انتخابات النقابات العمالية.. تأجيلات إدارية بطعم الهندسة السياسية

ما يزال الجدل محتدمًا بشأن انتخابات النقابات العمالية المقبلة، في ظل مساعٍ حكومية لمد أجل الدورة النقابية الحالية ستة أشهر، وزيادة مدة الدورة النقابية عامًا إضافيًا لتصبح خمس سنوات بدلًا من أربعة. وهو توجه تعارضه النقابات العمالية المستقلة، التي تحذر من تأثير هذا التعديل على استقلالية العمل النقابي وزيادة جموده، وترى فيه محاولة لإعادة هندسة المشهد النقابي.

فقد كان من المقرر أن تنطلق الانتخابات النقابية في شهر يونيو المقبل، ورغم مساعي وزارة القوى العاملة لإنجاز هذا الاستحقاق، توقفت عجلة الاستعدادات مع الإعلان عن مشروع قانون تقدمت به نائبة حزب الوفد نشوى الشريف، لتعديل بعض أحكام قانون المنظمات النقابية العمالية وحماية حق التنظيم النقابي رقم 213 لسنة 2017، وكذلك تقديم الحكومة مقترحها لإجراء تعديلات على القانون، ما فتح الباب أمام إمكانية تأجيل الانتخابات لحين الانتهاء من ذلك.

وسيناقش مجلس النواب، غدًا الإثنين، تقرير اللجنة المشتركة من لجنة القوى العاملة ومكتب لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، التي وافقت على مقترح المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي، وهي آلية ثلاثية تضم الحكومة وأصحاب الأعمال والعمال، بمد أجل الدورة النقابية العمالية الحالية لمدة ستة أشهر تبدأ من اليوم التالي لتاريخ انتهاء الدورة الحالية، ما يعني أن الانتخابات قد تجرى في نهاية العام الجاري، بيد أن اللجنة المشتركة رفضت مقترح زيادة مدة الدورة النقابية عامًا إضافيًا، لدرء شبهة التدخل الحكومي السلبي بإجراء تعديل في مدة الدورة النقابية.

وتبرر الحكومة مد الدورة النقابية الحالية ستة أشهر لتزامنها مع فعاليات دورية مثل مؤتمر العمل العربي والعمل الدولي، بما يضمن التمثيل المناسب للقيادات العمالية في تلك المحافل، لكن النقابات المستقلة وقوى حزبية ترفض هذا التأجيل، ولا تراه مبررًا، وتعتبره خطوة تمثل التفافًا على جوهر الحق في التنظيم النقابي، وتكريسًا لنهج التدخل الإداري في شؤون النقابات بدلًا من معالجة أوجه القصور الحقيقية في قانون المنظمات النقابية العمالية رقم 213 لسنة 2017.

ومن بين مؤيدي تأجيل إجراء الانتخابات وزيادة مدة الدورة النقابية اتحاد عمال مصر المحسوب على الحكومة، إذ يشير مجدي بدوي، نائب رئيس الاتحاد، إلى أن الاستعداد لمؤتمرات دولية وإقليمية مثل مؤتمر العمل العربي الذي يُعقد في مصر خلال شهر مايو، ومؤتمر العمل الدولي الذي يُعقد في جنيف الشهر المقبل، حال دون التحضير للانتخابات النقابية، وفي ظل الحاجة إلى ضمان مشاركة وفد عمالي مصري قوي يعبر عن قضايا العمال في الحدثين البارزين.

ينظر البرلمانيون والنقابيون المؤيدون إلى التعديلات وزيادة سنوات الدورة النقابية إلى أنها تمثل فرصة لتعزيز استقرار الهيئات القيادية، وتمكينها من تنفيذ برامجها واستراتيجياتها، ومنح النقابيين الجدد فرصة لفهم آليات العمل النقابي بشكل أفضل، وتحقيق استقرار مؤسسي يتيح تنفيذ المشروعات النقابية بفاعلية.

فيما يستند الرافضون للتأجيل، وتضمهم نقابات وأحزاب وشخصيات مستقلة، إلى النصوص الدستورية والاتفاقيات الدولية التي تلزم الدولة بإنشاء النقابات والاتحادات على أساس ديمقراطي وممارسة نشاطها بحرية، وحق هذه المنظمات في وضع لوائحها وانتخاب ممثليها بحرية دون تدخل من السلطات العامة، وكذلك تعزيز استقلال منظماتها وضمان عدم خضوعها لهيمنة أو تدخل من أصحاب العمل أو السلطات.

إرجاء الحق في الاختيار

تأجيل الانتخابات أو إطالة بقاء قيادات نقابية في مواقعها أثار مخاوف حقوقية من استخدام التأجيل أداةً لإعادة هندسة المجال النقابي، وإطالة بقاء القيادات الحالية، وتأجيل حق ملايين العمال في اختيار ممثليهم بحرية، إذ إن أي تعطيل لهذا الاستحقاق ينعكس مباشرة على أوضاع الأجور، وظروف العمل، والاستقرار الاجتماعي.

وتشير المفوضية المصرية للحقوق والحريات، في تقرير لها، إلى أن خطوة تأجيل الانتخابات تحاصرها شبهة استغلال المهلة الزمنية لتمرير تعديلات تشريعية تخدم بقاء بعض القيادات الحالية في مواقعها، فالتزامن بين التأجيل ومناقشة مشروعات قوانين تتعلق بتوحيد سن التقاعد ومد مدة الدورة النقابية يثير تساؤلات مشروعة حول ما إذا كان الهدف الحقيقي هو إعادة ترتيب القواعد القانونية قبل فتح باب الترشح، بما يضمن استمرار قيادات قائمة ويؤجل فرص التجديد.

في هذا السياق، تطالب دار الخدمات بتمكين الجمعيات العمومية للمنظمات النقابية من وضع لوائحها بأنفسها، وتحديد نظمها الداخلية، وشروط الترشح والانتخاب، دون قيود أو وصاية إدارية. وكذلك إنهاء فرض إجراء الانتخابات النقابية في توقيت واحد، بما يتعارض مع واقع التعددية النقابية واختلاف تواريخ تأسيس المنظمات، وجددت موقفها الرافض لإلغاء الإشراف الإداري المباشر من وزارة العمل على الانتخابات النقابية، وضمان استقلالها الكامل ونزاهتها.

وتشمل المطالب خفض الحد الأدنى لعدد العمال اللازم لتأسيس النقابات، بما ييسر ممارسة الحق في التنظيم النقابي ويزيل القيود غير المبررة أمام إنشاء منظمات نقابية مستقلة، والتأكيد على رفض زيادة مدة الدورة النقابية باعتبار أن مدة الأربع سنوات للدورة النقابية كافية، وأن ترسيخ الديمقراطية النقابية هو السبيل الحقيقي لضمان الاستقرار والتطوير، وليس إطالة مدد البقاء في المواقع النقابية.

النائب إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، وأحد المعارضين للتأجيل تحت القبة، يؤكد في تصريحات لـ"فكر تاني" أن تزامن الانتخابات مع المشاركة العمالية في مؤتمر العمل العربي والعمل الدولي لا يؤثر على الاستعداد لإجراء انتخابات محددة سلفًا، مشيرًا إلى أنه اقترح تأجيلها شهرين بحد أقصى، بينما وافق أعضاء اللجنة على التوصية الحكومية بالتأجيل ستة أشهر، بينما اقترح آخرون التأجيل عامًا ونصف العام، مطالبًا باحترام إرادات الناخبين.

وكان منصور من المدافعين عن رفض زيادة مدة الدورة النقابية لمجالس الإدارات من 4 إلى 5 سنوات، موضحًا أن التعديلات التي تقدمت بها الحكومة والنائبة نشوى الشريف لن تصب في مصلحة العمال النقابية، وينظر إليها على أنها تمييز سلبي ضد المجالس الحالية والسابقة التي حدد لها القانون أربع سنوات فقط.

وتابع: "كنت نقيبًا للمهندسين في الجيزة في الفترة من 2018 إلى 2022، تسلمت النقابة خاسرة ومديونة، تخللهما فترة جائحة كورونا، لكني استطعت إنجاز عملي في 4 سنوات وسلمت موقعي والنقابة بها فائض مالي، فلا أرى سببًا لزيادة عدد سنوات المدة النقابية إلى خمس سنوات".

عصا الأمن

لا ينفصل الحديث عن الانتخابات النقابية عن التحديات والضغوط الأمنية التي تواجه بيئة العمل النقابي في مصر، إذ أشار التقرير السنوي للاتحاد العربي للنقابات إلى أن النقابات المستقلة تواجه تعنتًا في التأسيس وتجديد الأوراق وممارسة حق التنظيم، مشيرًا إلى أن صدور قانون العمل الجديد لم ينهِ التعنت الحكومي، ولم يحسن من بيئة العمل النقابي أو الأوضاع المعيشية للعمال، حيث واصلت وزارة العمل رفض أو تعطيل استلام أوراق تأسيس لجان نقابية مستقلة في قطاعات منها الخدمات والتعليم.

وسلط تقرير الاتحاد العربي الضوء على الضغوط الأمنية التي تمارسها الأجهزة الأمنية على الكوادر العمالية المستقلة لمنعهم من الترشح في انتخابات المنظمات النقابية، حيث وثقت حالات فصل جماعي لنقابيين حاولوا تشكيل لجان نقابية، أو نقل بعضهم إلى فروع بعيدة لمنع التواصل مع القاعدة العمالية. وفي وقت عزا التقرير التأجيل المتكرر للانتخابات لرغبة الدولة في إعادة ترتيب الأوراق وفرز الكوادر العمالية من خلال الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، والتحكم في المشهد النقابي بشكل أكبر وأعمق.

ويقول كرم عبد الحليم، رئيس نقابة العاملين بأندية قناة السويس، إن التأجيل المتوقع للانتخابات النقابية ما هو إلا امتداد لسلسلة التدخل الحكومي في الشأن النقابي، وتنحية الأصوات المعارضة عن المشهد، لإبقاء الوضع كما هو عليه، بصدارة اتحاد عمال مصر للمشهد.

ويضيف عبد الحليم في تصريحات لـ"فكر تاني" أن الوضع الحالي يعيد إلى الأذهان التاريخ الطويل من تعطيل الاستحقاقات النقابية وتجميد الانتخابات، كما حدث في الفترة من 2006 إلى 2018، وحرمان عدد كبير من المرشحين والتنظيمات المستقلة من خوض المنافسة الفعلية، لافتًا إلى أن عدد النقابات المستقلة تقلص من المئات إلى العشرات في السنوات الماضية بسبب التعنت الإداري في تسجيلها وعدم الاعتراف بالتعددية النقابية.

تأجيل الانتخابات لمدة ستة أشهر من دون الرجوع إلى المنظمات النقابية، سواء التابعة للدولة أو المستقلة، هو في حد ذاته انتهاك لمبدأ استقلالية العمل النقابي، بحسب داليا موسى، الباحثة العمالية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، التي تعده قرارًا سياسيًا موجه بالأساس للقيادات النقابية المحسوبة على الدولة، اتخذ من دون الرجوع إلى أصحاب المصلحة أو حدوث حوار مجتمعي سواء داخل لجنة القوى العاملة بالبرلمان أو داخل النقابات والاتحادات.

وتتابع موسى في تصريحات لـ"فكر تاني"، قائلة إن "فكرة عقد الانتخابات كل خمس سنين غير منطقية حتى الآن، تؤثر على تداول السلطة، وستتعارض في الدورة القادمة مع انتخابات البرلمان المفترض إجراؤها في التوقيت نفسه".

كيف نضمن الاستقلال؟

المسألة لا تتعلق فقط بالمدة الزمنية، وإنما بجوهر الحق النقابي نفسه، يقول أمين العمل الجماهيري بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي وائل توفيق، الذي أشار إلى أن تجديد الانتخابات بشكل دوري ومنتظم هو الضمان الحقيقي لمحاسبة القيادات النقابية، وتجديد الدماء، وفتح المجال أمام تمثيل أوسع للعمال، خصوصًا في ظل التحولات الكبيرة التي يشهدها سوق العمل المصري.

ويشير توفيق في تصريحات لـ"فكر تاني" إلى أن اللجوء إلى مد الدورة إلى خمس سنوات من دون حوار حقيقي مع النقابيين والعمال يعكس استمرار النظرة الإدارية الوصائية تجاه الحركة النقابية، بدلًا من احترام استقلال التنظيمات العمالية وحق جمعياتها العمومية في تقرير شؤونها بنفسها.

وزاد توفيق، أن "الأولوية الحقيقية ليست في إطالة مدة الدورات النقابية، إنما في معالجة المشكلات الأساسية الموجودة في قانون التنظيمات النقابية، وعلى رأسها ضمان استقلال النقابات عن التدخل الإداري، وتسهيل إجراءات تأسيس النقابات المستقلة، وضمان انتخابات حرة ونزيهة، وكذلك تمكين الجمعيات العمومية من وضع لوائحها وتحديد مددها كما تشاء، واختيار ممثليها بحرية".

ويشير هذا المشهد إلى أن الانتخابات النقابية لن تفرز وجوهًا جديدة في ظل التحديات التي تواجهها النقابات المستقلة في التسجيل أو تحديث بياناتها، وسيطرة الاتحاد العام على مفاصل العمل النقابي باستثناءات قليلة في نقابتي الإسعاف والصيادين. لكن نائب الحزب المصري الديمقراطي إيهاب منصور يعرب عن أمله في خروج انتخابات المنظمات النقابية بلا مشكلات أو تدخلات حكومية تؤثر على نزاهتها وشفافيتها.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة