانيًا، إلزام الجهاز والصندوقين بنشر تقرير سنوي يتضمن المشروعات، والشركات الشريكة، ونسب المساهمة، والعوائد، ومؤشرات الأداء، وحجم العمالة، وأثر المشروعات على الإنتاج والخدمات.
ثالثًا، وضع حدود واضحة تمنع مزاحمة القطاع الخاص الصغير والمتوسط في الأنشطة غير الاستراتيجية، حتى لا يتحول الجهاز إلى منافس دائم في كل مجال مربح.
رابعًا، تحديد العلاقة مع الوزارات والمحافظات بما يمنع خلق إدارة موازية كاملة، ويحافظ على دور المؤسسات القائمة مع تحسين التنسيق بينها.
خامسًا، وضع قواعد صارمة لتضارب المصالح، خاصة في عضوية مجالس الإدارات، والشركات التابعة، والتعاقدات، والشراكات طويلة الأجل.
سادسًا، عرض تقرير دوري على لجنة برلمانية مختصة لمراجعة الأداء، لا للتدخل في الإدارة اليومية. فالرقابة هنا لا تعني أن يدير البرلمان الجهاز، بل أن يعرف المواطنون، عبر ممثليهم، إلى أين تذهب الأصول العامة وكيف تُدار.
بين الدولة القائدة والدولة القابضة
القانون يضع مصر أمام اختيار دقيق. يمكن أن ينتج جهازًا يساعد الدولة على قيادة التنمية، وفتح فرص جديدة، وتعبئة الأصول، وتسريع المشروعات، وإدخال القطاع الخاص في شراكات أكثر تنظيمًا. ويمكن أيضًا، إذا تُرك بلا ضوابط كافية، أن ينتج دولة قابضة تمسك بمفاتيح السوق وتوزع فرصه من أعلى وتقرب أهل الثقة وتستبعد أهل الخبرة والكفاءة بما يضر الكفاءة والمنافسة.
تعديلات اللجنة تجعل هذا الاختيار أكثر وضوحًا لا أقل. فهي تضع بعض القيود على لحظة التأسيس والتقييم، لكنها لا تغير جوهر السؤال: هل نحن أمام دولة قائدة تفتح المجال، أم دولة قابضة تجمع المفاتيح؟ الفارق بين النموذجين ليس في العناوين، بل في التفاصيل. فالتنمية المستدامة لا تتحقق بمجرد إنشاء جهاز قوي، بل بخلق قواعد تمنع القوة من الانغلاق على نفسها. القوة بلا رقابة قد تنجز سريعًا، لكنها قد تخطئ بسرعة أيضًا.
ولهذا يصبح حذف المادة 71 ذا دلالة خاصة؛ إذ كانت تلزم الخزانة العامة بتحمل الضرائب والرسوم التي تقع على الجهاز. حذف هذه المادة، بإجماع نواب الموالاة والمعارضة، يخفف خطر أن يدخل الجهاز السوق بامتياز مالي لا يتاح لباقي الفاعلين الاقتصاديين. فالدولة يمكن أن تدعم التنمية، لكنها لا ينبغي أن تصنع منافسًا لا يدفع ما يدفعه الآخرون.
الدولة القائدة تفتح المجال، وتضع القواعد، وتقلل المخاطر. أما الدولة القابضة فتجمع المفاتيح في يد واحدة، ثم تطلب من الجميع الثقة في حسن استخدامها. وبين النموذجين تقف الضمانات القانونية والمؤسسية.
القبول المشروط بالضمانات
الموقف الرشيد من مشروع القانون ليس الرفض ولا التصفيق. الموقف الرشيد هو القبول المشروط بالضمانات.
نعم لتحويل الجهاز من إدارة عسكرية إلى إطار مدني وقانوني واضح. نعم للرقابة البرلمانية على إنشاء مناطق التنمية المستدامة. نعم لتنظيم تقييم الأصول ورؤوس الأموال. نعم لتنسيق الدولة في ملفات الغذاء والطاقة والمياه والأصول. نعم لتسريع الاستثمار وجذب القطاع الخاص. لكن نعم أيضًا للشفافية، والمنافسة، ومنع تضارب المصالح، وحماية المبادرة الفردية، ورقابة البرلمان على الأداء لا على لحظة التأسيس فقط.
القانون قد يكون فرصة، وتعديلات اللجنة جعلته أفضل من صيغته الأولى في بعض المواضع. لكنه لن يصبح فرصة حقيقية إلا إذا فهم البرلمان، عند مناقشته في الجلسة العامة، أن وظيفته ليست تمرير القوة كما هي، بل تهذيبها بالقواعد.
لأن السؤال في النهاية ليس: هل نريد جهازًا قويًا؟ بل: كيف نجعل القوة تعمل لصالح الاقتصاد كله، لا لصالح مركز قوة جديد داخله؟