شقة العمر.. أقرب على الورق وأبعد من باب العمارة

يبحث أحمد عماد حسين (28 عامًا)، منذ عامين، عن مكان يبدأ فيه حياته مع الفتاة التي يريد الارتباط بها، لكن بحثه هذا صار، مع مرور الوقت، أكبر ما يعيقه عن الزواج، خصوصًا أن دخله يبلغ نحو 7 آلاف جنيه شهريًا، يذهب منهم نحو 2500 جنيه للمواصلات و3 آلاف جنيه للجمعية، فلا يتبقى له سوى 1500 جنيه لينفق منها على سائر احتياجاته والتزاماته.

بدا له في البداية أن مشروعات محدودي الدخل قد تكون أقرب طريق إلى امتلاك شقة، بعدما أخبره أحد أصدقائه أن سعر الوحدة كان يدور حول 400 ألف جنيه بفائدة ميسرة، غير أن البحث الفعلي صدمه بأرقام مختلفة تمامًا، يقول لـ"فكر تاني" إن "أقل شقة النهاردة كاش بتعدي المليون جنيه، والفائدة اللي كانت 5% بقت 8%".

رغم ذلك لم يتوقف الأمر عند ارتفاع السعر، فحين اتجه إلى البحث عن التمويل العقاري بعيدًا عن برامج الإسكان المدعوم، اصطدم كذلك بتكلفة الفائدة، لينتقل من سؤال "هجيب الشقة منين؟" إلى حيرة أكبر تتعلق بقدرته على الاستمرار، يقول أحمد "مش عارف أخد قرار"، وهو يجد نفسه بين دفع مقدم لشقة لا يعرف إن كان سيتمكن من استكمال تكلفتها، وبين التزام طويل الأجل قد يصعب عليه التعامل معه إلى جانب مصاريف الزواج وتجهيز المنزل.

ومع ضيق الخيارات، لم تعد الشقة التي كان يتخيلها في البداية نفسها التي يبحث عنها الآن، فقد أصبح مستعدًا للتخلي عن غرفة من الغرف الثلاث، والاكتفاء بوحدة من غرفتين باعتبارها الحد الأدنى الذي يستطيع البحث عنه، ومع ذلك، لم تحسم هذه التنازلات المشكلة، إذ دفعته الحسابات في النهاية إلى تأجيل الزواج لأجل غير مسمى، حتى لو وجد شقة، لأنه لا يعرف هل سيتمكن من تحمل الأقساط، وفي الوقت نفسه تجهيزها وشراء الأثاث وتغطية بقية التزامات بداية الحياة.

السكن أول العقبات

وإذا كان أحمد يؤجل البداية لأن الوصول إلى الشقة نفسها أصبح صعبًا، فإن محمد (34 عامًا)، واجه مشكلة أخرى حين بدأ المسار ذاته لتأمين مسكن الزوجية، فقد تزوج منذ نحو عام، موقنًا بأن امتلاك شقة يتجاوز قدرته المالية، فلم يكن أمامه سوى اللجوء إلى الإيجار، يقول لـ"فكر تاني" إنه "معنديش مدخرات.. ومش عندي إمكانية للتمليك".

لكن الإيجار، الذي بدا حلًا لمعضلة التملك، لم يكن قليل التكلفة، إذ يستهلك حاليًا نحو 60% من دخله الشهري البالغ 7 آلاف جنيه أيضًا، ومع هذا العبء، لا يرى محمد أن ما يدفعه يتحول في النهاية إلى شيء يمتلكه، كما لم يتمكن من ادخار المبلغ الذي يحتاجه مقدمًا للشراء، فلم يعد السؤال بالنسبة إليه ما إذا كان يفضل التملك أم الإيجار، وإنما كيف يستطيع أصلًا تحمل تكلفة أي منهما.

وبين شاب يؤجل الزواج لأنه لا يستطيع الوصول إلى شقة، وآخر بدأ حياته الزوجية مستأجرًا ويدفع أكثر من نصف دخله مقابل السكن، تتضح مشكلة تتجاوز مجرد ارتفاع أسعار العقارات، لتطال الطريقة التي يستطيع بها الشباب بدء حياتهم وتوزيع دخولهم والتخطيط لمستقبلهم.

المشكلة ليست في عدد الشقق فقط

ولعل ذلك ما يوضح أن أزمة السكن ليست نقصًا في عدد الوحدات، خصوصًا أن خريطة العمران في مصر تغيرت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، مع التوسع في المدن الجديدة ومشروعات الإسكان المختلفة.

وتظل بيانات تعداد 2017 آخر قاعدة شاملة تقيس المخزون السكني على مستوى الجمهورية، إذ بلغ عدد الوحدات السكنية العادية وقتها نحو 41.4 مليون وحدة، بينها نحو 11.8 مليون وحدة شاغرة أو مغلقة، وفق قراءة الدكتور عبد الفتاح عاشور، أستاذ جغرافيا العمران بجامعة القاهرة، الذي يرى أن جوهر المشكلة لا يتمثل في العدد وحده، وإنما في نوعية الوحدات والفئات التي تستهدفها ومواقعها، مضيفًا أن الاستناد إلى أرقام 2017 لا يعني أن المخزون الحالي ما زال كما هو، إذ يرصد الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء سنويًا الوحدات التي يتم تنفيذها، وإن كانت هذه البيانات لا تمثل تعدادًا جديدًا لإجمالي المخزون.

وتُظهر أحدث نشرة إسكان منشورة للجهاز عن عام 2023/2024 تنفيذ نحو 158.9 ألف وحدة سكنية، منها 82.7 ألف وحدة نفذها القطاع الحكومي والعام وقطاع الأعمال العام، و76.2 ألف وحدة نفذها القطاع الخاص، كما بلغ إجمالي الوحدات المنفذة ضمن مشروع الإسكان الاجتماعي "المليون وحدة" نحو 626.9 ألف وحدة، وفق بيانات الجهاز، فيما تستهدف الدولة، وفق خطة العام المالي 2025/2026، تشييد نحو 310 آلاف وحدة سكنية جديدة، بينها 285 ألف وحدة إسكان اجتماعي و11.5 ألف وحدة إسكان متوسط و13.5 ألف وحدة ضمن "سكن لكل المصريين".

فرغم أن حجم المعروض وتوزيعه تغير بالفعل، يظل السؤال قائمًا عن مكان هذه الوحدات وأسعارها ومدى قدرة الشباب على الوصول إليها، ويرى الدكتور عاشور أن ارتفاع عدد الوحدات لا يحسم أزمة السكن وحده، لأن جزءًا كبيرًا من المشكلة يرتبط بعدم التوافق بين نوع الوحدة ودخل الفئة التي تبحث عنها، إلى جانب تركز جانب من المعروض في شرائح سعرية لا تناسب محدودي ومتوسطي الدخل، وهو ما تقدم تجربة أحمد صورة عملية له، فقد اضطر مع ارتفاع الأسعار إلى تقليص المساحة وعدد الغرف، بعدما تخلى عن الشقة التي كان يتخيلها واكتفى بما يستطيع تحمل تكلفته.

الإيجار.. حل مؤقت بتكلفة دائمة

وتكشف تجربة محمد، الذي فضّل عدم ذكر اسمه الكامل، أن نظام الإيجار الجديد، رغم ما قد يمنحه من مرونة أكبر للشاب في بداية حياته، لا يوفر له بالضرورة استقرارًا طويل الأجل، خاصة مع ارتفاع قيمة الإيجارات وتغيرها بمرور الوقت، ولا يتوقف الحساب عند قيمة الإيجار نفسها، فموقع الوحدة يدخل كذلك في التكلفة، وقد يعني السكن الأرخص في منطقة بعيدة مصروفات أكبر على المواصلات ووقتًا أطول للوصول إلى العمل، بما يجعل "سعر الشقة" أو "قيمة الإيجار" جزءًا واحدًا فقط من تكلفة السكن الفعلية.

ويتقاطع ما عايشه مع ما يخلص إليه تحليل حديث لـ"ديوان العمران"، الذي يشير إلى أن السكن الملائم لا يعني مجرد وجود وحدة، وإنما قدرة الفرد على تحمل تكلفتها دون التضحية باحتياجات أساسية أخرى مثل الغذاء والصحة والتعليم والنقل، كما يربط التحليل بين ارتفاع تكلفة السكن وفجوة الدخل بين النساء والرجال، بما يجعل الوصول إلى مسكن ملائم أكثر صعوبة بالنسبة للنساء ذوات الدخول الأقل.

فعند هذه النقطة، لا تعود المشكلة محصورة في أن المواطن لا يملك شقة، وإنما في أن البدائل المتاحة أمامه قد تستهلك جزءًا كبيرًا من دخله، سواء اختار الإيجار أو التملك.

التمويل يفتح باب التملك.. ويغلقه بقسط طويل

واختار محمد مصطفى، البالغ حاليًا 36 عامًا، طريقًا مختلفًا، فقبل أكثر من 10 سنوات، كان أمامه هدف واضح هو الزواج، لكنه لم يكن يملك المبلغ الذي يمكنه من شراء شقة نقدًا، وفي عام 2016 تقريبًا، ومع طرح وحدات ضمن برامج الإسكان، وجد في التمويل العقاري فرصة لم تكن متاحة له بغير ذلك، فلم يكن معه سوى جزء من مقدم الوحدة، فاستدان الجزء المتبقي، ودخل نظام التمويل العقاري على أمل أن يوفر له القسط الممتد لسنوات طويلة فرصة امتلاك المسكن الذي يحتاجه لبدء حياته الزوجية.

في ذلك الوقت، كانت تكلفة الشقة في حدود 280 إلى 300 ألف جنيه تقريبًا، بحسب تقديره، بينما أصبح القسط الشهري يمثل حاليًا نحو 10% فقط من دخله بعدما ارتفع راتبه على مدار السنوات، وكان التمويل بالنسبة إلية مرتبطًا مباشرة بقرار الزواج، إذ لم يكن يتصور أن يبدأ حياته الزوجية من دون أن يكون لديه مكان مستقل.

غير أن السنوات التالية كشفت له جوانب لم تكن حاضرة في حساباته وقت الشراء، فالوحدة، رغم كونها 3 غرف، لم تكن بالمساحة التي كان يتوقعها، حتى إنه يصفها قائلًا "مساحات الشقق حاجة قذرة والله العظيم".

ومع ذلك، يرى محمد أن امتداد التمويل لسنوات كان في ذلك الوقت ما جعل الشراء ممكنًا بالنسبة إليه، لأن دخله لم يكن يسمح بقسط مرتفع، وفي تجربته يظهر وجهان للتمويل طويل الأجل، فقد أتاح امتلاك مسكن لشخص لم يكن يملك ثمنه، وفي الوقت نفسه أبقاه مرتبطًا بالتزام يمتد لعقدين كاملين.

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن سوق التمويل العقاري في مصر شهد توسعًا كبيرًا خلال السنوات الماضية، إذ ارتفعت قيمته من نحو 132 مليون دولار في 2014 إلى 2.2 مليار دولار في 2026، بينما مكن برنامج التمويل الإسكاني الشامل أكثر من 693 ألف أسرة منخفضة الدخل من الحصول على دعم للسكن، غير أن نمو التمويل لا يعني بالضرورة أن الوحدة أصبحت في متناول الجميع، لأن حجم التمويل الذي يمكن الحصول عليه يظل مرتبطًا بالدخل وقيمة المقدم وقدرة الأسرة على تحمل القسط.

القسط.. المشكلة التي تبدأ بعد شراء الشقة

ولعل هذا ما يكشف طبقة أخرى من الأزمة، تتعلق بما يحدث بعد الوصول إلى الوحدة نفسها، يقول أيمن عبد الحميد، العضو المنتدب لشركة الأولى للتمويل العقاري، لـ"فكر تاني" إن الحصول على وحدة سكنية أصبح أكثر صعوبة لمختلف شرائح الدخل مقارنة بما كان عليه الوضع قبل 3 إلى 5 سنوات، في ظل ارتفاع أسعار العقارات بنسب تراوحت في بعض المناطق بين 100% و300%.

ولم تزد صعوبة الشراء مع ارتفاع أسعار الوحدات فقط، إذ أشار عبد الحميد إلى أن متوسط قيمة التمويل العقاري ارتفع حاليًا إلى نحو 3.5 مليون جنيه، مقابل أقل من 2.4 مليون جنيه خلال العام الماضي، وفقًا لتقارير الهيئة العامة للرقابة المالية.

