بين جدران القاعة التي ضجت طويلًا بمطالبات الحضور، وتحت وطأة أزمة اقتصادية لا تخطئها عين، كسر الدكتور مصطفى مدبولي انقطاعًا طويلًا عن الوقوف تحت قبة البرلمان، لكنه ظهوره لم يأت هذه المرة بروتوكوليًا، وإنما استجابة متأخرة لضغوط نيابية طالبت بوضع النقاط على الحروف.
وفي الجلسة العامة، التي انعقدت بمقر البرلمان اليوم، تلا مدبولي بيانه عن الأزمة الراهنة وإجراءات الحكومة، وافيًا بوعده الذي قطعه على نفسه في لقائه برؤساء الهيئات البرلمانية للأحزاب الممثلة في المجلس قبل نحو ثلاثة أسابيع، الذي شاركت فيه أحزاب المعارضة "اضطراريًّا"، بعدما أعلنت مقاطعتها وتمسكها بالأسس الدستورية والبرلمانية وحضور مدبولي لمقر المجلس.
غياب طويل
ظهر مدبولي اليوم، بعد انقطاع نحو عام ونصف، منذ أخر زيارة له إلى البرلمان في يوليو 2024، حين ألقى بيان الحكومة التي شكلها في 3 يوليو، لعرض برامجها وخطتها على النواب، وهي زيارة لم تكرر رغم مطالب رؤساء الهيئات البرلمانية بحضوره، إذ سبق وطالب النائب المعارض ضياء الدين داود، بحضور رئيس الوزراء عدة مرات خلال مناقشات مختلفة، سواء للموازنة العامة للدولة، أو الحساب الختامي، أو القروض، وغيرها من الموضوعات الحيوية المرتبطة تحديدًا بالأزمة الاقتصادية.
وتطرق داود في آخر كلماته، في الجلسة العامة التي انعقدت قبل عيد الفطر بأيام، إلى أزمة استمرار غياب مدبولي، وألمح إلى استنكاره اجتماع رؤساء الهيئات البرلمانية معه في مجلس الوزراء، وأشار خلال الجلسة، التي وافق فيها المجلس على اتفاقيات قروض ومنح، إلى غياب التمثيل الحكومي، وقال: "عايزين نبني ثقة إننا برلمان جاد وحقيقي، وبدلًا ما تستدعي الحكومة البرلمان إليها، ولسنا ضد التفاهمات واللقاءات التشاورية لكن لما الاستحقاق الدستوري يتحقق"، متمسكًا بضرورة حضور الحكومة للمحاسبة والتشاور والنقاش، واستنكر ما وصفه بحالة "الترفع" الحكومي عن الحضور للبرلمان، وأضاف ساخرًا "على اعتبار عايزين نملي عينينا برؤيتهم، ده علشان يبدو أننا أمام رقابة حقيقية".
ماذا وفرت خطة ترشيد الاستهلاك؟
جدد مدبولي الحديث عن الأزمات العالمية والإقليمية التي تؤثر على الأوضاع الاقتصادية في دول العالم، وفي القلب منها مصر، وتطرق لعدد من النقاط المرتبطة بالطاقة وسعر الصرف التي تؤدي عادة إلى أزمات مباشرة متعلقة بالتضخم وارتفاع الأسعار، معلنًا أن الحكومة تتعامل معها باعتبارها أزمة ممتدة، يصعب الجزم بتوقيت انتهائها في ظل تعقيد وتشابك الأوضاع الإقليمية والدولية. وقال "بل إننا نُدرك أن انتهاءها -حتى وإن تحقق من الناحية الشكلية- لا يعني بالضرورة زوال آثارها، التي من المرجح أن تستمر تداعياتها الاقتصادية لفترة تمتد على الأقل حتى نهاية العام الجاري".
وأشار إلى أنه في حال استمرار الحرب، فإنه من المتوقع أن يرتفع سعر برميل النفط إلى 150 دولارًا للبرميل، بعدما تراجع مؤخرًا إلى 95 دولارًا.
أما خطة ترشيد الاستهلاك وقرارات الحكومة الخاصة بخفض الإنارة، والعمل عن بعد، وإغلاق المحلات الذي كان في التاسعة مساءً ثم امتد إلى الحادية عشرة مساءً، فقال مدبولي إنها "تحت التقييم لدراسة حجم الوفر الذي حققته، وإن كانت المؤشرات الأولية لها تشير إلى تحقيق وفر خلال الأسبوع الأول بلغ 18 ألف ميجاوات/ساعة، ووفر في الوقود بلغ 3.5 مليون متر مكعب، ووفر في يوم العمل عن بعد بلغ 4700 ميجاوات/ساعة، و980 ألف متر مكعب وفرًا في الوقود".
التبشير بالطاقة المتجددة
في ظل أزمة الطاقة، تحدث مدبولي عن العمل على خفض الاعتماد على الوقود التقليدي في توليد الكهرباء، والتوسع في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، وكشف في كلمته عن الوصول إلى 9366 ميجاوات من الطاقة المتجددة في 2025، مشيرًا إلى العمل على إضافة 2500 ميجاوات في العام الجاري 2026.
وأعلن مدبولي العمل أنه بحلول عام 2028، سيكون الاعتماد على نحو 45% من إجمالي إنتاج طاقتنا من مصادر طاقة متجددة، في إطار السعي للتحول لمركز إقليمي للطاقة الخضراء، منوهًا إلى أن تحقيق ذلك سيؤدي لوفر يصل إلى 7 مليارات دولار سنويًّا من استيراد الغاز اللازم لمحطات الكهرباء التقليدية.
كشف مدبولي خطته، لكنه لم يبين طبيعة الخطوات التي يتبعها لتحقيق هذا الهدف!
وفي سياق متصل أشار رئيس الوزراء إلى تأمين السلع الأساسية والاستراتيجية، كما أشار إلى قرار برفع قيمة الأجور بالموازنة العامة للدولة للعام المالي القادم 2026/2027 بنسبة 21% زيادة عن العام السابق، ورفع الحد الأدنى للأجور ليصل إلى 8000 جنيه شهريًّا بتكلفة تقديرية إجمالية تتجاوز 100 مليار جنيه بدءًا من أول يوليو، مع إقرار علاوة دورية 12% للموظفين المخاطبين بقانون الخدمة المدنية و15% لغير المخاطبين بالقانون، إلى جانب دعم خاص للمعلمين والعاملين في قطاع الصحة.
ماذا بعد حضور رئيس الوزراء؟
لم يكن حضور مدبولي مطلبًا ساميًا في حد ذاته، ولا يحقق المرجو من تفعيل دور البرلمان الرقابي، لكن مثول مدبولي ببيانٍ أمام البرلمان اليوم مكونٍ من 30 ورقة، يعد خطوة شكلية دستورية أساسية، لن تكتمل من ناحية الموضوع إلا بدراسة بيانه وبدء المناقشة والمساءلة الرقابية في محتواه وخططه وإجراءاته.
وتبدأ هذه الخطوة بقرار رئيس مجلس النواب، المستشار هشام بدوي، بإحالة بيان رئيس مجلس الوزراء إلى اللجان النوعية لدراسته، وهو الإجراء المتعارف عليه لائحيًّا ودستوريًّا. والكرة الآن في ملعب النواب وقدراتهم على الدفع بأدوات رقابية تُفَعّل لتكشف مزيدًا من الخطط لتحقيق أهداف الحكومة، أو تُراجع إجراءات وسياسات قد تكون غير فاعلة.
اقرأ أيضًا: يوميات صحفية برلمانية | "التصالح على الإشعاع".. هل أصبحت الجرائم النووية مجرد "مخالفة بفلوس"؟ | فكر تانى

تمرير التصالح على الأنشطة النووية
كنا قد كتبنا في حلقة سابقة من يوميات صحفية برلمانية عن موافقة المجلس على مجموع مواد مشروع تعديل قانون الأنشطة النووية والإشعاعية، على أن تُجرى الموافقة النهائية في جلسة اليوم، وهو ما اعتبرته حينها فرصة لمراجعة المادة 110 التي تجيز التصالح على بعض الأنشطة التي قد تؤدي إلى مخاطر.
وانتهز النائبان أحمد بلال، عضو المجلس عن حزب التجمع، ومحمود سامي الإمام، رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، فرصة هذه المدة الزمنية لجمع توقيعات على طلبات إعادة مداولة بشأن هذه المادة التي تجيز لرئيس مجلس إدارة هيئة الرقابة على الأنشطة النووية والإشعاعية، التصالح في الجرائم المنصوص عليها بالمواد أرقام 105، و106، و107، و108 من هذا القانون، في أي حالة كانت عليها الدعوى بشرط إزالة أسباب المخالفة، وذلك قبل إحالة الدعوى الجنائية إلى المحكمة المختصة مقابل أداء مبلغ للهيئة لا يقل عن الحد الأدنى ولا يجاوز الحد الأقصى للغرامة المقررة، أو بعد إحالة الدعوى الجنائية إلى المحكمة المختصة وقبل صدور حكم بات فيها مقابل أداء مبلغ لا يقل عن ضعف الحد الأدنى ولا يجاوز الحد الأقصى للغرامة المقررة، أو بعد صدور الحكم البات مقابل أداء مبلغ لا يقل عن الحد الأقصى ولا يجاوز مثلي الحد الأقصى للغرامة المقررة.
ويتبين أن هذه المواد تنص على عقوبات بشأن مخالفات وجرائم ترتبط بالأنشطة النووية والإشعاعية. فعلى سبيل المثال، تنص المادة 105 على أن يُعاقب بالسجن المشدد وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز خمسة ملايين جنيه، كلُّ من قام بالعبور الجوي أو بالمرور البري أو البحري، بالمخالفة للمادة 57 التي تحظر العبور البري أو الجوي أو البحري للمواد أو النفايات المشعة أو وسائل النقل التي تحملها، بغير موافقة الهيئة.
وكانت المفاجأة اليوم برفض المجلس إعادة المداولة، فلم يقبل النواب الطلبين الموقعين من نحو 40 نائبًا. رفض المجلس إعادة المداولة من حيث المبدأ، وليس فقط رفض التعديل على المادة، ووافق المجلس نهائيًّا على مشروع القانون.
وبينما غادر رئيس الوزراء القاعة ببيان يمزج بين الوعود الرقمية لعام 2026 وبين التحذير من سيناريوهات النفط القاتمة، يبقى السؤال الحقيقي، هل سينجح النواب في تحويل الـ 30 ورقة إلى خطة عمل تخضع للمساءلة، أم أن الموافقة النهائية التي مُنحت لقانون الأنشطة النووية رغم الاعتراضات، هي المؤشر الحقيقي لشكل العلاقة بين السلطتين في المرحلة المقبلة؟