انضم محمود حجازي، صاحب الـ63 عامًا، إلى برنامج الحماية الاجتماعية "تكافل وكرامة" في السنوات الأولى من تدشينه، أملًا في تغطية جزء، ولو قليلًا، من احتياجات المعيشة، لكن مع توسع الحكومة خلال السنوات الماضية في قاعدة المستفيدين من البرنامج، وجد نفسه -فجأة- خارج هذه المظلة.
ولا يعرف المسن الدمياطي الذي يعمل سروجي خيول، وهي مهنة قديمة تصارع من أجل البقاء كما يصارع صاحبها، سبب توقف وزارة التضامن الاجتماعي عن صرف المعاش الخاص به، إلا أنه ذهب قبل عام ونصف لصرفه كالعادة، ففوجئ بعدم إيداع التحويل الشهري، ثم أُبلغ بأن حالته تخضع لإعادة تقييم، طال أسابيعًا وشهورًا من دون أن ينتهي.
وعلى العكس من حجازي الذي لا يملك غير ساعده، فوجئت ماجدة هلال، وهي في الأربعينيات من عمرها، باستبعادها من قوائم مستحقي "تكافل وكرامة" قبل عام، بعدما أبلغها موظفو البحث الاجتماعي بامتلاكها عقارًا سكنيًا باسمها، بينما تؤكد في حديثها لـ"فكر تاني" أنها لا تزال تسكن مع أسرتها بالإيجار في أحد الأحياء الشعبية بالقاهرة.
وتبرر وزارة التضامن الاجتماعي، عملية الفلترة التي تجريها بصورة دورية لتحديث بيانات المستفيدين من البرنامج، استبعاد هذه الأسر بتحسن أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، إما بالتحاق المستفيد بفرصة عمل أو تحسن مستوى دخله ومعيشته، من دون أن توضح آلية عمل واضحة تحكم عملية الاستبعاد تلك.
ويبلغ عدد المستفيدين الحاليين من البرنامج 4.7 مليون أسرة، من أصل 8.2 مليون أسرة استفادت من الدعم على مدار 11 عامًا سابقة هي عمره، فيما خرجت نحو 2.2 مليون أسرة من منظومة الدعم، كما أوقفت الوزارة بطاقات تكافل وكرامة لكل من ثبت حصوله على سيارة معاقين خلال فترة الاستحقاق المقدرة بثلاث سنوات، أو ممن امتلك سيارات خاصة أو جرارات زراعية.
وتضع الدولة، وفق القانون رقم 12 لسنة 2025 بشأن التضامن الاجتماعي، شروطًا محددة وصارمة للدعم الذي تقدمه تحت مسمى "تكافل" لكل مواطن لا يتمتع بنظام التأمين الاجتماعي، وغير قادر على إعالة نفسه وأسرته، وفي حالات العجز عن العمل والشيخوخة، أما برنامج "كرامة" فخصت به فئات معينة، منها كبار السن ممن يبلغون 65 عامًا فأكثر، وكذلك الأشخاص من ذوي الإعاقة بنسبة لا تقل عن 50%، بشرط أن يكونوا من الفئات الأولى بالرعاية.
أين التحسن؟
وإذا كانت الوزارة تكتفي بالحديث عن "تحسن الأحوال" كمبرر عام للاستبعاد، فإن حالة ماجدة هلال، التي مضى عام كامل على استبعادها من قوائم مستحقي الدعم الحكومي بعد 6 سنوات من انضمامها للبرنامج، لا تحمل أي مؤشر على ذلك التحسن، فوضعها لم يشهد تغييرًا يذكر، إذ لا يزال زوجها يعمل باليومية، ولديها خمسة أطفال أكبرهم بالمرحلة الإعدادية، في اختبار يومي تخوضه هذه الأسرة مع زيادة الأعباء وارتفاع أسعار السلع والخدمات، "حتى لو كنت باخد ألف جنيه رقم مش كبير في الزمن ده، لكن كان بيغطي منه بند اللبن والحفاضات لأطفالي، وبعد انقطاع الدعم الفلوس دي بقت على كتف زوجي" تقول ماجدة.
أما السروجي محمود حجازي، وهو أب لـ4 أبناء متزوجين، فلم يتغير وضعه الوظيفي أو سجله التجاري منذ التحاقه بالبرنامج، كما لم يشهد دخله تحسنًا ملحوظًا يجعله يندرج ضمن من تحسنت أحوالهم الاقتصادية، فهو يستقبل بعض طلبات تصنيع مستلزمات الخيول والحمير التي تراجعت إلى حد كبير مع زيادة الاعتماد على التكاتك والتروسيكل في نقل البضائع.
ويقول حجازي لـ"فكر تاني" إن معاش تكافل وكرامة، الذي لم يتجاوز الـ750 جنيهًا قبل توقفه، كان لا يغطي إلا جزءًا قليلًا من بند الطعام له ولزوجته، في وقت يحصل فيه على دخل ضئيل من صناعة تتلاشى، "ليس لدي معاش حكومي لأني أرزقي طول عمري، ومهنتي لم تعد مطلوبة في الزمن ده، أنتظر طلب تركيب حدوة أو إصلاح ماكينة جر المواشي" يضيف.
وعلى النهج ذاته من العيش على أرزاق متقلبة، يعيش كارس يسري وضعًا مشابهًا، فهو أب لثلاثة أبناء، اثنان منهما في سنوات التعليم الأساسي، وقد توقفت وزارة التضامن الاجتماعي عن صرف معاش تكافل وكرامة الخاص به قبل عام من الآن، بدعوى إعادة التقييم.
ويشير يسري، وهو من مواليد محافظة المنيا التي تتجاوز نسبة الفقر فيها 54%، في حديثه لـ"فكر تاني" إلى أن سبب وقف صرف معاشه ما زال مجهولًا بالنسبة إليه، فهو لم يمتلك سيارة، ولم تتغير حالته الوظيفية في سجلات الحكومة، حيث يعمل بنظام اليومية في أعمال الزراعة والمعمار داخل محافظته.
ولم تتجاوز قيمة المعاش الذي كان يحصل عليه حاجز الألف جنيه، بسبب إدراج اثنين من أبنائه في مدارس حكومية، وهو أحد الشروط التي تحدد على أساسها وزارة التضامن الاجتماعي المستحقين، إذ تخصص دعمًا شهريًا للأسر المستفيدة يبدأ من 100 جنيه شهريًا عن كل طالب في المرحلة الابتدائية، شرط أن تبلغ نسبة حضور الطلاب في المدارس أو الجامعات 80% على الأقل، ورغم ذلك يبدو الرقم زهيدًا لا يكفي إطعام الأفواه الجائعة، وتلتهمه مائدة طعام واحدة، في ظل الزيادات المستمرة في أسعار الغذاء والخدمات الأخرى، إلى جانب ما تحتاجه هذه الأسرة من تحضيرات وتكاليف إضافية لإرسال أبنائها إلى المدارس بشكل يومي.
زيادة يبتلعها التضخم
تختلف القيمة الفعلية التي تحصل عليها الأسرة وفقًا لحالتها وتركيبتها ومدى استحقاقها للدعم وفق قواعد البرنامج، إذ يصل متوسط قيمة الدعم المقدم للأسرة الواحدة إلى نحو 900 جنيه شهريًا، وبحد أدنى 700 جنيه، وعلى الرغم من أن الميزانية المخصصة لهذا البرنامج ترتفع بشكل دوري، حيث قفزت من 5 مليارات جنيه فقط في عام 2015 إلى 54 مليار جنيه، فإنها لم تواكب معدلات التضخم التي شهدت قفزات غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة.
وسجل معدل التضخم السنوي في المدن المصرية 14.5% في أغسطس، مقابل 14.9% في يوليو، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بعدما كان قد تسارع في يوليو لأول مرة في ثلاثة أشهر.
وهو السياق الذي يبدو معه انقطاع ألف جنيه مرة واحدة من الحسابات الاقتصادية لأسرة مكونة من 5 أفراد يعمل ربها بنظام اليومية، كأسرة كارس يسري، أشبه بهزة اقتصادية عنيفة، فهي ليست مجرد نواة تسند الزير فتكتسبه الاتزان، بل أساسًا يضمن منها سداد فواتير الكهرباء والمياه.
وبينما تحجب الحكومة نسب الفقراء في المجتمع، بعد توقف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن إصدار بحث الدخل والإنفاق منذ آخر أبحاثه في 2019، حددت دراسة حديثة صادرة عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية خط الفقر للأسرة بـ8964 جنيهًا، بزيادة نحو تسعمائة جنيه عن الحد الأدنى للأجور الذي بلغ 8 آلاف جنيه في موازنة يوليو 2026، ما يعني أن الأسر المستفيدة من تكافل وكرامة تقع في شريحة الفقر المدقع التي مازالت عاجزة عن تلبية احتياجات الحياة الأساسية من السكن والطعام والدواء والتعليم والمواصلات.
فجوة أكبر من عين الشمس
وبالقدر نفسه من الهشاشة الاقتصادية، تفاجأت الأربعينية فاتن محمود، وهي مطلقة تعول 4 أبناء في مراحل تعليمية مختلفة، بتوقف معاشها قبل بداية موسم المدارس مباشرة، فذهبت مثل آلاف غيرها لصرف المعاش الشهري، لكنها عادت بخفي حنين، ورأسها يشتعل بأسئلة عن البدائل بعد توقف أحد مصادر الدخل، دون أن تعرف سبب هذا التوقف.
انضمت فاتن، وهي ربة منزل، إلى برنامج الحماية الاجتماعية "تكافل وكرامة" قبل بضع سنوات، بعد إتمام طلاقها من زوجها، وتعيش برفقة أبنائها في منزل والدتها الأرملة بحي البساتين -أحد الأحياء الشعبية في جنوب القاهرة- وتعتمد أسرتها على المساعدات العائلية والخيرية، إما من معاش الأم أو الجمعيات التكافلية التي اعتادت التسجيل بها للمساهمة في تعليم أبنائها، إلى جانب بضعة مئات غير منتظمة قد تحصل عليها نظير حياكة بعض الملابس على ماكينة ورثتها عن والدتها، فيما يضطر أبناؤها الذكور إلى العمل بإحدى ورش النجارة خلال فترة الصيف للمساهمة في مصروفاتهم الدراسية.
تقول فاتن، بنبرة يملؤها الحزن والأسى، لـ"فكر تاني"، إن "معاش تكافل وكرامة كان 1200 جنيه علشان ولادي كلهم في التعليم، منهم اتنين في الجامعة واتنين في الثانوية، عارفة أنه رقم قليل جدًا قدام مصاريف الحياة وفواتير الكهرباء والمياه، لكن وجوده يخفف من المصاريف بتاعتي".
ويبدأ كل شهر في حياة أسرتها بأسئلة صعبة عن الوفاء بالتزامات شهرية تتغير باستمرار، وتدبير ما يمكن تدبيره للإنفاق على التعليم، ورغم حرمان أبنائها من الكثير من الرفاهيات والاقتصاد بقدر الإمكان في طبيعة الوجبات الغذائية الثابتة، لا يكاد يمر شهر دون استدانة "أقل شهر محتاج 10 آلاف جنيه دلوقتي علشان تلاحق على فواتير الكهرباء والمياه والإنترنت والطعام اليومي، ومن الصيف نبدأ الاستعداد لموسم المدارس والجامعة".
بحسب التقديرات الحكومية، فإن الأرامل والمطلقات والمهجورات وزوجات المسجونين ممن لديهن أبناء، من حديثي الولادة وحتى سن 26 عامًا، يستحوذن على النسبة الأكبر من دعم معاش "تكافل" بإجمالي 5.5 مليون ابن وابنة في مراحل التعليم المختلفة، لكن هذا الدعم في نظر هذه الأسر وخبراء اقتصاد يتلاشى أمام معدلات التضخم المرتفعة.
تأسس البرنامج على محددات كبيرة، منها إخراج الأسر المستحقة للدعم من دائرة الاحتياج وكسر توارث الفقر بما يؤسس لشبكة أمان اجتماعي أكثر قوة ومرونة وقدرة على مواجهة التحديات، لكن الأرقام تتحدث عن نفسها، حيث تشير بيانات البنك الدولي إلى أن أكثر من 60% من المصريين إما فقراء أو أكثر احتياجًا.
وفي محاولة لترجمة هذه الفجوة بين الدعم المقدم واحتياجات الأسر الفعلية إلى لغة الأرقام، يقارن الباحث الاقتصادي إلهام الميرغني بين ما تنفقه الحكومة على الفئات الأكثر هشاشة وما تحتاجه هذه الأسر فعلًا، قائلًا إن "قيمة معاش تكافل وكرامة تساوي 37% من خط الفقر و57.4% من خط الفقر المدقع، إذا حسبنا أن خط الفقر 857 جنيهًا للفرد، أي 3428 جنيهًا للأسرة المكونة من 4 أفراد، وخط الفقر المدقع 550 جنيهًا للفرد، أي 2200 جنيه للأسرة المكونة من 4 أفراد".
ويضيف الميرغني في تصريحات لـ"فكر تاني" أن قيمة معاشات تكافل وكرامة، رغم زيادتها على مدار السنوات الماضية، مازالت لا تكفي للخروج من دائرة الفقر بل تعيد إنتاجه، بدليل زيادة معدلات الفقر الحقيقي وقيمة خط الفقر، حيث لا يوجد تناسب بين قيمة معاش تكافل وكرامة ومعدلات التضخم والحد الأدنى للأجور الذي وصل إلى 8 آلاف جنيه.
ومن زاوية أخرى، ينظر الخبير الاقتصادي رشاد عبده، رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية، إلى أن استفادة أكثر من 18 مليون أسرة من برنامج حماية اجتماعية يصنف ضمن المبادرات الإيجابية للحكومة، لكنها لم تسهم في تحسين حياة الملايين الذين يقبعون تحت خط الفقر، سواء ممن مازالوا يتقاضون هذه المعاشات شهريًا أو أسقطت الحكومة الدعم عنهم بدعوى تحسن أحوالهم أو مخالفتهم الشروط، يقول "هذا الدعم فلسفته نوايا تسند الزير، لكن الزير الآن كبير جدًا، والفجوة كبيرة جدًا بين ألف جنيه وحد أدنى للأجور 8 آلاف جنيه، ما يعني أن هذه المنحة رغم أهميتها لملايين لا تمثل فرصة للنجاة".
ويشير رئيس المنتدى المصري في تصريحاته لـ"فكر تاني" إلى أن مبادرات الحماية الاجتماعية يجب أن تقدم قيمة مضافة للمواطنين حتى تستطيع الحكومة تحقيق أهدافها بالخروج من دائرة العوز إلى الاستقلال الاقتصادي، فعوضًا عن دعم نقدي شهري يتآكل أمام معدلات التضخم، هناك حماية من نوع آخر بتوفير مصادر دخل ثابتة لأسر معيلة تعاني لتوفير قوت يومها، مثل مشروعات الأسر المنتجة التي قد تكون طوق نجاة لآلاف الأسر.
ورغم شكوى الأسر المستحقة من ضآلة المعاش الشهري الخاص ببرنامج تكافل وكرامة مقارنة بقطار الأسعار الذي لم يكبح جماحه، لا يزال الأمل يحدو فاتن محمود بأن تستأنف صرف معاشها في أقرب وقت للتخفيف من أعباء رحلة المسؤولية الثقيلة.