"خليكي في سرطانك".. مريضات في مواجهة الوصم والطلاق والخذلان

  • في أي نضال ضد مرض السرطان، تبدو تغيرات فسيولوجية مثل تساقط الشعر والحواجب وشحوب البشرة في أثناء الخضوع للعلاج الكيماوي، بسيطة جدًا أمام أمل للشفاء طالت أو قصرت رحلته، يروضها ويخفف من وطأة الشعور بها دعمًا عاطفيًا يشمل المريض، بينما تتحول من دونه إلى عبء قد يلتهمه قبل المحاليل التي ترهق أعصابه. ولسوء حظ مروة، وغيرها من المتزوجات كثيرات اللواتي أوقع بهن السرطان، فإنهن واجهنه وحيدات.

تقول مروة، التي تبلغ 45 عامًا، إنها علمت بإصابتها بسرطان الثدي في أكتوبر 2023، ثم بدأت الخضوع لجلسات العلاج الكيماوي في يناير الذي يليه. ولم تمض فترة طويلة حتى بدأ شكلها يتغير وشعرها يتساقط، ومن هنا بدأت معاملة زوجها تتبدل، إلى أن جاء يوم أسمعها ما هو أقسى من الألم "خليكي في سرطانك أنا مش هقدر أعيش مع واحدة مريضة". ثم طلقها، لتعيش وحيدة في شقة فارغة، ووحيدة في رحلة طويلة بين المستشفيات ومعامل التحاليل.

لا يعد التخلي عن الشريك بعد تشخيص الإصابة بالسرطان أمرًا نادرًا، غير أنه أكثر شيوعًا بين النساء، فقد وجدت دراسة أجرتها جامعة ميشيجان أن 31% من الزيجات التي تشمل أمراضًا جسدية تنتهي بالطلاق، وأن الرجال أكثر عرضة من النساء للطلاق عند الإصابة بمشكلات صحية خطيرة مع مرور الوقت، لكن عددًا أكبر من الرجال يتركون زوجاتهم المريضات، وهو ما يعني أن النساء أكثر عرضة لخطر الانفصال الزوجي المرتبط بالأمراض.

أحيانًا يتخلى الناس عن أحبائهم بعد تشخيص إصابتهم بالسرطان خوفًا مما سيحدث لاحقًا، أو من أن يسبب لهم السرطان معاناة شديدة، وقد يخشى آخرون ببساطة المجهول، وما قد يخبئه المستقبل لهم ولشريك حياتهم، وكيف يمكن أن يغير ذلك حياتهم إلى الأبد.

ويرى مختصون أن بعض الأزواج يهربون أو يتخلون عن زوجاتهم لأنهم لا يرغبون في تجربة الألم، وقد يشعر المصابون بالسرطان بالعجز والإحباط، خاصة إذا منعهم المرض من القيام بأشياء كانوا يستمتعون بها، مثل الخروج مع الأصدقاء أو أفراد العائلة، أو القيام بالأعمال المنزلية، أو حتى ممارسة العلاقة الحميمة.

تقول الباحثة في الصحة النفسية نهال خطاب، في حديثها لـ"فكر تاني"، إن أول ما يواجه المريضة عادة هو الصدمة النفسية للتشخيص، يليها شعور بالخوف من المجهول، والخوف من فقدان دورها كزوجة وأم وامرأة عاملة، فتظل تحت وطأة القلق والارتباك.

وتصبح أسئلة، مثل: هل أنا السبب في المرض؟ لماذا أنا؟ هل سيبقى زوجي بجانبي أم سيتخلى عني؟ هل سيتقبل التغير الجسدي أم سينظر بشفقة أو خوف؟ واقع تعيشه المريضة ويقودها في رحلة الألم المستمر.

وتضيف خطاب، أن التحديات النفسية تتعمق مع بدء العلاج، خاصة حين تظهر آثاره الجسدية مثل تساقط الشعر أو فقدان الوزن. وهنا تبدأ المرأة في فقدان جزء من ثقتها بنفسها وتشعر بالغربة عن صورتها القديمة، وقد يتسلل إليها الخوف من أن يتغير موقعها في حياة شريكها.

إحساس ضائع بالأنوثة

وتشير إلى أن هذا التغير قد يخلق حالة من القلق المستمر، خاصة مع انخفاض الإحساس بالأنوثة أو التغيرات الجسدية المرتبطة بالعلاج، وهو ما قد ينعكس على العلاقة الزوجية ويزيد من مخاوف الهجر أو الاستبدال.

أما عن الأزواج، فتشير إلى أن بعض حالات الانسحاب أو الطلاق قد ترتبط بعدة عوامل، منها ضعف القدرة على تحمل الضغط النفسي، أو الأعباء المادية للعلاج، أو عدم الاستعداد النفسي لمرافقة زوجة تمر بمرحلة مرض طويلة وصعبة.

وترى خطاب أن الطلاق في مثل هذه الحالات لا يكون دائمًا نتيجة سبب واحد، وإنما تداخل بين الخوف والعجز والضغوط الاجتماعية والمادية، لكنه في كل الأحوال يترك أثرًا نفسيًا على المرأة التي تجد نفسها أمام تحديات كثيرة.

ولم تكن مروة تعلم أن رحلة علاجها من السرطان ستنتهي بفقدان بيتها، لا بسبب المرض، وإنما بسبب الوصم الذي يلاحقها. وعندما بدأت جلسات العلاج الكيماوي، لم يتغير جسدها فقط، وإنما تغيرت نظرة أقرب الناس إليها، على حد قولها، فتخلى عنها الزوج ثم الأصدقاء واحدًا تلو الآخر.

ولم تكن قصة مروة استثناءً، إذ يؤكد أطباء نفسيون أن بعض الأزواج ينظرون إلى السرطان باعتباره نهاية للحياة، وليس مرضًا عاديًا يمكن علاجه أو التعايش معه، وهو ما يدفعهم إلى الهروب بدلًا من المواجهة ودعم زوجاتهم.

خطبة.. و"اتفشكلت"

وتعكس حياة بسنت، وهو اسم مستعار، هذه الفرضية بوضوح، ففي عامها الـ22، كانت الفتاة التي تندرج من أسيوط، اتعيش أحلام الفتاة المقبلة على الزواج، لكنها لم تتوقع أن يتحول خبر إصابتها بالسرطان من أزمة صحية إلى نقطة فاصلة في حياتها العاطفية. تقول "قبل تشخيصي بالمرض كان خطيبي حاضرًا في كل تفاصيل يومي، نتحدث بالساعات ونشارك بعض اهتماماتنا المشتركة، وحينما علم بإصابتي بسرطان الثدي، بدأ ينسحب تدريجيًا وتغيرت معاملته".

ولم يكتف خطيب بسنت بعدم الاهتمام في وقت كانت تحتاج فيه إلى الدعم، بل اختار أقسى الطرق للنهاية. تقول بسنت إنها عندما أخبرته ببدء رحلة الكيماوي والعمليات، هاتفها بعد أسبوع وأنهى كل شيء، وقال لها "إحنا هنفشكل الخطوبة لأن والدتي شايفة إن حياتي هتكون متعبة معاكي".

ويقول الدكتور علاء طلعت، استشاري الأورام، إن علاج السرطان رحلة طويلة، وإذا لم يكن هناك دعم نفسي من الأهل خلال هذه الرحلة فإن ذلك يؤثر بشكل مباشر في شفاء المريض. موضحًا في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن من المهم أن تكون لدى المريضة قناعة بالأمل في الشفاء، لأن الأمل نصف العلاج.

ويشير طلعت إلى أن دور الأسرة لا يقل أهمية عن دور الدواء، فالدعم النفسي والحضور اليومي يجعلان المريضة تشعر بأنها ليست وحدها، وهي كلها عوامل تساعدها على تجاوز لحظات الخوف والانكسار التي ترافق العلاج.

وخلال حديثه، يستعيد الطبيب واحدة من أكثر الحالات التي تركت أثرًا في نفسه، وهي مريضة بسرطان الثدي تخلى عنها زوجها خلال رحلة العلاج، الأمر الذي انعكس على حالتها النفسية ومن ثم حالتها الصحية، لأن فكرة التخلي تضغط نفسيًا على المرأة، فتشعر أنها موصومة أو منبوذة.

ويعد الدعم العاطفي، من الشريك عاملًا حاسمًا في تحسين الحالة النفسية للمريضة، كما يساهم بشكل مباشر في تعزيز فرص التكيف والتعافي خلال رحلة العلاج.

وتكشفت دراسة أجرتها المؤسسة المصرية لمكافحة سرطان الثدي عام 2015، وشملت 6043 حالة إصابة بسرطان الثدي في عدد من محافظات مصر، عن تداعيات اجتماعية ونفسية قاسية تواجهها السيدات بعد الإصابة بالمرض.

وأظهرت نتائج الدراسة أن 31% من السيدات تعرضن لهجر الزوج للمنزل، فيما انتهت 17% من الحالات بالطلاق، بينما أقدم 12% من الأزواج على الزواج من أخرى.

كما أفادت 10% من المشاركات بتعرضهن لإهانات لفظية وتجريح في المشاعر، في حين تعرضت 3% منهن لإيذاء جسدي من قبل الزوج.

لجأت بسنت إلى عيادات نفسية لتجاوز هذه الفترة من حياتها، ومرت السنوات وتشافت واستعادت جزءًا من حياتها الطبيعية، لكنها لم تتلق أي عروض للخطبة، على حد قولها، بسبب السرطان، وتوضح أن التغيرات الجسدية الناتجة عن العمليات والعلاج الكيماوي أثرت على مظهرها.

ميراث ضائع وحياة على حافة الخطر

تشير دراسة علمية حديثة نشرت في مجلة "Frontiers in Psychology " إلى أن تأثير المرض لا يقتصر على الجانب الجسدي فقط، وإنما يمتد ليشمل الخصوبة والعلاقة الحميمة، إضافة إلى الضغوط النفسية المرتبطة بصورة الجسد، وهي عوامل قد تشكل اختبارات صعبة للعلاقة الزوجية.

ورغم أهمية الأرقام والإحصاءات في رصد الظاهرة، يشير الباحثون إلى أنها لا تعكس دائمًا التجارب الفردية بكل تفاصيلها الإنسانية، إذ تواجه بعض النساء مخاطر إضافية مثل فقدان الدعم أو التعرض للهجر في أكثر اللحظات التي يكن فيها أكثر هشاشة نفسيًا.

وتشير نتائج أخرى إلى أن السرطان لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار العلاقات الزوجية، لكنه يكشف مدى متانتها من هشاشتها، فبينما يصمد بعض الأزواج أمام هذا الاختبار الصعب، يجد آخرون أنفسهم يرحلون، تاركين شركاءهم يواجهون المرض بمفردهم.

لم تكن معركة منى حسام، وهو اسم مستعار، مع سرطان القولون الأصعب، وإنما ما جاء معها من خذلان متكرر ترك ندوبًا أعمق من المرض نفسه.

تبدأ حكاية منى (50 عامًا)، قبل سنوات، حين وجدت نفسها بلا مأوى بعد أن استولى شقيقها على ميراثها وطردها من شقة العائلة، فتنقلت بين بيوت الأقارب، تحمل ما تبقى من كرامتها، وتحاول أن تبدأ من جديد. وعملت موظفة، وادخرت القليل بعد تعب وجهد، حتى نجحت بعد عشر سنوات كاملة في شراء شقة صغيرة، لم تكن بالنسبة لها مجرد جدران، وإنما أمان طال انتظاره.

وفي تلك المساحة التي ظنتها بداية حياة مستقرة، تقدم إلى خطبتها زميل لها في العمل، وبدا الأمر وكأنه تعويض عن خذلان الأهل ومتاعب الحياة، حسبما تروي منى لـ"فكر تاني"، وتكمل أن الزواج تم داخل شقتها، لكن الاستقرار لم يدم طويلًا، وبعدما أخبرها الطبيب بتحويل مسار العلاج وإجراء عمليات جراحية، تغير شكل العلاقة وبدأ زوجها يقصفها بكلمات مثل "إنتي خسيتي 30 كيلو إنتي مش نافعة".

وتحولت القسوة اللفظية إلى عنف جسدي، ففي إحدى المرات اعتدى عليها بالضرب حتى سقطت على الأرض تنزف، ثم هربت على السلم وهي غارقة في الدم، ولولا تدخل الجيران لكانت النهاية مختلفة.

الشعور بالعزلة

في عام 2016 أصدر مؤتمر "حرك السكون" عن سرطان الثدي الانتشاري، نتائج استبيان تناول واقع مريضات سرطان الثدي المتقدم في مصر، وما يواجهنه من تحديات نفسية واجتماعية وصحية، وأظهرت النتائج أن غالبية المشاركات أعربن عن حاجتهن إلى علاجات جديدة وأكثر فاعلية لسرطان الثدي، في ظل محدودية الخيارات العلاجية المتاحة، كما بينت الدراسة أن نسبة كبيرة من المريضات يشعرن بالعزلة، إلى جانب تأثر قدرتهن على العمل بشكل سلبي بسبب المرض وتداعياته.

وكشفت النتائج أن نحو ثلثي المصابات بسرطان الثدي المتقدم في مصر يشعرن بشكل متكرر بعدم وجود من يفهم معاناتهن، ما يعكس حجم العبء النفسي المصاحب للمرض، ويؤكد أن سرطان الثدي الانتشاري لا يقتصر تأثيره على الجانب الصحي فقط، وإنما يمتد ليشمل الأبعاد النفسية والاجتماعية.

ووسط ذلك الألم والخوف، أدركت منى أن ما تواجهه لم يعد زواجًا، وإنما خطرًا على حياتها. تقول بصوت ثقيل "كان عايزني أموت علشان يرث الشقة". وانتهت قصة منى بالطلاق، لكن النهاية لم تكن عادلة، فتنازلت عن حقوقها، وتحملت بنفسها تكاليف إنهاء الزواج، فقط لتستعيد بيتها وتغلق هذا الفصل المؤلم.

ومثل منى، خرجت مروة وبسنت مثقلتين بخسارات لم يصنعها المرض وحده، وإنما ذلك التبدل القاسي في مصائرهما، وسط نظرة لم تمنحهما حنانًا كافيًا، أو تسمح له بالمرور في أكثر اللحظات احتياجًا إليه. هنا، لم يعد تصنيف المرض وسبل علاجه يشمل نوع السرطان أو مدى قدرته على الانتشار، وإنما يشمل مريضة تواجه خوفها الطويل بدعم المحبين، وأخرى تترك فريسة لوحدة قد تلتهمها قبل أن يرهقها العلاج. في تلك الرحلات، لم يكن السرطان مرضًا ينهك الجسد فقط، وإنما اختبارًا يعرّي هشاشة كثير من العلاقات حين تصبح المحبة امتحانًا حقيقيًا لا يحتمله الجميع.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة