رغيف "رشوان" ليس كل شيء.. ماذا يشتري الحد الأدنى للأجور في "الشقيقة" فرنسا؟

في نبرةِ سخريةٍ واضحة، وصف ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، دولة فرنسا بـ"الشقيقة"، وذلك في أثناء إجرائه مقارنةً "جادة" للغاية بين ما يشتريه الحد الأدنى للأجور من الخبز في باريس والقاهرة.

في خطاب رشوان، الذي جاء في مداخلة هاتفية استمرت لنحو 30 دقيقة، عبر برنامج "الحكاية" الذي يقدمه عمرو أديب على "MBC مصر"، لم تستهدف مقارنته، (لا سمح الله)، المساواة بين مصر وشقيقتها فرنسا، فلبلده عنده درجةً بالتأكيد، ولا نزايد (لا سمح الله أيضًا) على الوزير الذي استهل حديثه بتقسيم الفترة التي تولتها الحكومة منذ عام 2014 حتى الآن، مبينًا أن السنوات الست الأولى انقضت في مواجهة الإرهاب، وما تلاها بعد ذلك من مواجهة لفيروس كورونا، ثم حرب روسيا وأوكرانيا، وبعدها حرب غزة، وصولًا إلى الأوضاع الحالية "الكارثية" حسب وصفه، وكلها عوامل قاهرة اضطرت "الحكومة مؤخرًا لاتخاذ عدد من الإجراءات الاستثنائية والمؤقتة التي تم فرضها بسبب الظروف الإقليمية والتوترات السياسية".

في دفاعه عن هذه الإجراءات، يدفع وزير الدولة للإعلام بأن "الحكومة (المصرية) دي بتخبز 270 مليون رغيف في اليوم من أبو ريال، الحد الأدنى للأجور في مصر كام دلوقتي؟ 7 آلاف جنيه، دول يجيبوا 35 ألف رغيف، الحد الأدنى للأجور في الشقيقة فرنسا 1800 يورو، الباجيتاية (الرغيف الفرنسي) الحلوة دي يجيبوا 1500 رغيف، والرغيف ده قد ده 3 مرات في الوزن، ده 270 جرام، وده 90 جرام، يعني لو قولنا هو هو، يبقى الحد الأدنى للأجور في مصر يجيب 11 ألفًا و700 رغيف".

وعلى الرغم من صحة العملية الحسابية التي أجراها الوزير، تفاجئنا الأرقام الواقعية بأن القوة الشرائية للجنيه تقل كثيرًا عن اليورو في شقيقتنا الأوروبية، حيث تخطى اليورو اليوم حاجز الـ62 جنيهًا. ويعني هذا ببساطة أن الحد الأدنى للأجور في مصر، والمقدر بـ7 آلاف جنيه، يساوي نحو 111 يورو فقط، في حين يصل الحد الأدنى هناك إلى 1823 يورو بحسب موقع "تريند إيكونومي". ويعادل هذا الرقم الأخير 114 ألف جنيهٍ تقريبًا، ليمثل بذلك نحو خمسة عشر ضعفًا لنظيره في مصر، وهو ما يجعل المقارنة تفتقر إلى "العدالة".

لكن المفارق ليست في الفجوة الشاسعة بين الحدين وحدهما، وإنما في استحالة تطبيق العملية ذاتها التي أشار إليها وزير الدولة للإعلام على أرض الواقع الفعلي، فالمواطن المصري يمكنه الحصول على عدد محدد من الخبز المدعم بمعدل خمسة أرغفةٍ يوميًا، أي نحو 1825 رغيفًا سنويًا، باشتراط أن تكون لديه بطاقة تموين سارية. وهذا بالضبط ما يتمتع به نحو 68 مليون مواطن مستفيد من صرف الخبز المدعم عبر البطاقات التموينية، بما يعادل إنتاج 250 إلى 270 مليون رغيف في اليوم بسعر ثابت يبلغ 20 قرشًا للرغيف الواحد، حيث بلغ إجمالي دعم الخبز نحو 124 مليار جنيه، وذلك وفق وزارة التموين والتجارة الداخلية في تقرير حصادها السنوي لعام 2025. وعلى العكس من ذلك تمامًا، يُباع خبز "الباجيت" بسعر السوق الحرة في فرنسا.

ولكي تتضح معالم القوة الشرائية الفعلية بتطبيق العملية الحسابية نفسها على سلع أخرى، نجد أن سعر كيلو اللحم في مصر يتراوح بين 350 و450 جنيهًا، أي أن الحد الأدنى للأجور في مصر يُمكّن من شراء ما يتراوح بين 15 و20 كيلوجرامًا فقط. وفي المقابل، يتراوح سعر الكيلو في فرنسا بين 15 و20 يورو، أي أن الحد الأدنى للمواطن الفرنسي يُمكنه من شراء 90 إلى 120 كيلوجرامًا من اللحم البقري الممتاز.

أما عن البيض، ففي فرنسا يبلغ متوسط سعر البيضة نحو 0.18 يورو، أي أن الحد الأدنى يشتري نحو عشرة آلاف بيضة، بينما في مصر يتراوح سعر البيضة بين 5 و6 جنيهات، أي أن الحد الأدنى يُمكن صاحبه من شراء نحو 1400 إلى 1500 بيضة فقط، وهو ما يؤكده الرابط البياني المرفق للسلع الأساسية من البيض واللحم مقابل الحد الأدنى للأجور في مصر وفرنسا.

وبعيدًا عن أرفف السلع الغذائية، وبقياس القدرة الشرائية نفسها للحد الأدنى للأجور في البلدين بحسب أسعار الذهب من فئة عيار 24، يتبين أن الحد الأدنى في فرنسا الذي يبلغ 1823 يورو يُمكن صاحبه من شراء نحو 14 جرامًا من الذهب، لا سيما أن سعر الجرام الواحد بلغ نحو 126 يورو. وفي حين يمنح الحد الأدنى هناك هذه القدرة، نجد أن جرام الذهب من الفئة نفسها في مصر يتفوق على الحد الأدنى للأجور بأكمله بما يعادل 1114 جنيهًا.

وبالمقارنة بشكل أوسع بالنظر إلى متوسط الأجور في أوروبا، فقد بلغ نحو 39,808 يورو سنويًا خلال عام 2024، أي نحو 45 ألف دولار سنويًا، وفق بيانات "يوروستات". وفي الجهة المقابلة، بلغ متوسط الأجور في مصر خلال العام نفسه نحو 78 ألف جنيه سنويًا بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أي ما يعادل نحو 1466 دولارًا.

وكل هذه المعطيات تجعل المقارنة التي اعتمدها وزير الدولة للإعلام غير عادلةٍ من الأساس، لا سيما مع الاختلاف الجذري بين نظام الدعم في مصر ونظيره في فرنسا، حيث تعتمد الحكومة هناك على دعم الدخل والخدمات الأساسية للمواطن وفق أسسٍ هيكليةٍ أخرى تختلف كليًا عن الواقع المصري، إلا لو كان الوزير يُورد هذه المقارنة من باب "التهكم"، وهو دافعٌ نترك للوزير مهمة الإجابة عليه.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة