11 عامًا من الانتظار تتبخر في 120 دقيقة.. ماذا حدث لسيد مشاغب؟

في مشهد درامي متسارع حمل في طياته مفارقات حادة بين الأمل والانكسار، تحولت لحظات الإفراج عن سيد مشاغب إلى "تهمة" جديدة أعادته مرة أخرى إلى قفص السجن، خلال ساعات قليلة من وصوله إلى بيته.

فبعد نحو 11 عامًا قضاها داخل محبسه على خلفية اتهامه في 14 قضية مختلفة، خرج مشاغب في الساعات الأولى من صباح الجمعة الماضي، وسط حالة من الترقب والفرحة بين أهله وأصدقائه، تحولت في أقل من 3 ساعات إلى غم جديد، بعد أن ألقت قوات الأمن القبض عليه مجددًا فجر اليوم ذاته، في واقعة أعادت المشهد إلى نقطة الصفر، ولكن هذه المرة على خلفية اتهامات جديدة تتعلق بالتجمهر وتعطيل حركة المرور.

عُرض مشاغب، على نيابة حوادث الجيزة، التي قررت حبسه وخمسة آخرين لمدة أربعة أيام على ذمة التحقيقات، وتشير تفاصيل الواقعة وفق ما جاء بمحاضر التحريات، إلى أن الأجهزة الأمنية رصدت تجمعًا لعشرات من الشباب في منطقة بولاق الدكرور احتفالًا بخروج مشاغب من السجن بعد فترة حبس طويلة، حيث تبين بحسب الرواية الرسمية الصادر بمقتضاها بيان من وزارة الداخلية أن هذا التجمع أسفر عن تكدس مروري ملحوظ وتعطيل لحركة السيارات، مما استدعى تدخل قوات الأمن لفض التجمع وضبط عدد من المشاركين ومن بينهم سيد مشاغب مؤسس رابطة"الوايت نايتس".

وواجهت النيابة المتهمين بمحضر التحريات، الذي أشار إلى قيامهم بتنظيم تجمع دون تصريح ترتب عليه إعاقة الطريق العام، وأصدرت قرارها بحبسهم مع طلب تحريات المباحث التكميلية حول الواقعة للوقوف على ملابساتها بشكل أدق.

وفي تطور لاحق جرى عرض سيد مشاغب وباقي المتهمين على قاضي المعارضات أمس السبت، الذي قرر تجديد حبسهم جميعًا لمدة 15 يومًا على ذمة التحقيقات.

القائمة القانونية للاتهامات

يكشف مصدر قضائي مطلع على التحقيقات عن المواد القانونية المحددة التي أسندت بموجبها الاتهامات إلى سيد مشاغب.

ويوضح المصدر، الذي تحدث إلى "فكر تاني" شريطة عدم الكشف عن اسمه، أن الاتهام الأول يتعلق بجريمة التجمهر التي تخضع لأحكام القانون رقم 10 لسنة 1914، وتحديدًا المادتين الأولى والثانية، حيث تنص المادة الأولى على تجريم تجمع خمسة أشخاص على الأقل إذا كان من شأنه تعريض السلم العام للخطر، بينما تشدد المادة الثانية العقوبة إذا كان الغرض من التجمهر ارتكاب جريمة أو منع أو تعطيل تنفيذ القوانين. ويُضاف إلى ذلك الاتهام الثاني المرتبط بجريمة تعطيل حركة المرور، المدرجة تحت نص المادة 167 من قانون العقوبات، والتي تعاقب على تعطيل وسائل النقل أو عرقلة سيرها عمدًا. ويشير المصدر إلى وجود اتهام بحيازة مادة مفرقعة تتمثل في "شمروخ"، يندرج تحت قانون الأسلحة والذخائر رقم 394 لسنة 1954 وتعديلاته، الذي يجرم حيازة أو إحراز مواد مفرقعة أو أدوات من شأنها إحداث اشتعال دون ترخيص. وأخيرًا يأتي اتهام الاتفاق الجنائي، الذي استندت فيه الأوراق إلى نص المادة 48 من قانون العقوبات، التي تجرم الاتفاق بين شخصين أو أكثر على ارتكاب جريمة، حتى ولو لم تقع الجريمة محل الاتفاق، شريطة ثبوت تلاقي الإرادات على ذلك.


اقرأ أيضًا: رحلة "كابو" الزمالك.. من المدرجات إلى زنزانة التدوير | فكر تانى


رؤية الدفاع وتفنيد الأوراق

ويوضح أسامة الجوهري، المحامي بالنقض والدستورية العليا، ودفاع سيد مشاغب، عن كواليس القبض على موكله، مشيرًا إلى إن ما جرى يثير تساؤلات جوهرية حول سلامة الإجراءات وتماسك الاتهامات.

ويقول الجوهري، في حديثه لـ "فكر تاني"،  إننا "أمام واقعة لا يمكن توصيفها إلا بأنها صادمة من حيث التوقيت والكيفية، إذ لم تمر سوى ساعتين فقط على وصول سيد مشاغب إلى منزله عقب الإفراج عنه، حيث وصلنا قرابة الساعة الثانية فجرًا، وبعدها بساعتين ونصف تقريبًا وتحديدًا في الرابعة والنصف صباحًا، فوجئنا بقوة تتواجد وتقوم بضبطه مجددًا في مشهد يثير العديد من علامات الاستفهام حول طبيعة ما جرى وترتيبه".

ويضيف المحامي أن ما حدث لا يمكن اعتباره إجراءً تقليديًا في إطار الضبط القضائي، وإنما تم التعامل مع الواقعة على نحو أقرب لما يسمى بضبط الحالة ثم جرى تحرير المحضر لاحقًا، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات قانونية دقيقة بشأن توقيت نشأة الاتهام ذاته وكيفية بنائه.

وفيما يتعلق بطبيعة الاتهامات، يوضح الجوهري أن موكله يواجه اتهامات تفتقر عند فحصها موضوعيًا إلى أي سند واقعي حقيقي. فبشأن واقعة الشمروخ، يرى أن الثابت بالأوراق وبالمنطق أنه لم يكن مستخدمًا أو مشتعلًا، وقيل إنه كان بحوزته بصورة غير منطقية، رغم أنه خرج للتو من جهة احتجازه ولم يكن يحمل أي شيء من هذا القبيل، فضلًا عن أن توقيت الواقعة في ساعة متأخرة من الليل لا يسمح منطقيًا بالحصول على مثل هذا الحرز من الأساس. ويشدد على الدفع بانتفاء صلة المتهم بهذا الحرز قائلًا "أحد أهم دفوعنا تمثل في انتفاء الصلة تمامًا بين موكلنا وهذا الحرز المزعوم، إذ لا يوجد أي دليل مادي أو فني يربطه به، وفكرة حيازته له في هذا التوقيت تحديدًا تفتقر إلى أدنى درجات المنطق".

وينتقل الجوهري إلى ما وصفه بأخطر ما ورد في محضر التحريات، وهو اتهام موكله وآخرين بالاتفاق الجنائي، قائلًا "ما ورد بشأن الاتفاق الجنائي يثير دهشة قانونية بالغة، إذ أن هذا النوع من الجرائم بطبيعته يقوم على اتفاقات ومداولات مسبقة وتلاقي إرادات مسبقة بين أطراف متعددة، وهو ما لا يمكن إثباته بأي حال من الأحوال بمجرد تحريات، لأن التحريات لا ترقى لإثبات ركن معنوي مركب بهذا الشكل، إلا إذا كان محرر التحريات شاهدًا مباشرًا على هذا الاتفاق، وهو أمر غير قائم بطبيعة الحال".

ويضيف أن الدفاع تمسك بشكل واضح باستحالة تصور هذا الاتفاق من الأساس، لا سيما وأن الواقعة حدثت فور خروج المتهم من محبسه، متسائلًا عن متى وكيف ومع من تم هذا الاتفاق، وهي أسئلة لا تجد إجابة في الأوراق مما يفرغ هذا الاتهام من مضمونه القانوني. حسب قوله.

وبالنسبة إلى باقي المتهمين الخمسة في القضية، يوضح الجوهري أنهم ضُبطوا من داخل منزل موكله وليس من الشارع كما ورد بمحضر الضبط، ويضيف قائلًا "الواقع أن هؤلاء الشباب اقتيدوا من داخل المنزل، وبعضهم كان متواجدًا لتهنئة موكلنا عقب الإفراج عنه، ومنهم من يقيم في العقار ذاته أو بجواره، وهو ما يدحض الرواية التي ذهبت إلى أنهم كانوا في حالة تجمهر بالطريق العام". ويشير إلى دفعه بانتفاء صلة موكله بالواقعة من الأساس، موضحًا "حتى على فرض حدوث تجمهر أو احتفال، فإن موكلنا لم يكن طرفًا فاعلًا فيه، وإنما كان في وضع أقرب إلى المتلقي المجبر على هذا المشهد، حيث فوجئ بأشخاص يحتفلون به، وهو أمر خارج عن السيطرة وعن إرادته".

كذلك يكشف الجوهري عن دفع آخر يتعلق بالإكراه المعنوي، قائلًا "موكلنا لم يكن يتحرك بإرادة حرة في تلك اللحظات، وإنما تعرض لحالة من الجذب والإكراه، حيث فُتح باب السيارة التي كان يستقلها وسُحب منها للاحتفال، وهو ما ينفي توافر القصد الجنائي اللازم لقيام الجريمة". ويشير إلى تقديم طلبات رسمية لسماع شهود النفي من أهالي المنطقة أملًا في الالتفات إليها تحقيقًا للعدالة، معبرًا عن صدمته بقوله "بصراحة شديدة، ما جرى يضعنا أمام مشهد أقرب إلى الكابوس، ليس فقط من حيث سرعته، ولكن من حيث ما يطرحه من تساؤلات قانونية ومنطقية تحتاج إلى إجابات واضحة في إطار من الشفافية وسيادة القانون".

"اللي شوفته خلاني أعيد التفكير في كل كلمة"

ويحرص المحامي أسامة الجوهري على نقل مشهد إنساني بالغ القسوة يعكس التحول الحاد في حالة موكله، خلال ساعات قليلة، قائلًا "خرج سيد من مقر الحبس وهو مفعم بالأمل، كانت ملامحه كلها بتقول إنه بيبدأ صفحة جديدة، رغم إنه تقريبًا ما نامش لمدة 4 أيام قبل الإفراج عنه، لكنه كان متماسك بشكل لافت، وركب السيارة وهو لا يردد إلا جملة واحدة، أنا مش مصدق.. الحمد لله ربنا كريم.. كانت لحظة إنسانية خالصة، لحظة فيها امتنان وفرحة وراحة بعد سنوات طويلة". ويضيف أن الصدمة الحقيقية كانت بعد ساعات قليلة جدًا عند رؤيته مرة أخرى خلال التحقيق، مؤكدًا وجود مسافة شاسعة بين المشهدين لا يمكن استيعابها، حيث رآه ذابلًا وشاحبًا وبالكاد يقف على قدميه في حالة إنهاك شديد وانهيار تام بعد أن كان في قمة الفرح.

ويختتم الجوهري بنبرة يمتزج فيها الأسى بالقلق، قائلًا "اللي شوفته خلاني أعيد التفكير في كل كلمة كنت بقولها للناس عنه، لأن في كل مرة كان حد بيسألني عن سيد كنت برد وأقول، كويس وزي الفل، لأنه فعلًا كان بيحاول يتماسك ويدي طاقة إيجابية لكل اللي حواليه، لكن وبعد ما شوفته أنا وزملائي المحامين في الجلسة عبر الشاشة، بقول لكل الناس، ادعوا له كتير، لأنه محتاج ده فعلًا".


اقرأ أيضًا:10 أعياد ميلاد خلف القضبان.. ألا تكفي لإخراج سيد من دائرة "مشاغب"؟ | فكر تانى


وتواصلت "فكر تاني" مع والدة سيد مشاغب، التي بدت في حالة من الانهيار الشديد، حيث اختنق صوتها وغلبتها الدموع ولم تتمكن من الإدلاء بأي تفاصيل، مكتفية بكلمات قليلة خرجت بصعوبة، قائلة "ادعوله... وادعولنا"، في عبارة حملت قدرًا هائلًا من الألم وعكست حجم الصدمة التي تعيشها الأسرة.

وفي رواية موازية تحدث أحد أصدقاء سيد مشاغب، شريطة عدم ذكر اسمه، كاشفًا كواليس اللحظات الأولى لاستقباله داخل منطقته، موضحًا أن ما جرى لم يكن سوى تعبير عفوي عن فرحة طال انتظارها.
ويقول لـ"فكر تاني"، إنه يعرف "سيد من سنين طويلة جدًا، قبل حبسه بسنوات كنا مع بعض في كل حاجة تقريبًا، وهو واحد من الشباب اللي كان كل حلمه مرتبط بالكورة، كنا جزء من رابطة مشجعي نادي الزمالك، وكل نشاطنا كان في إطار التشجيع وبس، مفيش أي انخراط في أي عمل سياسي ولا عمرنا فكرنا في ده أصلًا". ويوضح أن غياب 11 عامًا يجعل من الطبيعي أن يفرح الناس بعودته، وأن ما حدث كان عفويًا تمامًا بلا ترتيب أو تنظيم مسبق، مشيرًا إلى أن الفيديوهات المنتشرة توضح ذلك بصراحة، فالمشهد كله كان إنسانيًا ولم يحمل أي تعمد لمخالفة القانون. مشيرًا إلى أن العلاقة بين سيد وأهالي المنطقة لطالما قامت على المحبة "اللي حصل ببساطة هو فرحة كبيرة لرجوع صديق بعد 11 سنة غياب، فرحة يمكن تكون أكبر من إن أي حد يتحكم فيها أو ينظمها، لكنها في النهاية كانت فرحة بريئة خالية من أي نوايا أو ترتيبات مسبقة".

وفي ظل هذا المشهد المتشابك تبقى قضية سيد مشاغب نموذجًا معبرًا عن التعقيد الذي يحيط ببعض الوقائع حين تتقاطع فيها الروايات الرسمية مع الشهادات الإنسانية والدفاعات القانونية. فبين اتهامات تستند إلى نصوص قانونية ودفاع يتمسك بانتفاء الأركان وتناقض الوقائع، تظل الحقيقة الكاملة رهينة لما ستسفر عنه التحقيقات.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة