مشاهد من آخر طوابير "أبو شلن".. الحكومة ترفع أسعار الخبز 300%

كعادة المصريين قبل تنفيذ أي قرار برفع الأسعار، تكدسوا صباح اليوم الخميس للحصول على حصصهم من رغيف الخبز قبل الأسعار الجديدة التي تطبق بعد غدٍ السبت، وتعادل 3 أضعاف بالتمام والكمال.

في الطابور، يقف أحمد محمود، موظف نظافة بملابسه الزرقاء التي تغير لونها من الاتساخ وحرارة الشمس، ومعه كيس من البلاستيك يظهر لونه مرات إعادة استخدامه، لكنه يحافظ عليه حتى لا يضطر لشراء كيس آخر من صاحب الفرن بجنيه ونصف الجنيه، فراتبه الذي لا يتجاوز 750 جنيهًا لا يتحمل رفاهيات.

اقرأ أيضًا: قراءة جديدة في “رأس الحكمة” وما بعدها من رؤوس

طنين الأسعار في طابور الخبز

لا حديث في الطابور إلا عن الغلاء و"العيشة واللي عايشنها". تذوب كل القضايا أمام أصوات هذا الطنين حول الأسعار التي ارتفعت فضربت الدواجن التي كسرت المائة جنيه مجددًا، والراتب الذي لم يعد يكف نصف الشهر، بينما الخوف من مستقبل قريب تزيد فيه الحكومة الحمل على المواطن "الغلبان" حاضر في الطابور يأخذ دوره.

"أحمد" الذي استأذن الطابور الطويل في تجاوز دوره مبكرًا للحاق بالجرار الزراعي الذي يعمل عليه لجمع القمامة وقد عطل الطريق في الخلف، اكتفى بعباره واحدة توحي بسوء توقيت زيادة الخبز، فقال: "كان استنوا للعيد لما الناس تفرح شوية وبعدين ينكدوا عليهم تاني.. مش كل شوية كلام عن حاجات هتزيد هنجيب لهم منين".

بعد أربعة ساعات فقط من العمل، أنهى صاحب المخبز حصته اليومية من الدقيق، ثم طلب من لم يحالفهم الحظ بالقدوم باكر.

تراجع الناس عن منفذ المخبز في حسرة من تبقى له 24 ساعة ساعة فقط قبل وداع "العيش أبو شلن".

وزير التموين لا يمل التبرير

قبل ساعات من فتح المخبز أبوابه، وعلى بعد 130 كيلو من طابور الخبز الواقع في محافظة المنوفية، كان وزير التموين الدكتور على المصيلحي، نشطًا في مداخلاته بين الفضائيات، يدافع عن قرار رفع أسعار الخبز من 5 قروش "شن" إلى 20 قرشًا "ربال"، معتبرًا أن السعر الجديد "ببلاش"، منتقدًا في الوقت ذاته ما ادعى أنه سلوكيات معروفة في بعض مناطق الريف حيث يستخدم المواطنون الخبز علفًا لحيواناتهم وطيورهم.

وانطلاقًا من هذه الرواية، فإن رفع سعر الخبز المدعم سيوفر نحو 13.4 مليار جنيه من موازنة السنة المالية المقبلة 2024- 2025، بحسب الوزير الذي أضاف أن الدولة تتحمل 84% من قيمة الرغيف بعد زيادة أسعاره.

اقرأ أيضًا: علي مصيلحي.. وزير الأزمات من شهداء الخبز لضحايا “كوباية الشاي”

تصريحات المصيلحي، جاءت بعد تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، والتي برر فيها أيضًا رفع سعر الخبز المدعم، فقال إن سعر الخبز ارتفع لأول مرة منذ 30 عامًا، متحدثًا عن ارتفاع فاتورة الدعم الحكومي لهذا الرغيف إلى 130 مليار جنيه سنويًا.

زيادات الخبز.. منذ 1968

زاد سعر الخبز لأول مرة عام 1968، في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر من 5 مليمات إلى قرش واحد، وظل سعره ثابتًا لنحو 16 عامًا، بعد فشل محاولة زيادته عام 1977 في عهد الرئيس الأسبق أنور السادات، واندلاع انتفاضة الخبز.

اقرأ أيضًا: الأسعار نزلت؟ آه.. الشارع اللي وراه

وفي عام 1984، زاد سعر الرغيف إلى قرشين، وظل السعر ثابتًا لمدة 3 سنوات، حتى زاد سعره إلى 5 قروش عام 1988، وهو السعر الساري منذ ذلك الحين.

ومن هنا يبرر المصيلحي اختيار قيمة 20 قرشًا لتحديد سعر الرغيف بأنها قيمة قياسية ومناسبة للمستوى المعيشي في الفترة الحالية، قائلًا: "مفيش حاجة بتكون أقل من جنيه دلوقتي، والدعم زاد على منظومة الدعم من 75% إلى 84% في الوقت الحالي، والتضخم لما زاد زاد علينا كلنا".

تخفيص متتالي لحجم الرغيف

بعض الخبراء يرون أن سعر الرغيف زاد بشكل غير مباشرة عبر تقليل وزنه وتثبيت سعره، إذ تم تقليص وزنه من 160 جرامًا إلى 120 جرامًا، بنسبة تخفيض 25%؜، ثم خفض وزنه لـ90 جرامًا حاليًا بانخفاض جديد بنسبة 25%؜ أيضًا.

كما تعرض الرغيف لتخفيض آخر يتمثل في نوعية دقيق الخبز من دقيق استخلاص 82٪% الي دقيق 86%؜ بما يعني تقليل الدقيق وزيادة نسبة النخالة في مكونات الرغيف الواحد.

وفي ظل الاستياء البادي شعبيًا، وعد المصيلحي بعدم فرض زيادة جديدة على سعر الرغيف، قائلًا: "مش هيزيد أكثر من كده، ولن يتم رفع أسعار الخبز الحر في المخابز السياحية بعد قرار رفع الدعم على الخبز المقدم للمواطنين في البطاقات التموينية".

دعم 3% فقط من مصروفات الحكومة

بحسب الدكتور مصطفى شاهين، أستاذ الاقتصاد بجامعة أوكلاند الأمريكية، يُقَدَّر دعم الرغيف في مصر بنحو 100 مليار جنيه. يستفيد منه 70 مليون نسمة، وهو نسبة لا تتجاوز 3% من المصروفات التي تبلغ قرابة 3.8 تريليون جنيه في الموازنة العامة للدولة. وبالمقارنة، يبلغ الإنفاق على فوائد الديون 1.3 تريليون جنيه، أي 13 ضعفًا لدعم الخبز.

ويقدر مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي الجديد 2024/2025 الذي يناقشه مجلس النواب حاليًا، دعم الخبز بـ 90.7 مليار جنيه، بينما تتحدث الحكومة عن الخبز وتضم معه مخصصات السلع التموينية ليرتفع الرقم بالكامل إلى 134.1 مليار جنيه.

ننتظر زيادات جديدة

ووفق مشروع الموازنة الجديدة، فإن المبلغ المتوفر من دعم الخبز يعادل نحو 58% من دعم الصادرات في العالم المالي 2024/ 2025، ويعادل تقريبًا الرسوم والضرائب التي تفرضها الدولة على السيارات المقدرة بـ 12.1 مليار جنيه.

ويضيف "شاهين" أن إجمالي النفقات على أقساط القروض وفوائدها يتجاوز 68% من نفقات الموازنة العامة للدولة، وزيادة النفقات على القروض والديون حتمًا ستؤدى إلى زيادة المعروض النقدي، ومن ثم رفع الأسعار وتدهور العملة الوطنية، وارتفاع سعر الدولار مرات أخرى.

الدعم النقدي بدلًا من العيني

مع رفع سعر الرغيف، قالت الحكومة إنها تستهدف التحول من الدعم العيني إلى النقدي بربط استهلاك المواطن من الخبز باحتياجه الفعلي، وعدم الحصول على الخبز لمجرد كونه مدعومًا، قائلة إنها ستستخدم زيادة سعر الخبز في بناء المدارس والمستشفيات.

وقال "مدبولي"، في مؤتمر صحفي بمجلس الوزراء، إنه ربما يتم استبدال كميات من نصيب الفرد من الخبز بسلع أخرى لها احتياجها أيضًا؛ حيث سيكون للفرد رقم يستفيد منه طبقًا لاحتياجاته الفعلية وأولوياته، فيكون الاستهلاك حقيقيًا، ويقضي على ممارسات خاطئة ارتبطت باستخدامات أخرى للخبز من جانب البعض نظرًا لكونه متوافرًا ومدعومًا، على حد قوله.

<h2>الخبز.. في مصر اسمه العيش

في مصر، يُطلق على الخبز اسم "العيش"، لأنه يملأ حياة المصريين اليومية، ويعتبرونه مصدرًا أساسيًا لتغذيتهم. كما أنه القيمة التي تمسكوا بها حتى في ثورتهم، فجعلوه رمزًا وضرورة تعكس مفهوم الرزق والعيش الكريم.

يقول عبدالله غراب، رئيس شعبة المخابز، إن 65% من وجبة المواطن "عيش"، لافتًا إلى أن وزن رغيف الجرام كان 130 جرامًا وتراجع إلى 120 جرامًا ثم استقر عند 90 جرامًا، ودور الشعبة المخابز يتلخص في إنتاج العيش فقط دون تدخل في الوزن أو التسعير.

ويضيف "غراب" أن الشعبة ستجتمع في وقت لاحق اليوم الخميس مع وزير التموين لبحث آليات تطبيق قرار الحكومة الأخير بشأن رغيف الخبز، مع مراقبة المخابز بعدما ارتفعت تكلفة إنتاج جوال الدقيق الواحد لتتجاوز  500 جنيه.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة