بين زحام القاهرة الخانق وتخبط قرارات المحافظين بإلغاء اليوم الدراسي بعد وصول الطلاب، حالت المسافات بيني وبين العاصمة الإدارية الأحد الماضي. لكن بينما كان الجميع منشغلاً بعبور الطرق، كان مجلس النواب يناقش تعديلات الحكومة على قانون تنظيم الأنشطة النووية والإشعاعية.
ورغم أهمية المشروع، فإن الكواليس التي استقصيتها لاحقًا كشفت أننا لسنا أمام مجرد تعديلات إجرائية، وإنما فلسفة حكومية "تصالحية" في عدد من الجرائم النووية، فهل يمكن استبدال العقوبات الرادعة في الجرائم النووية والإشعاعية بغرامات؟ وكأننا بصدد مخالفة إدارية عابرة وليست كارثة تهدد حياة وصحة أجيال.
حتى الآن، لم يخرج مشروع القانون من مجلس النواب الذي وافق على مجموع نصوصه، وأرجأ الموافقة النهائية إلى جلسة لاحقة ستُعقد في 21 أبريل الجاري، مما يعني أنه قد تكون أمامنا فرصة للخروج بصيغة أفضل تصون الحق في الحياة والحق في الصحة، وقد ينجح صوت عاقل في فتح باب المداولة من جديد، وتعديل المادة التي تجيز التصالح في الجرائم النووية والإشعاعية.
لماذا تعديل القانون؟
تقدمت الحكومة لمجلس النواب بتعديل على القانون رقم 7 لسنة 2010 بشأن تنظيم الأنشطة النووية والإشعاعية، وهو القانون الذي صدر مع تفكير النظام وقتها في ضرورة الاستثمار في الطاقة النووية لتوليد الكهرباء والحفاظ على الوقود التقليدي. ونظم القانون إنشاء هيئة الرقابة على الأنشطة النووية والإشعاعية، ووضع إطارًا تشريعيًا للاستفادة من الطاقة النووية في الأنشطة السلمية وتوليد الكهرباء، وفي الوقت نفسه ضمان حماية البيئة والأفراد من أي أخطار.
ويأتي هذا التعديل بعد أكثر من عشر سنوات على توقيع الرئيس عبد الفتاح السيسي اتفاقية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن إنشاء محطة الضبعة النووية لتوليد الكهرباء، بإجمالي قدرات 4800 ميجاوات.
وفي الوقت الذي نعاني فيه من أزمة طاقة، مع تصاعد تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وعدم الانتهاء من مشروع الضبعة حتى الآن، ناقش النواب مشروع القانون الذي تقوم فلسفته على إجراء بعض التعديلات التي تمكن هيئة الرقابة على الأنشطة النووية من عملها، وتذليل المعوقات والصعوبات التشريعية التي تواجه هيئة الرقابة النووية والإشعاعية وتعوقها عن تحقيق أهدافها.
ويوضح تقرير لجنة الطاقة والبيئة، أن من أهم هذه المعوقات والصعوبات: عمومية تعريف المنشآت الإشعاعية في القانون القائم، مما يدخل جهات تمارس أنشطة تنطوي على مصادر إشعاعية داخل هذا التعريف، في حين أنها لا تعد في حقيقتها منشآت إشعاعية، فضلًا عن عدم ملاءمة قيمة الرسم المقرر في بعض التراخيص والأذون للوقت الحالي، وعدم أحقية الهيئة في اقتضاء حقوقها باتخاذ إجراءات الحجز الإداري، مما قد يعوق تحصيل حقوقها من الغير. بالإضافة إلى عدم تجريم التصرف في المواد المشعة أو المصادر الإشعاعية المرخص بحيازتها أو إنتاجها أو تداولها دون موافقة مسبقة من الهيئة، وهو ما نتج عنه في الواقع العملي قيام بعض المرخص لهم بالتصرف في تلك المواد دون موافقة الهيئة، ودون أن تستطيع الهيئة اتخاذ الإجراءات القانونية حيال ذلك. كما يخلو القانون من آلية لمنح التراخيص للمصنعين المصريين لتصنيع الأنظمة والهياكل والمعدات ذات الصلة بأمان المنشآت النووية.
