تعطل البوتاجاز، توقفت ثلاث عيون من أصل خمس عن الاشتعال، وصار صعبًا التحكم في درجة حرارة فرنه التي قد ترتفع حد احتراق الصواني والطواجن، إن سمحت الميزانية لنطهو ما يُطجن، فبحثت مطولًا عن آخر جديد، تشتعل عيونه، لكن اللهب الذي انتظرت أن يشعل عيونه وينضج الطواجن في فرنه، فاق جسمه إلى أسعاره التي أغرقها التعويم، فصار سعر البوتاجاز الجديد يقترب من العشرين ألف جنيه.
في ظروف كتلك يصبح المستعمل البديل الأنسب من حيث الميزانية والوقت، لكن ذلك السوق أيضًا اختلف، ليس التعويم وحده هو ما أثر عليه أيضًا، وإنما مستجدات العصر، التي دفعت المحلات التجارية إلى الفضاء الإلكتروني، فشاعت مجموعات الأثاث المستعمل على السوشيال ميديا، وخلقت أيضًا لغة جديدة تغيرت خلالها العبارة الشهيرة من "استعمال طبيب" إلى "استعمال سوري"، للرفع من حظوظ وقيمة المعروض.
بين سندان القانون ومطرقة "البيكيا"
منذ مطلع العام، شهدت مصر تصعيدًا ملحوظًا في تكييف الوضع القانوني لآلاف السوريين المقيمين على أراضيها، عبر تضييق منح وتجديد الإقامات، وتشديد الملاحقات القانونية، دون قرارات سيادية معلنة.
وبينما ارتفع عدد السوريين المسجلين لدى مفوضية اللاجئين من 12.8 ألفًا عام 2012 إلى أكثر من 147 ألفًا بنهاية 2024، تُقدَّر أعدادهم الإجمالية بنحو 1.5 مليون شخص، ومنذ 2024، أثارت قيود الإقامة وربطها بالتسجيل أو الدراسة أو الاستثمار قلقًا واسعًا، دفع مئات السوريين إلى مغادرة مصر طوعًا وبيع ممتلكاتهم وأعمالهم، حتى غدت مجموعات بيع الأثاث المستعمل المعروفة بـ"البيكيا السورية"، من الأكثر تداولًا وبحثًا مؤخرًا.
وفي مجموعات بيع الأثاث والأجهزة المستعملة، يمكنك بسهولة أن تتقصى حالة المجتمع، فهناك أثاث استخدام عروسة لشهور يُباع بنصف ثمنه، وهناك أثاث يُباع لدواعي الهجرة، وآخر للبيع بدون تجزئة لسوريين عائدين إلى وطنهم، تُذيَّل كلها في جميع الأحوال برجاء "عدم بخس الثمن".
وفي تلك المجموعات، لا يمكنك فقط تقصي أسباب البيع، لكن كذلك يمكنك رصد المناطق التي سكنها السوريون وقرر أغلبهم أن يغادروها طوعًا أو كرهًا، حيث تأتي أكتوبر وحدائقها في المقدمة، وكأنها قد خلت إلا من المستعمل، ثم تأتي الرحاب ومدينتي، كأماكن الأعلى سعرًا في الأثاث المباع، وفي المرتبة الأخيرة تأتي العبور ومدينة نصر.
برجاء البيع من دون تجزئة
آية محمد*، إحدى سمسارات سوق المستعمل ومن أبرز تجار الجملة والعارضين على مجموعات البيع والشراء، وهي سيدة في العقد الثالث من عمرها، تعمل عبر اسم مستعار، تحفظت على الإفصاح عن اسمها الحقيقي. خصصت هاتفًا مستقلًا لإدارة عملها والتواصل مع الزبائن، سواء الراغبين في البيع أو الشراء.
تقول لـ"فكر تاني"، إنها دخلت هذا المجال قبل نحو عامين، بعدما تدخلت لمساعدة جارة سورية كانت تقيم معها في العمارة نفسها بمدينة 6 أكتوبر، على بيع أثاث منزلها وأجهزتها قبل مغادرتها. التقطت صورًا ومقاطع فيديو للأثاث والأجهزة، وعرضتها داخل المجموعات المصرية مع الأسعار والتفاصيل، وخلال أسبوع كان كل شيء قد بيع بالكامل. وتضيف: "بعت لجارتي كل أثاث منزلها وأجهزتها، وكنت أفعل ذلك بدافع المحبة، لكنها أصرت على منحي عمولة مقابل الجهد الذي بذلته، ومن بعدها انهالت عليّ عروض بيع الأثاث، سواء من سوريين أو مصريين، ومن هنا بدأت العمل".
في البدء اقتصر نشاط "آية" على منطقة أكتوبر وضواحيها، ثم بدأت تتوسع في مناطق مختلفة، بحسب ما يصل إليها من مقاولات البيع والشراء، تعرفت آية على تجار الجملة، يشترون ما ثقلت قيمته وخف سعره مقارنة بالجديد، ثم يبيعونه بمعرفتهم بمكاسب أكبر. تقول إن "هناك عائلات تريد بيع محتويات الشقة كاملة دون تجزئة لسهولة تحصيلهم المبالغ المطلوبة، وكذلك توفيرًا للوقت، في ظروف لا تسمح لهم بمزيد من الانتظار وتسويف التجزئة"، مضيفة أن هذا الأمر "لا يقتصر فقط على السوريين العائدين إلى وطنهم، لكن هناك أيضًا أثاث عرسان انقطعت بهم سبل الاتفاق، وأصبح أثاث الزوجية أثرًا بعد عين، وترغب صاحبته في بيعه والاستفادة بماله أفضل من تركه لعبث الفئران في المخازن المغلقة".
أثاث للتوطين وآخر "يمشي حاله"
في الجولات المتواصلة على مجموعات بيع المستعمل، يمكنك أن ترى التباين الواضح بين أثاث اشتراه أصحابه للاستقرار والتوطين، وبين آخر "يقضي غرض"، تقول آية، إن الشقق التي استأجرها السوريون في مصر، تتباين بشكل كبير، ففي مناطق مثل الحصري بأكتوبر، والرحاب ومدينتي والعبور، تجد أغلب الأثاث والأجهزة أثاث توطين، لأناس لم تكن العودة لوطنهم في حسبانهم، لكن فاجأتهم قرارات الإجلاء، أما في ضواحي أكتوبر ومدينة نصر، فأغلب الأثاث اشتراه أصحابه "تمشية حال" كما يقول زبائن آية، مضيفة: "فرق كبير بين مستوى التجهيز في الجانبين، في شقق مجهزة على مستوى عالٍ بأجهزة كاملة ضخمة وتكييفات وفرش كامل، وفي شقق تانية يادوب أصحابها يعرفوا يعيشوا، زي شقق المصايف عندنا".
الرحيل خسارة والشراء مكسب
سكن آسر*، وهو مهندس يبلغ 37 عامًا، في العبور قبل عشر سنوات مع أسرته المكونة من زوجته وطفلين، كان قد فر من نظام الأسد ومن النزاعات الطائفية التي ضربت مناطق سوريا، وأنِس إلى شرق القاهرة بجوار مجموعة من أصدقائه السوريين الذين سبقوه إلى مصر، ثم ترك الهندسة وافتتح مشروعه للأكل السوري، نجح المشروع، لكن فشلت الشاورما في إصلاح ما أفسدته خلافات الأنظمة، ولم تُجدَّد الإقامة لآسر أو زوجته، وكان عليه الإسراع بالإخلاء، خسر آسر أكثر من نصف قيمة أثاث شقته، حتى إنه أهدى بعضًا من أجهزته المنزلية لأصدقائه المصريين، حتى لا يبيعها بثمن بخس.
عمومًا لا يكون بيع الأثاث، الخيار الوحيد أمام السوريين، بالعكس هو الخيار الثاني الذي يأتي بعد محاولة شحن الأثاث إلى سوريا، والبحث عن شركات شحن مناسبة، تكفل تكلفة معقولة، ودراسة إمكانية صمود الأجهزة المنزلية المصممة للعمل في مصر أمام منظومة الطاقة غير المستقرة بسوريا، وهكذا سلك "عمار"، الذي فكر في الاستفادة بأثاثه ونقله إلى سوريا، بدلًا من البدء من جديد هناك، لكن الفكرة لم تنجح بحسب قوله لـ"فكر تاني"، حيث بدت "أسعار شحن الأثاث أكبر كثيرًا من قيمته، سأحتاج ألف دولار على الأقل لشحن الأثاث والأجهزة، بالإضافة لرخص الأسعار بسوريا مقارنة بمصر، فقررت بيعه بدلًا من شحنه والاستفادة بالمال بالشراء هناك".
لم يود عمار العودة حين قرر منذ خمسة أعوام أن يتزوج ويؤسس بيتًا للزوجية في حدائق أكتوبر، كان يريد أن يفرح ويسعد عروسه، يقول: "اشتريت كل شيء حتى التكييفات لحر الصيف والدفايات لبرد الشتاء القارص، لكن أم الدنيا لم تعد ترغب في المزيد من الأبناء"، حسب قوله.
على الجانب الآخر من المعادلة، يرى الحاج بدر العدوي، سمسار الأثاث في منطقة جسر السويس، أن رحيل السوريين قد فتح بابًا للرزق أمام تجار الأثاث المستعمل، وأحدث انفراجة في هذا السوق بعروض أثاث جيد بأسعار متوسطة، في ظل موجة الغلاء التي طالت كل شيء مؤخرًا، ولا سيما الأجهزة الكهربائية والأثاث الجديد.
يغطي العدوي منطقة شرق القاهرة من جسر السويس حتى العبور والرحاب ومدينتي، وهي مناطق تضم آلاف السوريين من مختلف المستويات. يقول "تقريبًا كل يوم يُعرض عليّ أثاث شقة أو شقتين، وفي الغالب يريد صاحب المنزل بيع محتوياته كاملة، لأن البيع بالقطعة سيضطره إلى تخفيض السعر، والمساومة في مصر تخسف قيمة الشيء"، ويضيف أن السوري شخص عملي لا يعرض ممتلكاته على أصدقائه المصريين أو جيرانه، لأنه لا يريد التعامل بمنطق "العشم" الذي يعرفه المصريون جيدًا. وثمة حالات كثيرة تطرح أثاثها للبيع وتشترط التسليم بعد شهر أو اثنين، ريثما تُرتَّب أمور السفر. ويختم بدر بأن ميزة السوريين أنهم يستخدمون الأشياء استخدامًا جيدًا، فتُباع نظيفة وكأنها جديدة وغير مستهلكة، مما يجعلها فرصة حقيقية للشباب المصري الباحث عن أثاث وديكورات وأجهزة بحالة جيدة وأسعار معقولة.
في نهاية رحلة البحث ربما نجحت في العثور على بوتاجاز نافع بثمن مناسب، ونجح كثيرون غيري في العثور على أثاث بأسعار مقبولة ساعدت في تجهيز عروس أو تجديد شقة قائمة وتوسعتها، في ظل التضخم الذي لم يرحم. غير أن ما يبدو من الخارج صفقة رابحة، يحمل في طيّاته حكاية لا تظهر في صور الإعلان.
ففي الإعلانات المتناثرة على مجموعات البيع والشراء، ثمة تفصيلة صغيرة لا يلتفت إليها كثيرون، هي أن كل ما يُعرض كان يومًا شقة يسكنها بشر، لا مجرد بضاعة تُقلَّب وتُساوَم، فوراء كل أريكة صورة عائلية، ووراء كل ثلاجة مطبخ تفوح منه رائحة الطعام، ووراء كل سرير أطفال نام عليه أحد وأحلم؛ الأثاث السوري الذي يملأ الآن مجموعات البيكيا لم يكن سلعة يومًا، كان بيتًا، والفارق بين الاثنين هو بالضبط الفارق بين من يشتري وهو يبحث عن فرصة، ومن يبيع وهو يودع حياة بأكملها. كلاهما يعرف ثمن ما بين يديه، لكن السعر الحقيقي لا يُكتب في خانة الإعلان، ولا يُساوَم عليه.