وتصبح المشكلة أكثر وضوحًا حين تتحول قيمة الوحدة إلى قسط شهري، ويوضح عبدالحميد أن كل 100 ألف جنيه تمويل عقاري على 10 سنوات، خارج المبادرات، يعادل قسطًا شهريًا يقارب 2.2 ألف جنيه، ما يعني أن تمويل مليون جنيه يصل قسطه إلى نحو 22 ألف جنيه شهريًا، وبحسب عبدالحميد، فإن الحصول على تمويل بقيمة مليون جنيه في ظل مستويات الفائدة الحالية يتطلب دخلًا شهريًا يقارب 45 ألف جنيه حتى يتمكن العميل من تحمل القسط، لهذا السبب، لا تبدو إطالة فترة السداد حلًا كافيًا، إذ يخفض مد أجل التمويل القسط بدرجة محدودة، لكنه يرفع في المقابل إجمالي تكلفة الفوائد التي يتحملها العميل.

ويضع إيهاب عمر، العضو المنتدب لشركة "قسطلي" للتمويل العقاري، هذه القدرة في إطار رقابي ومالي أكثر اتساعًا، فالنسبة المسموح بها رقابيًا للقسط تصل إلى 50% من دخل العميل في التمويل العقاري غير المصرفي، بينما تبلغ النسبة المشار إليها للأقساط العقارية ضمن قواعد عبء الدين المصرفي نحو 40%.

غير أن عمر يرى أن الحد الرقابي لا يمثل بالضرورة النسبة الآمنة للأسرة، ويعتبر أن تخصيص 25% إلى 30% من صافي الدخل المنتظم لقسط السكن أكثر أمانًا، ويمكن أن تصل النسبة إلى نحو 35% في حال استقرار الدخل وعدم وجود التزامات كبيرة أخرى، أما الاقتراب من مستويات 40% أو 50%، فيعني من وجهة نظره أن جزءًا كبيرًا من دخل الأسرة أصبح موجهًا للسكن على حساب نفقات أخرى مثل التعليم والصحة والمواصلات والغذاء والطوارئ والادخار.

فلا يجب أن يكون السؤال الأهم بالنسبة إلى الأسرة "هل أستطيع دفع القسط هذا الشهر؟"، وإنما "هل أستطيع دفعه لسنوات دون أن يتحول أي ظرف طارئ إلى أزمة؟"، وتظهر هذه المعادلة بوضوح مرة أخرى في تجربة محمد، الذي يذهب نحو 60% من دخله إلى الإيجار، بينما لم يتمكن من ادخار مقدم لشراء وحدة، ليظل بين تكلفة إيجار لا تتحول إلى ملكية وتملك لا يرى أنه قادر على تحمله حاليًا.

الأسعار سبقت الدخول.. والطلب يبحث عن الأرخص

ومع ارتفاع الأسعار وتكاليف التمويل، لم يعد التغيير مقتصرًا على طريقة الدفع، وإنما وصل إلى مواصفات الوحدة نفسها، فالمشتري أصبح أمام خيارات محدودة، من بينها مساحة أصغر أو منطقة أبعد أو وحدة إعادة بيع بدلًا من الجديدة أو فترة سداد أطول لتقليل قيمة القسط الشهري، وهو ما تعيد تجربة أحمد إلى الصورة فيه، إذ بدأ بالفعل في تقليص مواصفات الوحدة التي يبحث عنها، وأصبح مستعدًا للتخلي عن غرفة من الغرف الثلاث والاكتفاء بشقة من غرفتين.

ويرى إيهاب عمر أن خفض مواصفات المسكن ليس مشكلة في حد ذاته، مشيرًا إلى أن الإنسان يمكن أن يبدأ بوحدة تتناسب مع احتياجاته وقدرته الحالية، ثم ينتقل إلى مستوى أفضل مع تحسن دخله وتغير احتياجات أسرته، غير أن المشكلة، من وجهة نظره، ترتبط بثقافة "شقة العمر"، التي تجعل الشاب يتعامل مع أول وحدة يشتريها باعتبارها المنزل الذي سيعيش فيه طوال حياته، وهو ما يرفع سقف متطلبات الشراء ويجعل الدخول إلى سوق التملك أكثر صعوبة، لذلك يقترح مفهوم "سلم التملك"، أي أن يبدأ الشخص بالوحدة التي يستطيع تحمل تكلفتها اليوم، ثم ينتقل إلى مستوى أفضل مع تطور دخله واحتياجات أسرته.

ويقرأ الدكتور أحمد أنيس، رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية لخبراء التقييم العقاري، هذه الضغوط من زاوية العلاقة بين الأسعار والدخل، فهو يرى أن ارتفاع أسعار العقارات خلال السنوات الأخيرة سبق نمو دخول الأفراد بشكل واضح، ما أضعف قدرة المواطنين على شراء الوحدات السكنية، ويضيف أن التضخم وارتفاع سعر الصرف أضعفا القوة الشرائية للمواطن، في الوقت الذي أصبحت فيه تكلفة السكن تستحوذ على جزء أكبر من دخل الأسرة مقارنة بالماضي.

وتنعكس هذه الضغوط، بحسب أنيس، على قدرة الأسر على تدبير احتياجاتها الأخرى، في ظل ارتفاع تكلفة المعيشة وتراجع المساحة المتاحة من الدخل بعد تحمل نفقات السكن، بما يؤثر بدوره على قرارات الزواج والإنجاب والادخار ومستوى المعيشة.

ويربط محمد إبراهيم عبد الواحد، رئيس شركة "أوفر فيو" للتسويق العقاري، من داخل السوق العقارية، التحولات الحالية بارتفاع تكلفة الحصول على الوحدة وتراجع السيولة المتاحة لدى المشترين، بحيث أصبح السعر عاملًا أكثر حسمًا في قرار الشراء، ويقول عبد الواحد إن مواصفات الشقة التي يبحث عنها المواطن لم تتغير بصورة جوهرية، وإنما أصبحت الأسعار غير متناسبة مع قدرة شريحة كبيرة من المشترين، ما أدى إلى تراجع السيولة وتحول جزء من الطلب إلى وحدات ومناطق أقل تكلفة.

وبدأ الطلب يتحرك تدريجيًا نحو المناطق الأقل تكلفة مع ارتفاع الأسعار، بعدما أصبحت بعض المناطق التي كانت تستقطب شريحة واسعة من المشترين، مثل القاهرة الجديدة والتجمع ومدينة الشيخ زايد، أكثر صعوبة بالنسبة لمحدودي ومتوسطي الدخل، كما شهد السوق توسعًا في أنظمة التقسيط التي تمتد إلى 10-15 عامًا، وهو ما يعكس محاولة المطورين الحفاظ على القدرة الشرائية للعملاء في مواجهة ارتفاع الأسعار، لكنه يطيل في الوقت نفسه فترة التزام المشتري.

ويرى عبد الواحد أن استمرار الأسعار في الارتفاع بوتيرة أسرع من قدرة المشترين على الدفع قد يدفع السوق إلى مرحلة من التصحيح أو الركود، مع انتقال مزيد من الطلب إلى الشرائح والمناطق الأقل سعرًا.

شقة موجودة.. لكن لمن؟

تبدو التجارب الثلاث مختلفة في تفاصيلها، كما تتزايد أرقام التمويل والوحدات الجديدة، لكن الخيط الذي يجمعها واحد، فوجود الشقة لا يعني بالضرورة قدرة المواطن على الوصول إليها.

فأحمد يؤجل الزواج لأنه لا يستطيع تحمل تكلفة الشراء، ومحمد بدأ حياته الزوجية مستأجرًا بعدما أصبح التملك خارج قدرته المالية، بينما مكن التمويل مصطفى من امتلاك مسكنه، لكنه أبقاه مرتبطًا بالتزام طويل الأجل.

وتؤكد هذه المسارات الثلاثة أن اتساع مخزون الوحدات والمشروعات السكنية والمدن الجديدة لم يغلق بعد الفجوة بين مكان هذه الوحدات وأسعارها من جهة، ودخل الشخص الذي يحتاج إليها من جهة أخرى.

ولعل ذلك ما تكشفه تجربة مصر خلال السنوات الأخيرة، إذ لم تعد أزمة "شقة العمر" مجرد أزمة نقص في عدد الوحدات، أو مجرد أزمة تمويل عقاري، وإنما أزمة قدرة على الوصول إلى السكن المناسب وتحمل تكلفته دون أن يلتهم الجزء الأكبر من دخل الأسرة أو يؤجل بداية حياتها.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة