قبل أسابيع من الموعد المقرر لانطلاق انتخابات النقابات العمالية، في مايو المقبل، برزت مقترحات برلمانية بتعديل قانون المنظمات النقابية، أثارت نقاشًا واسعًا حول مصير هذا الاستحقاق.
ويضع هذا الجدل التنظيمات العمالية والجمعيات العمومية أمام مسارين، إما الالتزام بالموعد القانوني للانتخابات، أو تأجيلها لحين إقرار التعديلات التشريعية التي قد تعيد تشكيل خريطة العمل النقابي، وهو نقاش تبرز أهميته كونه يأتي بعد اكتمال استعدادات مكثفة قادتها وزارة العمل، وتضمنت تحديث قواعد بيانات العضوية، وعقد اجتماعات تنظيمية، وبحث استخدام أدوات التحول الرقمي لضمان شفافية العملية الانتخابية التي كان يفترض أن تُجرى على مراحل متدرجة، تبدأ باللجان النقابية وتنتهي بتشكيل الاتحاد العام لنقابات عمال مصر.
جذور الأزمة والمسار التشريعي
في الثامن من مارس الماضي، تقدمت النائبة عن حزب الوفد وعضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، نشوى الشريف، بـمشروع قانون لتعديل بعض أحكام قانون المنظمات النقابية العمالية وحماية حق التنظيم النقابي رقم 213 لسنة 2017، وذلك بتوقيع عُشر عدد أعضاء مجلس النواب المصري، بما يسمح بتقديم المشروع للمناقشة البرلمانية. وبررت النائبة ذلك في تصريحات سابقة لـ"فكر تاني" بأن مقترحها يضمن "أن يكون النقابي قد حصل على فرصته في تنفيذ برنامجه".
وبدأت مناقشات داخل مجلس النواب، قبل عيد الفطر، عن إمكانية تأجيل الانتخابات بالتزامن مع طرح تعديلات على قانون المنظمات النقابية العمالية رقم 213 لسنة 2017.
وهي تعديلات تشمل مقترحًا بتعديل مدة الدورة النقابية من أربع إلى خمس سنوات، بدعوى منح المجالس المنتخبة وقتًا كافيًا لتنفيذ برامجها وتحقيق الاستقرار المؤسسي.
اقرأ أيضًا: يوميات صحفية برلمانية| تعديل عاجل لقانون "النقابات العمالية".. بعد العيد | فكر تانى

وينص القانون الحالي في مادته (42) على أن "مدة الدورة النقابية لمستويات المنظمات النقابية العمالية أربع سنوات ميلادية، تبدأ من تاريخ نشر نتيجة انتخاب مجالس إدارتها بكافة مستوياتها في الوقائع المصرية، وتُجرى الانتخابات بطريق الاقتراع السري المباشر وتحت إشراف قضائي، وذلك وفقًا للقواعد والإجراءات التي تحددها اللائحة التنفيذية". ويعني هذا أن أي تغيير في مدة الدورة النقابية يتطلب تعديلًا تشريعيًا صريحًا، وهو ما يربط مباشرة بين مقترحات التعديل واحتمالات تأجيل الانتخابات.
ويقول نائب رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، مجدي البدوي، إن الأمر حاليًا محل دراسة، وأن القرار يقع في يد مجلس النواب.
وأشار البدوي، في تصريحات لـ"فكر تاني"، إلى أن اتحاد عمال مصر أوضح وجهة نظره بخصوص مشروع القانون للمجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي، موضحًا أنه يرى إيجابيات في مد الدورة النقابية وتحريك موعد الانتخابات إلى نوفمبر بدلًا من مايو.
ويُعد المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي آلية ثلاثية تضم الحكومة وأصحاب الأعمال والعمال، وتهدف إلى تعزيز الحوار والتعاون لتحقيق استقرار علاقات العمل، ويُشكل برئاسة وزير العمل.
ووفقًا للحساب الرسمي لـوزارة العمل على فيسبوك، فإن هذا المجلس معني بوضع سياسات العمل ودراسة مشروعات القوانين ومناقشة قضايا سوق العمل وتطبيق معايير العمل الدولية، وذلك وفقًا لقانون العمل الجديد لعام 2025.
تباين الآراء حول الاستقرار وتداول السلطة
يرى داعمو التعديل أن مد الدورة النقابية إلى خمس سنوات يعزز الاستقرار ويمنح المجالس المنتخبة فرصة حقيقية للعمل، بينما يرفض المعارضون هذا الطرح معتبرين أن الدورة الحالية كافية، وأن أي تمديد قد يؤثر سلبًا على مبدأ تداول السلطة داخل النقابات. كما يربط بعض المؤيدين بين فكرة التأجيل وازدحام شهر مايو بالفعاليات العمالية، مثل احتفالات عيد العمال والاستعداد لمؤتمرات دولية وإقليمية، وهو ما يتطلب من وجهة نظرهم إعادة توزيع الأولويات الزمنية.
ويوضح مجدي البدوي هذا الجانب، مشيرًا إلى أن مطلع يونيو يشهد سنويًا فعاليات مثل مؤتمر العمل الدولي في جنيف الذي يتم الاستعداد له في مايو، ويجب أن يكون لدى عمال مصر ممثلهم في هذا المحفل، بالإضافة إلى مؤتمر العمل العربي الذي يُقام عادة في مصر خلال شهر مايو بحضور عربي واسع، متسائلًا في تصريحاته "كيف نرتب له وللانتخابات في آن واحد". مشيرًا إلى ضرورة توفر الوقت والتركيز للخروج بأفضل تنظيم ممكن، فضلًا عن فعاليات عيد العمال التي تتطلب وقتًا وجهدًا إضافيين.
ويدافع نائب رئيس الاتحاد عن مد فترة الدورة الانتخابية النقابية مستندًا إلى فلسفة مشابهة لتلك المتبعة في مجلسي النواب والشيوخ، حيث يحتاج الأعضاء لعام كامل من أجل التمرس وفهم مهامهم، بينما يُخصص العام الأخير للتجهيز للانتخابات، وبالتالي ستكون هناك مساحة أكبر للعمل الفعلي في حال مد الدورة إلى خمس سنوات.
على الجانب الآخر، يرى القيادي العمالي البارز كمال عباس أن هذه المبررات لا تسوغ تأجيل استحقاق انتخابي دوري، محذرًا من تأثير ذلك المباشر على استقلالية العمل النقابي، وطالب في حال وجود توجه لتعديل القانون بفتح نقاش أوسع عن أي تعديلات تشريعية تمس بنية التنظيمات العمالية.
وأعرب عباس في تصريحاته لـ"فكر تاني" عن معارضته الشديدة للمقترحات المطروحة، معتبرًا أن مدة أربع سنوات تعد كافية للدورة النقابية، وأن ما يدور حول تعديلها يُعد "كلام مضحك".
وأضاف عباس أن المسألة برمتها تتعلق بالديمقراطية العمالية، التي يُفترض أن تكون من الاختصاص الأصيل للجمعية العمومية النقابية، حيث يقتصر دور القانون على تحديد سقف زمني لا تزيد أو تقل عنه الدورة، لتصبح الجمعية العمومية صاحبة السلطة لكونها الممول الأساسي للنقابة، في إشارة إلى حق كل جمعية في اتخاذ قرارها وفق رؤيتها.
ويرى القيادي العمالي أن هذه التحركات تشير إلى تغول واضح من وزارة العمل على استقلالية النقابات، واصفًا تبرير تأجيل الانتخابات بسبب الفعاليات بأنه أمر يثير السخرية، خاصة أن البعض يسعى لحضورها طمعًا في الفوائد المادية، دون تقديم أي مكاسب حقيقية على مدار سنوات لعمال مصر الذين يضربون عن العمل بسبب معاناتهم المستمرة.
مطالبات بتعديلات أشمل وديمقراطية أعمق
في سياق متصل، أوضحت المستشارة القانونية لدار الخدمات النقابية والعمالية، رحمة رفعت، لـ"فكر تاني" أن استقرار المنظمات النقابية لا يتحقق بتأبيد بقاء من يتقلدون المناصب النقابية في مقاعدهم، وإنما يتحقق من خلال إعمال الديمقراطية النقابية وإتاحة الفرصة لمشاركة جميع أعضاء المنظمات في أنشطتها وبرامجها، وبسط رقابتهم على جميع قراراتها وأعمالها.
وأصدرت دار الخدمات النقابية والعمالية تقريرًا عن انتهاكات الحريات النقابية في مصر في يناير الماضي تحت عنوان "نضال من أجل البقاء"، حيث أشار بوضوح إلى تدهور حقوق العمال وفرض القيود على العمل النقابي المستقل في ظل أوضاع سياسية واجتماعية ضاغطة. واتهم التقرير اتحاد عمال مصر الحكومي بأنه "اختفى" ولم يكن لنقاباته أي دور يُذكر في الأحداث خلال العام الماضي، رغم تصاعد الاحتجاجات العمالية والمعدل غير المسبوق لضحايا حوادث العمل.
ومع دراسة المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي إمكانية تأجيل الانتخابات إلى نوفمبر، أو جعلها كل خمسة أعوام على غرار المجالس النيابية، استعدت لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، برئاسة وزير القوى العاملة الأسبق محمد سعفان، لدراسة الأثر التشريعي للقانون في وقت سابق من هذا الشهر. وهنا تبرز اعتراضات المنظمات الحقوقية التي سُجلت وقت صدور القانون قبل نحو تسع سنوات، ومن أبرزها عدم الاعتراف بالنقابات المستقلة، وإسقاط قطاعات حيوية كالعاملين بالصيد وأصحاب المعاشات الذين تميزت نقابتهم بالكفاءة والحيوية، إلى جانب التمسك بالبنيان الهرمي وفرض نموذج الاتحاد العام لنقابات عمال مصر كنموذج وحيد، وعدم الاعتراف بالاتحادات الإقليمية والقطاعية التي كونها العمال سابقًا، فضلًا عن تقييد تكوين النقابات العامة باشتراط تشكيلها من 15 لجنة فرعية، واشتراط عشر نقابات عامة لتشكيل اتحاد.
ويتفق كل من عباس ورفعت على أنه في حال وجود اتجاه جاد لتعديل القانون، فمن الضروري توجيه النظر إلى أمور تشريعية أولى بالتعديل. وردًا على فكرة تماشي التعديل مع الشكل العام للانتخابات في الدولة، قالت رحمة رفعت إن الانتخابات النقابية لو كانت شأنًا نقابيًا خالصًا تنظمه النقابات بنفسها وتضع قواعده التي تضمن النزاهة والشفافية، ولو تم التعامل مع العمال كمواطنين كاملي الأهلية قادرين على إدارة شؤونهم دون وصاية، لما مثلت هذه الانتخابات عبئًا على الأجهزة التنفيذية، ولما برز أي تعارض بينها وبين الاستحقاقات الرئاسية.
وشددت رفعت على أنه في حال تعديل القانون المتعلق بالانتخابات، يجب فتح باب النقاش والحوار الشامل بمشاركة جميع الأطراف دون إقصاء حول كافة التعديلات المطلوبة، وفي مقدمتها الأحكام المتعلقة بإجراءات الترشيح والانتخاب لعضوية مجالس الإدارة.
ورغم أن الانتخابات لا تزال قائمة من الناحية القانونية حتى الآن، فإن مسارها النهائي يظل مرهونًا بحسم المناقشات داخل مجلس النواب، فإما أن تُجرى في موعدها وفق القانون الحالي، أو يتم تأجيلها في حال إقرار التعديلات المقترحة، مما قد يؤدي إلى إعادة ترتيب الجدول الزمني للعملية الانتخابية بالكامل.