العدالة التصالحية في المخاطر الإشعاعية
عادة ما تبدو فلسفة مشروعات القوانين وأهدافها مبشرة، لكن غالبًا ما تتسلل خلف تلك النصوص المتفائلة تغييرات أخرى مربكة بل ومفزعة، وهذا تحديدًا ما تجسد في مشروع القانون الحالي الذي وافق عليه مجلس النواب في مجموعه، وبات قاب قوسين أو أدنى من الموافقة النهائية.
فخلف بريق الأهداف المعلنة، كشفت تحذيرات النائبين محمد فريد، عن حزب الإصلاح والتنمية، وأحمد بلال، عن حزب التجمع، عن مخاوف جمة، إذ حذرا من التساهل في التصالح، الذي قد يمتد ليشمل إجراءات تمس صميم سلامة المواطنين وتضع حياتهم على المحك.
وتجيز المادة 110 لرئيس مجلس إدارة هيئة الرقابة على الأنشطة النووية والإشعاعية، التصالح في الجرائم المنصوص عليها بالمواد أرقام 105، و106، و107، و108 من هذا القانون، في أي حالة كانت عليها الدعوى بشرط إزالة أسباب المخالفة، وذلك قبل إحالة الدعوى الجنائية إلى المحكمة المختصة، مقابل أداء مبلغ للهيئة لا يقل عن الحد الأدنى، ولا يجاوز الحد الأقصى للغرامة المقررة، أو بعد إحالة الدعوى الجنائية إلى المحكمة المختصة، وقبل صدور حكم بات فيها، مقابل أداء مبلغ لا يقل عن ضعف الحد الأدنى ولا يجاوز الحد الأقصى للغرامة المقررة، أو بعد صدور الحكم البات مقابل أداء مبلغ لا يقل عن الحد الأقصى ولا يجاوز مثلي الحد الأقصى للغرامة المقررة.
ويتبين أن هذه المواد تنص على عقوبات بشأن مخالفات وجرائم ترتبط بالأنشطة النووية والإشعاعية. فعلى سبيل المثال، تنص المادة 105 على أن يُعاقب بالسجن المشدد وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تجاوز خمسة ملايين جنيه كل من قام بالعبور الجوي أو بالمرور البري أو البحري، بالمخالفة للمادة 57 التي تحظر العبور البري أو الجوي أو البحري للمواد أو النفايات المشعة أو وسائل النقل التي تحملها، بغير موافقة الهيئة.
غير أن النائب أحمد بلال، طالب بإلغاء المادة 110، وقال في الجلسة العامة: "لسنا من أنصار التشدد في العقوبة، لكن عندما يتعلق الأمر بالحق في الحياة وصحة هذا الشعب فلا ينفع أبدًا التساهل في العقوبة. عندي مادة حولت جرائم نووية لمجرد مخالفات يجوز التصالح عليها".
وأضاف البرلسي: "هذه المادة تكلمني عن الجرائم النووية كأننا في خناقة يتم حلها بقعدة عرفية، ومن ارتكب الجريمة يدفع مبلغًا من المال ويخرج". ويشير النائب إلى المادة 10 التي يجوز التصالح عليها، وتجرم استيراد أو جلب أو بيع أو إنتاج مواد غذائية أو مواد أخرى تخص الاستعمال الآدمي وغير الآدمي يتجاوز مستواها الإشعاعي الحد المسموح به، وفقًا للحدود والمعايير الصادرة عن الهيئة.
يستنكر البرلسي: "بتصالح على إيه؟ على حياة الناس؟ حد يستورد مواد غذائية المستوى الإشعاعي فيها يتجاوز الحد المسموح وتقول يتصالح؟"، ويتوقف أمام النص الذي يتحدث عن إزالة أسباب المخالفة، موضحًا أن "الأضرار الإشعاعية غير مرئية أصلًا والأضرار تكون على المدى الطويل وليس القصير أو المتوسط"، وتساءل: "تعدم الشحنة؟ طب والشحنات السابقة تعمل إيه؟ والمصريين اللي كلوا أكل ملوث إشعاعيًا أتصالح عليه بمبلغ 100 ألف جنيه؟".
ويلفت إلى إمكانية التصالح على الجرائم المنصوص عليها في المادة 62 من القانون التي تشمل حيازة أو تداول أو إنتاج أو جلب مواد نووية أو مصادر إشعاعية بغير ترخيص من الهيئة، وقال: "تصالح بـ 20 ألف جنيه، يعني من حقي أجلب مواد نووية ومصادر إشعاعية وكبيرها أدفع 20 ألف جنيه".
المطلب نفسه بإلغاء المادة 110 تكرر مع النائب محمد فريد، الذي قال: "يجب أن يكون هناك رقابة شديدة وصارمة، ولا يجوز التصالح في هذه الجرائم، فهي تعاقب بالسجن المشدد فكيف يتم التصالح فيها؟".
لكن الحكومة كان لها رأي آخر، إذ قال المستشار هاني حنا، وزير المجالس النيابية، إن "المادة تتسق مع السياسة التشريعية الجنائية الحديثة التي تتوسع في العدالة التصالحية".
الملفت أن الحكومة تتجه بالفعل في مشروعات القوانين لهذه الفلسفة، لكن المذهل أنها تعامل الأنشطة النووية وجرائمها التي تخلف أضرارًا تمس الحق في الحياة، بذات الطريقة التي تتعامل بها مع جرائم الاستيلاء على التيار الكهربائي في مشروعها الجديد الذي ما زال في إطار المناقشة في مجلس النواب.
فرصة أخيرة
تمر مشروعات القوانين في مجلس النواب بعدة مراحل في أثناء المناقشات، تبدأ بالمناقشة العامة من حيث المبدأ وأخذ الموافقة المبدئية، ثم مناقشة نص المشروع تفصيلًا والموافقة على كل مادة على حدة، وبعدها يأخذ رئيس المجلس الموافقة على مجموع المواد، ثم الموافقة النهائية التي يخرج بعدها مشروع القانون من مجلس النواب ليصل محطته الأخيرة في رئاسة الجمهورية.
ويقف مشروع تعديل قانون تنظيم الأنشطة النووية والإشعاعية في مرحلة الموافقة عليه في مجموعه، إذ أخذ رئيس مجلس النواب، المستشار هشام بدوي، موافقة النواب على مجموع مواد المشروع، وأرجأ الموافقة النهائية لجلسة لاحقة، وهو ما يفتح الباب لفرصة أخيرة للتعديل.
وتتيح اللائحة الداخلية لمجلس النواب إجراء مداولة ثانية في بعض مواد مشروع القانون، بعد الموافقة على مجموعه وقبل أخذ الرأي النهائي، لكن اللائحة تشترط إجراء المداولة بعد تقديم طلب كتابي لرئيس المجلس من الحكومة، أو مقرر اللجنة أو رئيسها، أو أحد ممثلي الهيئات البرلمانية، أو عشرين عضوًا على الأقل. ويبين بالطلب المادة أو المواد المطلوب إعادة المداولة فيها وتعديلها، وأسباب ومبررات هذا التعديل، والصياغة المقترحة للمواد المطلوب تعديلُها.
الكرة الآن في ملعب النواب المعارضين لنصوص المشروع، وقدرتهم على التأثير وفتح قنوات اتصال مع الحكومة ومع الأكثرية والموالاة عمومًا، ربما تتمكن من إحداث تغيير، ودون ذلك سنصل للمحطة الأخيرة مع استمرار فلسفة العدالة التصالحية في الجرائم النووية.
اقرأ أيضًا: يوميات صحفية برلمانية| القاهرة تنام من المغرب والبرلمان يوافق على "الرفاهية" | فكر تانى
