بتسعيرة أعلى من الفيلات.. العداد الكودي يُجبر المواطن على تمويل كهرباء "الهاي كلاس"

أصبح أحمد رشدي، الذي يتقاضى معاشًا لا يتجاوز 3600 جنيه شهريًا، مجبرًا على تخصيص 30% من دخله لدفع فواتير العداد الكودي لشقته السكنية، بعد قرار وزارة الكهرباء الأخير برفع التسعيرة.

ورفعت الوزارة أسعار استهلاك العدادات الكودية بنسبة 28% دفعة واحدة ومن دون سابق إنذار، ليرتفع سعر الكيلووات من 2.14 جنيه إلى 2.74 جنيه، مستندة إلى حجة أن هذه العدادات تابعة لوحدات في مناطق غير مرخصة أو مخالفة، وأدخلت على شبكة الكهرباء بشكل مؤقت لحين تقنين أوضاعها، لكن رشدي يرى  إن قرار الكهرباء لا يتسق مع الواقع فليس كل العقارات التي توجد بها عدادات كودية بمناطق مخالفة، قائلًا "بالنسبة للعمارة السكنية التي أقطن فيها فهي مرخصة لكن المقاول رفض توصيل الكهرباء رغم حصوله على تكلفة المرافق وقت توقيع العقود، واعتمد في توصيل التيار على نظام الممارسة لمدة وصلت لـ20 عامًا قبل إلغائها في 2024".

ولا تقتصر هذه المعاناة على حالة رشدي وحده، ففي كثير من العقارات السكنية بالقاهرة لجأ المقاولون على مدار عقود لسرقة التيار من أقرب كشك تغذية، وهي مشكلة لم يعرف بها القاطنون إلا بعد الإقامة وتعرضهم لحملات التفتيش المفاجئة من مباحث الكهرباء، مما دفعهم لتوفيق أوضاعهم لاحقًا عبر دفع ما يُعرف بـ"الممارسات".

ويضيف رشدي موضحًا حجم الأزمة "المقاول الذي تعاملت معه لديه 20 برجًا ولم يوصل التيار لأي منها، وبينه وبين القاطنين عشرات الدعاوى القضائية، التي حُكم فيها لصالحهم لكنه اعتاد على السجن، وفي النهاية اضطر السكان لإدخال عدادات كودية على حسابهم بعد إلغاء نظام الممارسات".

وكان نظام الممارسات المُلغى يعتمد على دفع المواطن مبلغًا يُقدر حسب استهلاك الأجهزة الكهربائية لأول مرة مع تجديده سنويًا، قبل أن يُلغى قبل عامين بمبررات وزارية تفيد بأنه يُحمل الوزارة أعباء كثيرة نتيجة تعمد الاستهلاك الكثيف.

غياب العدالة وصعوبة توفيق الأوضاع

وفي خضم هذه التغيرات، تبرز تساؤلات ملحة حول مدى العدالة في تسعير الشرائح، وهو ما يعبر عنه أحمد عبيد، وهو موظف مُحال أيضًا للمعاش يشكو من غياب المساواة قائلاً لـ"فكر تاني"، إن "صاحب العداد الكودي مواطن مصري لا يجب ذبحه لأخطاء لم يرتكبها، فيتحمل مبالغ قياسية أثناء التركيب وصلت لـ30 ألف جنيه، ويتم معاملته بسعر أعلى من شريحة الـ vip وقاطني الفيلات بالعدادات التقليدية".

وتتجلى هذه المفارقة في تثبيت وزارة الكهرباء لأسعار جميع شرائح الاستهلاك العادية، في حين رفعت فقط الشريحة الخامسة والأخيرة بنسبة 19.7% ليصل سعر الكيلووات إلى 2.79 جنيه عوضًا عن 2.33 جنيه، وهي الشريحة التي وصفتها الحكومة بـ"الهاي كلاس". ويعني هذا أن المواطن صاحب العداد الكودي، مهما كان دخله، يُحاسب بتسعيرة تزيد بنسبة 17.5% عن المواطن المنتمي للفئة الأعلى استهلاكًا. ولم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد، فقد طبقت الوزارة نظامًا جديدًا لحساب الاستهلاك في العدادات الكودية يُلغي التدرج السابق الذي كان يرفع السعر تدريجيًا من الشريحة الأولى للرابعة، ليثبت الحساب على سعر 2.74 جنيه من أول كيلووات يُستهلك.

وأمام هذا الواقع المالي الضاغط، حاول سكان العقار الذي يقطنه عبيد، والبالغ عددهم 55 أسرة، تغيير عداداتهم الكودية إلى عادية بشتى السبل، غير أنهم اصطدموا باشتراطات بالغة التعقيد، مثل إلزام العقار بالحصول على شهادة مطابقة تتطلب مبالغ ضخمة وإجراءات عسيرة. وفي ظل نمط البناء السائد في مصر، تندر العمارات المطابقة للمواصفات تمامًا، حيث يستلزم تركيب العداد التقليدي أن تكون الشقة مرخصة ومطابقة للرسم الهندسي المرفق بالرخصة من حيث البروز والمناور، وهو أمر يكاد يكون منعدمًا. وتتطلب عملية الانتقال لعداد عادي إيفاد لجنة لمعاينة المبنى من بابه إلى سطحه، وإذا ثبتت مخالفته تُفرض غرامات ويُطلب التصالح عليها، ليُصرف بعدها "نموذج 8" وخطاب توصيل مرافق يتيح تركيب عداد كهرباء شرائح عادي يحمل اسم المالك، عوضًا عن العداد الكودي الذي يحمل رقمًا لا يدل على هوية صاحبه.

تضرر الملايين وتقاطع الأزمات

يمس هذا القرار الملايين من المواطنين الذين يقطنون في 1.7 مليون وحدة سكنية وفقًا لـإحصاءات نهايات عام 2024 وبدايات 2025، في حين تستهدف الوزارة رفع هذا العدد إلى مليوني عداد بحلول منتصف عام 2026. وتعبر علياء محمود، وهي ربة منزل، عن استيائها لـ"فكر تاني" موضحة أن الزيادة طُبقت بأثر رجعي "العدادات التي رُكبت بعد 2024 كانت تدفع 2.14 جنيه للكيلو، أما العدادات الكودية الأقدم فكانت بالشرائح، ومساواة جميع العدادات في قيمة الكيلو يعتبر عقوبة للملتزمين بالتقديم". وتشاركها إحسان عبد العليم الحيرة ذاتها متسائلة "هل يُعقل أن استهلاك 500 كيلو في العداد الكودى بـ1500 جنيه وغير الكودى 600 جنيه فقط رغم أن المواطنين في النهاية واحد أمام القانون ويدفعون نفس الضريبة".

وفي هذا المشهد المعقد، يبدو المواطن الطرف الأضعف الذي يدفع ثمن تراخي المحليات. ويشرح محمد مسعود، وهو موظف بشركة خاصة، كيف يقع المشتري ضحية لهذه المنظومة، ضاربًا المثل بمالك شقة في مبنى مرخص فوجئ قبل تشطيبها بأن صاحب العقار أضاف أدوارًا مخالفة للرخصة وحول الجراج إلى محلات تجارية، وعندما أراد تركيب عداد طالبت شركة الكهرباء بالتصالح على المخالفات أو الاكتفاء بالعداد الكودي.

وتتخذ الأزمة أبعادًا أخرى على أرض الواقع، حيث يؤكد الفني الكهربائي "ع. ا" أنه تلقى خلال الأيام الماضية طلبات عدة لعمل توصيلات خلفية للأجهزة بعيدًا عن العداد، مشيرًا إلى وجود وحدات سكنية كاملة بلا عدادات ولا تُحرر لها محاضر لأسباب غير معلومة.

وعلى الجانب الرسمي، تبرر وزارة الكهرباء رفع أسعار العدادات الكودية بأنه خطوة لتقليل الفاقد وضبط الاستهلاك وتحسين كفاءة التحصيل، مع التوجه للتوسع في استخدام العدادات مسبقة الدفع والذكية مستقبلاً. وتشير بيانات الوزارة إلى أن فاقد الكهرباء يبلغ نحو 20% من الإنتاج الكلي، مع تقديرات ببلوغ الخسائر السنوية الناجمة عن السرقات حوالي 23 مليار جنيه. ولمواجهة ذلك، اتجهت الوزارة لتغليظ العقوبات عبر تعديل قانون سرقة التيار لتصل العقوبة إلى الحبس وغرامة تبلغ مليون جنيه، بالتوازي مع تسيير حملات لفرق مختصة تكشف التوصيلات غير القانونية والتلاعب.

وتثير هذه الإجراءات الحكومية تحفظات نيابية وخبراء، حيث صرح النائب عاطف مغاوري، عضو مجلس النواب، بضرورة معالجة المشكلات بين المواطنين وشركة الكهرباء قبل تغليظ العقوبات، قائلًا إن "شركة الكهرباء شركة احتكارية تقوم على تقديم الخدمة للمواطنين دون منافس تفرض أسعارها وشروطها".

ويضيف النائب، في تصريحات إلى "فكر تاني"، أن المواطن تعرض لزيادات متتالية في الفاتورة تحت مسمى رفع الدعم، في ظل غياب الشفافية حول تكلفة الإنتاج والامتيازات المالية للعاملين بالشركة، معقبًا "في دوائرنا اللي عايز يحسن من دخله يقول ياريت تعملي عقد في شركة الكهرباء لأنها تتمايز عن الجهات الأخرى لأنها خارج منظومة الخدمة المدنية". ويشير مغاوري إلى أن شريحة واسعة تعاقدت على العدادات الكودية لعدم توفر غيرها في الشركة آنذاك، مما يجعل المشكلة من صنيعة الشركة لا العميل، لافتًا إلى أن تعثر تطبيق قانون التصالح يدفع البعض لطرق غير رسمية للحصول على الكهرباء، قائلًا "يا حكومة قبل ما تفتشي في جيب المواطن فتشي في جيبك سبع مرات".

ومن منظور تنظيمي، يرى الدكتور حافظ سلماوي، رئيس جهاز تنظيم الكهرباء الأسبق، أن العدادات الكودية تستهدف العملاء الذين كانوا يعتمدون نظام الممارسة الذي يُعد بمثابة محضر سرقة تيار، معتبرًا أن هذا العداد يحقق العدالة ويمنع إضفاء صبغة قانونية على المبنى المخالف حال هدمه.

ويوضح سلماوي، في تصريحات إلى "فكر تاني"، أن الشريحة العليا تمثل 1.5% من الاستهلاك وتوفر 20% من الحصيلة، وهي فئة تتسع صيفًا بانتقال شريحة الـ 650 إليها مع تشغيل المكيفات.

وتختتم هذه المعطيات مشهدًا تتعامل فيه الحكومة مع أصحاب العدادات الكودية كمخالفين، فترفع أسعار خدماتهم بحدة دون الالتفات لمعاناتهم أو تسهيل إجراءات التصالح ورفع القيود عن العدادات مسبقة الدفع، مما قد يدفع شريحة منهم للالتفاف على القانون وسرقة التيار لتتفاقم الأزمة عوضًا عن حلها.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة