عقب خروجه من محبسه بعد 11 سنة قضاها خلف القضبان، وجد سيد علي فهيم أبو المعاطي، الشهير بـ"سيد مشاغب"، نفسه أمام قضية جديدة بعد أقل من 3 ساعات من إطلاق سراحه، بدأت من مشهد احتفال عشرات الأشخاص بوصوله إلى منزله في منطقة بولاق الدكرور، وانتهت بإحالته إلى محكمة جنايات الإرهاب مع خمسة متهمين آخرين، بتهم "التجمهر وحيازة مواد مفرقعة وإحداث حالة من الخطر على السلم العام"، وهو ما تكشف تفاصيله كاملة نص التحقيقات التي تنشرها "فكر تاني" للمرة الأولى، وتُظهر كيف تحوّلت لحظة الفرح بالحرية إلى فصل جديد من رحلته مع السجن.
وتكشف أوراق القضية التي حصلت "فكر تاني" على نسخة منها أن نيابة أمن الدولة العليا انتهت إلى إحالة سيد مشاغب وخمسة آخرين إلى محكمة الجنايات، في القضية رقم 7304 لسنة 2026 جنايات بولاق الدكرور، والمقيدة برقم 3562 لسنة 2026 كلي جنوب الجيزة، ورقم 4375 لسنة 2026 حصر أمن الدولة العليا، ورقم 454 لسنة 2026 جنايات أمن الدولة العليا، وقد حُدِّدت أول جلسة لها غدًا الاثنين لنظرها أمام الدائرة الأولى جنايات الإرهاب.
11 عامًا بين السجون وساحات المحاكم
منذ مارس 2015 واجه سيد مشاغب 13 قضية مختلفة، بينهم قضيتان عسكريتان، وتنوعت الاتهامات ما بين قتل ومحاولة قتل وحرق وإنشاء تنظيم إرهابي (الوايت نايتس)، وإتلاف ممتلكات عامة وخاصة، وحسب رصد محاميه أسامة الجوهري تنقل خلالها بين نيابة أمن الدولة، ومحاكم الجنايات، والقضاء العسكري، وطالبت النيابات المختلفة بإعدامه، لكنه حصل على البراءة في معظم الاتهامات، وسُجن 7 سنوات في القضية رقم 4584 لسنة 2015 جنايات أول مدينة نصر، والمعروفة إعلاميًا باسم "أحداث استاد الدفاع الجوي"، بعد تبرئته من تهم قتل 20 مشجعًا لنادي الزمالك، وانتهت جميع القضايا بالإفراج عنه في أبريل 2026، قبل أن يجد نفسه بعد ساعات قليلة فقط أمام اتهامات جديدة على خلفية الاحتفال بخروجه.
السجن من جديد
ووفق أوراق القضية، بدأت الواقعة يوم 15 أبريل 2026، عقب الإفراج عن سيد مشاغب بعد إنهاء إجراءات خروجه، حيث توجه إلى محل إقامته في شارع محمد حلمي بمنطقة بولاق الدكرور، وتقول النيابة إن عددًا من الأشخاص تجمعوا أمام مسكنه احتفالًا بخروجه، وأن بعضهم كان بحوزته ألعاب نارية استُخدمت أثناء التجمع، الأمر الذي أدى، بحسب الاتهام، إلى تعطيل حركة المرور وإثارة حالة من الذعر بين المواطنين.
وأشارت التحقيقات إلى أن المتهمين الستة هم السيد علي فهيم أبو المعاطي (38 عامًا) مسوق إلكتروني، وأمير كرم عبد العزيز علي (28 عامًا) مشرف بمصنع الجيزة للبذور، وخالد محمود سعد عبد الحفيظ (30 عامًا) مهندس مدني، ومحمد عصام محمد عبد الفتاح (38 عامًا) مدير مصنع ملابس، ومصطفى صبري عبد الفتاح محمد (33 عامًا) تاجر ملابس، ومصطفى محمود محمد عبد المحسن (30 عامًا) مندوب شحن.
رواية الشرطة

في قائمة أدلة الإثبات، استندت النيابة إلى أقوال عدد من الشهود، بينهم رئيس وحدة مباحث قسم شرطة بولاق الدكرور، الذي قال إن المتابعة الأمنية رصدت مقاطع مرئية عبر السوشيال ميديا لتجمع عدد من الأشخاص بدائرة القسم، تجاوز عددهم المئة، بسبب الإفراج عن سيد مشاغب، وأن المشاركين كانوا يرددون هتافات احتفالية ويحوزون ألعابًا نارية، مضيفًا أن هذا التجمع، وفق أقواله، أدى إلى تعكير صفو الأمن العام وترويع المواطنين وتعطيل الحركة المرورية، وأن القوات توجهت إلى مكان التجمع وضبطت المتهمين وبحوزتهم مواد مفرقعة.
أما الشاهد الثاني، وهو عقيد شرطة، فقال إن تحرياته أكدت صحة ما ورد بأقوال الشاهد الأول، وأضاف أن التجمع كان، بحسب التحريات، بتدبير من سيد مشاغب عقب انتشار خبر الإفراج عنه عبر السوشيال ميديا، وذكر أن الغرض من التجمع كان الاحتفال به واستعراض القوة وفرض النفوذ والسيطرة.
كما تضمنت قائمة أدلة الإثبات أقوال ضابط قطاع الأمن الوطني، الذي قرر بصحة الواقعة وفق ما جاء بأقوال باقي الشهود، وأضاف وجود اتفاق مسبق بين المتهمين وآخرين مجهولين، وأن الهدف، بحسب التحريات، كان استعراض القوة وفرض النفوذ، مع إحراز المواد المفرقعة التي تم ضبطها.
شاهد من "أهلها"
وضمت قائمة الشهود أحد سكان المنطقة، وهو موظف بوزارة الداخلية، الذي قال إنه أثناء وجوده بمسكنه أبصر تجمعًا لعدد من الأشخاص بلغ نحو 300 شخص، عرف من بينهم سيد مشاغب، وأنهم كانوا يشعلون ألعابًا نارية ويرددون هتافات لمناصرته.
وتضمنت التحقيقات أقوال المتهمين الآخرين، إذ قال المتهمون من الثاني حتى السادس خلال التحقيقات إنهم توجهوا إلى محيط مسكن سيد مشاغب عقب تداول موعد الإفراج عنه، وأنهم عند وصوله رددوا الهتافات احتفالًا به مستخدمين الألعاب النارية.
كما أشارت النيابة إلى تقرير الإدارة العامة لتحقيق الأدلة الجنائية، الذي انتهى إلى أن المضبوطات عبارة عن ألعاب نارية منتجة للوميض والضوء والصوت ونوافير الشرر، وتحتوي على مواد مفرقعة من بينها الكلورات والمخاليط النارية والبارود الأسود، وأضافت أن معاينة النيابة العامة لمحل الواقعة تضمنت تثبيت آلات مراقبة والتقاطها مقاطع مصورة قالت إنها تظهر ارتكاب الواقعة.
تحريات الأمن الوطني

وجاء في تحريات قطاع الأمن الوطني بالقضية أن التحريات السرية توصلت إلى صحة الواقعة، وأن المتهمين توجهوا إلى مسكن سيد مشاغب عقب الإفراج عنه، وأن ذلك كان، بحسب التحريات، بتحريض منه ووفق اتفاق مسبق بينهم لإشعال الألعاب النارية والشماريخ والتجمهر، وأضافت التحريات أن الهدف كان استعراض القوة وفرض النفوذ في المنطقة، وإظهار استمرار رابطة الأولتراس، وأن استخدام الألعاب النارية تسبب في حالة من الذعر وتعطيل حركة المرور وتعريض المواطنين للخطر.
سيد مشاغب ينفي الاتهامات
وتكشف أقوال سيد مشاغب أمام نيابة أمن الدولة العليا عن رواية مختلفة تمامًا لما ورد في محاضر التحريات، إذ نفى المتهم الأول في القضية جميع الاتهامات المنسوبة إليه، وقال إن ما حدث كان استقبالًا مفاجئًا من أشخاص لا يعرفهم، وإنه لم يكن يعلم بموعد الإفراج عنه إلا قبل خروجه، ولم يوجه الدعوة لأي شخص للتجمع أمام منزله.
وخلال التحقيقات، التي حضرها دفاعه المحامي أسامة رمضان الجوهري، سُئل سيد مشاغب عن الاتهامات المنسوبة إليه، فأجاب بشكل قاطع "الكلام ده محصلش".
وبدأ سيد مشاغب روايته أمام النيابة بالحديث عن ظروف حياته قبل الواقعة، موضحًا أنه شاب عادي، تزوج عام 2011 ولديه طفلان، وأن والده كان يعمل محاميًا ووالدته ربة منزل، وأنه عمل في مجالات متعددة قبل أن يستقر في مجال التسويق الإلكتروني والملابس. ثم تحدث عن علاقته بجمهور نادي الزمالك، موضحًا أنه كان لاعبًا ناشئًا بالنادي، وأنه شارك في تأسيس رابطة محبي الزمالك عام 2006، ثم أصبح من مؤسسي رابطة "وايت نايتس" عام 2007 مع بداية ظهور روابط الأولتراس في مصر، وأضاف أن الرابطة تأسست في البداية لتشجيع الفريق داخل المدرجات، وأن الخلافات بدأت لاحقًا مع إدارة النادي، قبل أن تتطور الأحداث بعد واقعة استاد الدفاع الجوي عام 2015، التي قال إنه اتُّهم فيها بوقائع وصفها بأنها "تلفيق"، من بينها اتهامات تتعلق بتأسيس جماعة إرهابية.
وأوضح خلال التحقيقات أنه ظل لسنوات يواجه عدة قضايا، وأن بعض القضايا العسكرية انتهت بالبراءة، وأن القضية الأبرز بالنسبة له كانت قضية استاد الدفاع الجوي، التي حصل فيها على البراءة من تهمة قتل مشجعي الزمالك، لكنه أُدين في اتهامات أخرى ونفذ عقوبة السجن لمدة سبع سنوات.
وبحسب أقواله، فإنه بعد انتهاء مدة العقوبة ظل ينتظر استكمال إجراءات الإفراج، حتى صدر قرار خروجه، موضحًا أنه يوم 6 أبريل الماضي أنهى مدة حبسه، ثم ظل داخل الإجراءات الخاصة بصحة الإفراج حتى يوم 15 أبريل، حيث تم الإفراج عنه فعليًا، وقال إن خروجه تم من مقر الأمن الوطني بالجيزة، وإن شقيقه ومحاميه أسامة الجوهري حضرا لاستلامه، ثم توجهوا إلى منزله في منطقة بولاق الدكرور.
وأضاف "مكنتش مصدق نفسي إني خرجت فعلاً للشارع"، موضحًا أنه بمجرد وصوله إلى أول الشارع فوجئ بأعداد كبيرة من الأشخاص يلتفون حول السيارة التي يستقلها.
وخلال التحقيق، وجهت النيابة عدة أسئلة لسيد مشاغب عن هوية الأشخاص الذين تجمعوا أمام منزله، فأكد أكثر من مرة أنه لا يعرفهم، وقال ردًا على سؤال حول الأشخاص الذين كانوا موجودين "أنا ما أعرفش مين الناس دي ودي كانت أول مرة أشوفهم"، وعن كيفية تجمعهم أجاب "أنا ما أعرفش الناس دي اتجمعت كده إزاي"، موضحًا أنه فوجئ بوجودهم أمام المنزل. وعندما سألته النيابة عن سبب وجودهم، قال إنهم ربما تجمعوا للاحتفال بخروجه بعد فترة حبسه الطويلة، مضيفًا أنه لا يعلم كيف عرفوا موعد الإفراج عنه.
ووصف لحظة وصوله بأنها كانت مفاجئة، قائلًا إنه وجد الأشخاص يلتفون حول السيارة، ثم قام بعضهم بسحبه منها وحمله على الأعناق، وقال "أنا مكنتش مدرك ولا مستوعب إيه اللي بيحصل حواليا" مؤكدًا أن كل تفكيره كان الوصول إلى منزله والجلوس مع أسرته بعد سنوات الغياب.
"شمروخ" سيد

وتعد نقطة وجود الألعاب النارية في يد سيد مشاغب من أبرز نقاط الخلاف بين الاتهام والدفاع، ففي التحقيقات، واجهت النيابة سيد بمقطع الفيديو الذي ظهر خلاله وهو يحمل ألعابًا نارية، لكنه قال إن الأمر حدث بصورة مفاجئة، وإن شخصًا لا يعرفه أعطاه الشمروخ أثناء حمله على الأعناق، وقال في التحقيقات "راح واحد شايلني على كتفه وكان في حد مولع شمروخ راح مدهولي". وعندما سألته النيابة عن الشخص الذي أعطاه الشمروخ، أجاب "أنا ما أعرفش مين ده".
وأوضح أنه لم يكن مستوعبًا للموقف، وأنه اضطر إلى الإمساك به خوفًا من أن يؤدي رفضه إلى حدوث مشكلة أو إصابة أحد الموجودين، وقال "أنا مكنتش فاهم إيه اللي بيحصل ولا مين الناس دي ولا متجمعين ليه.. وكل اللي كنت بفكر فيه هو إزاي أروح وأدخل بيتي"، وأضاف أنه لم يكن قادرًا على التحرك بسبب التفاف الأشخاص حول السيارة، وأنه لو رفض أخذ الشمروخ ربما يحدث شد وجذب يؤدي إلى إصابة أحد الموجودين، وقال "كنت خايف لو رفضت أخد الشمروخ يحصل شد وجذب بالشمروخ ويحرق حد من الناس اللي موجودة".
وردًا على أسئلة النيابة عن مدة وجوده في الشارع، قال سيد مشاغب إنه لم يستغرق وقتًا طويلًا خارج منزله، تقريبًا خمس دقائق، موضحًا أن السيارة توقفت بسبب تجمع الأشخاص حولها، وأنه ظل معهم دقائق قليلة فقط، ثم صعد إلى منزله. وقال إن من حمله على الأعناق أوصله حتى باب المنزل، ثم دخل وسلم على والدته، وبعدها بدأ بعض الأشخاص في الهتاف باسمه، لكنه لم يرغب في الاستمرار في هذا المشهد، وأضاف أن الهتافات كانت تطالبه بالنزول إليهم، لكنه رفض ذلك، قائلًا إنه لم يكن يريد أي مشاكل، وإنه كان يرغب في بدء حياته بشكل هادئ بعد خروجه من السجن.
وأكد أن والدته نزلت إلى الأشخاص الموجودين في الشارع وطلبت منهم الانصراف، وهو ما حدث بالفعل، ثم جلس داخل منزله مع أقاربه قبل أن تفاجئه قوات الشرطة بالقبض عليه.
وواجهت النيابة سيد مشاغب بما ورد بمحضر الضبط والتحريات من أن عملية التجمع كانت احتفالًا بالإفراج عنه، وأن المتهمين الآخرين تربطهم به علاقة بسبب عضويتهم السابقة في رابطة "وايت نايتس"، لكن سيد نفى ذلك، وقال "الكلام ده محصلش وأنا ما أعرفش حد من المقبوض عليا معاهم"، وأضاف أنه لم يكن يحمل شيئًا، وأنه لم يحتفل ولم يدعُ أحدًا، وأن كل ما كان يريده هو العودة إلى منزله، كما نفى أمام النيابة جميع الاتهامات المتعلقة بالتجمهر وحيازة المفرقعات واستعراض القوة وتعريض المواطنين للخطر، وردَّ على كل اتهام بعبارة واحدة: "الكلام ده محصلش".
تناقض القضية
من جانبه، يركز دفاع سيد مشاغب على ما اعتبره تناقضًا بين رواية الضبط وما يظهر في المقاطع المصورة، ويقول أسامة الجوهري، المحامي بالنقض والدستورية العليا ودفاع سيد مشاغب، لـ"فكر تاني" إن القضية في جوهرها تتعلق باحتفال وصفه بأنه عفوي، وليس تجمعًا مخططًا، ويضيف أن خروج سيد لم يكن معلومًا مسبقًا، لأن إجراءات الإفراج استغرقت أيامًا ولم يكن هناك موعد محدد لخروجه، موضحًا أن حتى الأسرة والمحامين لم يكونوا يعرفون التوقيت النهائي للإفراج.
ويشير الجوهري إلى أن الدفاع يرى أن الاحتفالات بالألعاب النارية موجودة في مناسبات مختلفة داخل المجتمع، وأن الواقعة لا تختلف عن مظاهر احتفالية أخرى شهدتها مناسبات رياضية، ويقول إن القضية، من وجهة نظر الدفاع، تخلو من وجود مجني عليهم أو بلاغات من سكان المنطقة، مشيرًا إلى أن الأوراق تضمنت محضر ضبط فقط دون وجود متضررين تقدموا بشكاوى. ويضيف أن أحد أهم دفوع الدفاع يتعلق بطريقة الضبط، قائلًا إن سيد لم يتم ضبطه داخل التجمع كما ورد في المحضر، وإنما تم القبض عليه داخل منزله بعد انتهاء الاحتفال، ويوضح أن الفيديوهات، بحسب دفاعه، تظهر أشخاصًا يقفون أسفل المنزل وينادون عليه بالنزول، وهو ما يعني، وفق رؤيته، أنه كان قد دخل المنزل بالفعل قبل القبض عليه.
ويضيف المحامي أسامة الجوهري أن دعوته لتوسيع هيئة الدفاع لاقت استجابة من عدد من المحامين والقانونيين، وأنها جاءت في الأساس بعد تواصل كبار المحامين والقانونيين معه للتضامن والانضمام إليه، مؤكدًا أن عشرات المحامين أعلنوا استعدادهم للمشاركة في الدفاع عن سيد مشاغب خلال جلسات المحاكمة.
وبين رواية تصفه بمدبر تجمهر استعرض فيه القوة وفرض النفوذ، وأخرى يرويها هو عن مواطن فوجئ بحفاوة لم يطلبها، يظل الفصل في الأمر معلقًا على ما ستكشفه جلسات المحاكمة، المقرر أن تبدأ غدًا الاثنين أمام الدائرة الأولى جنايات الإرهاب، لتقرر إن كانت الساعات الثلاث التي أعقبت خروجه من السجن ستفتح أمامه بابًا جديدًا إلى داخله، أم ستمنحه أخيرًا فرصة البدء من جديد.