مع نهاية شهر مارس، الذي يُحتفى فيه بدور المرأة، وتُسلط الأضواء على حقوقها عبر فعاليات متعددة محليًا وعالميًا، برز حكمان قضائيان أثارا جدلًا واسعًا حول مدى إنصاف النساء داخل المنظومة القانونية.
فقد شهدت الأيام الأخيرة من الشهر صدور حكمين في قضيتين مختلفتين، تقاطعتا في الأثر والرسالة، حيث أصدرت محكمة جنح المقطم في القضية رقم 2014 لسنة 2026، حكمًا بـبراءة المتهم في واقعة التحرش اللفظي والتعرض لأنثى، التي طالت مريم شوقي، المعروفة إعلاميًا بقضية فتاة الأتوبيس، وهو ما أثار تساؤلات عميقة عن معايير الإثبات والتعامل القضائي مع هذا النوع من الانتهاكات.
وانتهت في الوقت نفسه القضية التي أقامتها الصحفية آلاء سعد ضد أحد فنادق مدينة بورسعيد، في يناير الماضي، لمنعها من الحجز بحجة منع تسكين النساء منفردات، إلى رفض دعواها وإلزامها بالمصاريف وأتعاب المحاماة، مما فتح نقاشًا أوسع عن حدود التمييز في تقديم الخدمات وتوافق ذلك مع مبادئ المساواة.
هذان الحكمان الصادران في توقيت متزامن تقريبًا شكّلا مفاجأة للكثيرين، وطرحا تساؤلات ملحة عن مسار العدالة في القضايا المرتبطة بحقوق النساء في وقت يُفترض أن يشهد تعزيزًا لتلك الحقوق لا تراجعًا عنها. وعلاوة على ذلك بدأ المختصون في استشراف الانعكاسات المترتبة على هذه المسارات القضائية، سواء من حيث تأثيرها على الوعي المجتمعي بآليات التقاضي، أو في تحديد ملامح التعامل القانوني مع القضايا المماثلة مستقبلاً، لفهم التحديات الإجرائية التي تواجهها النساء في إثبات الوقائع أو استرداد الحقوق.
غرف ضد الدستور
في محاولة لتحديد المسار الذي تتخذه القضايا المرتبطة بالتمييز في تقديم الخدمات وتسليط الضوء على تأثيرها المستقبلي، أوضحت آية حمدي، ممثلة مؤسسة قضايا المرأة الجديدة، ومحامية آلاء سعد، أن هذه الأحكام ستؤثر بشكل مباشر على النساء وتدفعهن للعزوف عن اللجوء للتقاضي.
وأضافت أن النساء سيفضلن تجنب الضغوطات النفسية وعبارات الوصم والترهيب على المنصات الرقمية، فضلًا عن الابتعاد عن إجراءات قد تضعهن في مواجهة تهديدات مباشرة من المتهم وذويه، مما يدفعهن لاختيار حلول بديلة أسرع وأكثر فاعلية خارج المنحى القضائي. محذرة من أن هذه الحلول قد تتضمن عنفًا مضادًا، كأن تقول إحداهن "هجيب أهلي يضربوا المتحرش"، أو اللجوء لطرق غير شرعية.
وفي حديثها لـ"فكر تاني" أشارت آية حمدي إلى أن الحكم الخاص بأحقية الفندق في رفض تسكين النساء منفردات يحمل أبعادًا اقتصادية، تتمثل في اضطرار النساء للتعامل مع فنادق أعلى تكلفة، مما يكبدهن عبئًا ماديًا مضاعفًا مقارنة بالفنادق الاقتصادية التي تتكرر فيها مثل هذه المضايقات.
ومن جانبها ترى الصحفية آلاء سعد، أن التبعات المباشرة تتمثل في تمادي الفنادق في ممارساتها التمييزية الشائعة التي تعكس الهوى الشعبي السائد.
وتابعت في حديثها مع "فكر تاني" موضحة أن هذه النتائج تبدو طبيعية خاصة مع إخفاق قنوات الشكوى المعلنة التي لجأت إليها قبل خطوة القضاء على أمل أخذ شكواها بجدية، مشيرة إلى أن وزارة السياحة والآثار سبق وصرحت بإتاحة خط للإبلاغ عن هذا التمييز بعينه، لكنها عند اللجوء إليها رفضت تسجيل الشكوى من الأساس.
وأضافت آلاء أن ما حدث سيجعل مئات النساء اللاتي يتعرضن للممارسة التمييزية يوميًا يفكرن مرات عدة قبل اللجوء للقضاء لمعرفتهن المسبقة بأن الطريق الشاق مسدود، وأن الحكم يصب في صالح الفنادق رغم كل الإطار القانوني النظري الذي بدا صوريًا وداعمًا لهذا الحق الإنساني البسيط في البداية، بينما أُغلقت كل الطرق في وجهها وقت محاولة انتزاع هذا الحق.
ويتعارض هذا الواقع مع الدستور المصري الذي يحظر التمييز ضد المرأة وفقًا للمادة 11 التي تُلزم الدولة بتحقيق المساواة بين المرأة والرجل في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
كما تتوافق هذه الحماية الدستورية مع المادة 13 من اللائحة التنفيذية لقانون المنشآت الفندقية والسياحية رقم 8 لسنة 2022 التي تحظر التمييز في دخول أو إقامة المواطنين والأجانب بالمنشآت السياحية والفندقية لأي سبب، في حين تُجرم المادة 161 مكرر من قانون العقوبات الأفعال التي تُحرّض على التمييز بسبب الجنس وغيره إذا ترتب عليها إهدار لمبدأ تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية.
اقرأ أيضًا: تاء فاعلة| حين تُصلب النساء على خشبة التمييز والوصم | فكر تانى

قوانين التهديد
ويوضح المحامي أحمد أبو المجد، أن الأحكام الصادرة في قضيتي مريم شوقي وآلاء سعد تُخلف آثارًا نفسية وقانونية مباشرة على النساء، تمتد أبعد من أطراف النزاع بغض النظر عن ملابسات كل قضية، مساهمة إما في تعزيز الثقة بمنظومة العدالة أو في تقويضها.
وقال لـ"فكر تاني" إنه عندما تُفهم الأحكام على أنها غير منصفة، يتزايد التردد والخوف لدى النساء من الإبلاغ عن وقائع العنف أو الانتهاكات، ليتحول القانون في الإدراك المجتمعي من أداة للحماية إلى مصدر محتمل للتهديد، لا سيما في القضايا المرتبطة بالعنف أو العلاقات الشخصية، وهو أثر يتأكد، حسب قوله، بفعل التغطية الإعلامية المصاحبة التي قد تُكرس لخطاب لوم الضحية أو التشكيك في سلوكها مما يعمق فجوة الثقة في العدالة.
ووفقًا لأبو المجد تُسهم هذه القضايا في تشكيل الوعي العام بالقانون لتتحول إلى نماذج مرجعية يتساءل من خلالها الأفراد عما قد يحدث إذا أبلغوا، وهو ما ينعكس على سلوك المجتمع ككل وليس فقط على أطراف القضية. ويرى في الوقت ذاته أن هذه الأحكام تعمق حالة الاستقطاب المجتمعي بين من يراها تطبيقًا سليمًا للنصوص ومن يعدها انعكاسًا لقصور تشريعي أو غياب للمراعاة الاجتماعية، غير أن هذا الاستقطاب يفتح مساحة ضرورية للنقاش العام حول العدالة الجندرية ويعيد طرح قضايا مهمشة إلى دائرة الضوء.
أيقونات ضلت طريقها في مسار العدالة
وترى مي صالح، استشارية تدريب النوع الاجتماعي ومديرة برنامج النساء والعمل والحقوق الاقتصادية في مؤسسة المرأة الجديدة، أن قضيتي مريم وآلاء تحولتا إلى قضايا رأي عام، واكتسبتا طابعًا أيقونيًا كان من الممكن أن يُحدث فارقًا حقيقيًا في وعي النساء وثقتهن بالعدالة، لو بدا أن الإنصاف قد تحقق فيهما.
وتقول لـ"فكر تاني" إن هذه الإمكانية ربما بدت أكثر وضوحًا في حالة آلاء مقارنة بمريم، حيث ترتبط الأخيرة بجرائم العنف الجنسي، وهي بطبيعتها قضية معقّدة من حيث الإثبات وتحيط بها اشتراطات قانونية وإجرائية دقيقة، فضلًا عن واقع مألوف تُظهره الإحصاءات والتجارب التي تؤكد أن كثيرًا من هذه القضايا لا تنتهي إلى أحكام مرضية.
أما قضية آلاء فتتقاطع، حسب قولها، مع منظومة أوسع من الحقوق الأساسية كالحق في السكن والتنقل والمأوى، وهي قضايا يُفترض أن تحظى بدعم مجتمعي واضح، وألا تكون محل تواطؤ أو تبرير للانتهاك، ورغم ذلك لم يأتِ التفاعل المجتمعي أو القانوني ليعكس هذا الدعم المفترض.
وترى مي أنه في كلتا الحالتين لا يمكن أن يكون الاستنتاج هو دعوة النساء إلى التراجع عن الإبلاغ، مشيرة إلى أن المؤسسات الحقوقية المعنية تواجه تحديات البحث عن طرق لتعزيز فرص نجاح القضايا المشابهة مع إعادة التفكير في أدوات الدعم القانوني والمجتمعي المتاحة للناجيات.
وأوضحت وجود ثغرات قانونية وإجرائية يجري استغلالها مما يستدعي رفع الوعي بها، إلى جانب التأكيد على أهمية عناصر حاسمة كوجود الشهود والاستعانة بمحامٍ أو محامية منذ اللحظات الأولى وتوفير شبكات دعم متعددة. مشددة على أن اللجوء إلى وسائل التواصل الاجتماعي لا ينبغي أن يكون قاعدة عامة أو نقطة بداية دائمة، إنما يجب أن يكون اختيارًا ضمن استراتيجية أوسع.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أنه رغم قسوة هذه الوقائع لا ينبغي أن تتحول إلى مصدر لتخويف النساء أو تثبيطهن، إنما يجب أن تكون دافعًا لمزيد من النقاش والعمل بعيدًا عن خطاب نهاية العالم، فالمسار الحقيقي يقتضي نفسًا طويلًا وتراكمًا في الخبرة وسعيًا مستمرًا لانتزاع مساحات أوسع من العدالة.
لا خسارة في معارك الوعي والقانون
من الناحية القانونية يرى أحمد أبو المجد أنه لا توجد خسارة نهائية أو نهاية للمطاف، فقد تكون كل قضية نقطة انطلاق لمسار إصلاحي أوسع. موضحًا أن التجارب القانونية تُظهر أن كثيرًا من التطورات التشريعية بدأت من قضايا كشفت ثغرات في النصوص أو قصورًا في تعريف الجرائم، خاصة ما يتعلق بالعنف النفسي أو الرقمي، إلى جانب إشكاليات في إجراءات الإثبات.
وتابع أبو المجد قائلًا إن هذه القضايا تُسهم في توليد ضغط مجتمعي وإعلامي يدفع نحو تعديل القوانين ويُحفّز على تطوير استراتيجيات الدفاع وتوظيف الأدلة بشكل أكثر فاعلية.
وفي غضون ذلك تواصل آلاء سعد إجراءات قضيتها حتى آخر فرصة، مشيرة إلى أن للنيابة وحدها حق الاستئناف، وأنها تقدمت بالفعل بطلب للاستئناف منتظرة ما ستؤول إليه الأمور. وتفاعلت آلاء مع اقتراحات النساء المحبطات من الحكم بمقاطعة الفنادق التي تمارس هذا التمييز، معلقة بأنها لا تراه حلًا فعالًا في ظل مناخ عام يرحب بالتمييز ضد النساء، وأنه ليس بديلًا عن كفالة حقوقهن القانونية والدستورية القائمة على اكتمال الأهلية، مشددة على أنه لا تنازل عن أن تُكفل الحقوق بالقانون وبإنفاذه.
وختامًا ترى المحامية آية حمدي أنه رغم ما قد يعتري المسار القانوني من خذلان، تظل الدعوة إلى الإبلاغ ضرورة ملحّة لا مناص من التمسك بها، فالقضية لا تتوقف عند السعي إلى أحكام منصفة في كل واقعة على حدة، إنما تمتد إلى أهمية تراكم البلاغات بمرور الوقت بوصفها وسيلة لكشف حجم المشكلات داخل المجتمع.
وتضيف أنه مع هذا التراكم يتعزز الوعي العام وتُسلط الأضواء على مواطن الخلل، مما يفتح الطريق نحو معالجات أكثر عدالة وإنصافًا حتى ولو على المدى الطويل.
وقد اتفقت الآراء في النهاية على أن قضيتي آلاء ومريم لا يمكن اعتبارهما حالة استثنائية، إنما تمثلان واقعًا يوميًا تعيشه نساء كثيرات يتعرضن للتحرش والعنف والوصاية، ومن ثم يصبح من الضروري التركيز على تطوير الإجراءات واستخلاص الدروس من كل تجربة بما يساهم تدريجيًا في إرساء حقوق أكثر رسوخًا في المستقبل، مؤكدين ضرورة الإبلاغ لكسر دائرة الصمت وفتح آفاق جديدة للعدالة والمساواة.
اقرأ أيضًا: "سنجل حريمي ممنوع".. حشد حقوقي لدعم الصحفية آلاء سعد قبل نظر قضيتها | فكر تانى
